يبرز مضيقا هرمز وباب المندب بصورة خاصة، ليس فقط بسبب حجم التدفقات النفطية والتجارية عبرهما، بل أيضاً بسبب الترابط الوظيفي بينهما. فبينما يمثل هرمز البوابة الرئيسية لصادرات الخليج، تعتمد بعض البدائل المستخدمة لتجاوزه على موانئ البحر الأحمر ومسارات قد تمر لاحقاً عبر باب المندب.
ومن هنا تبرز مفارقة أساسية: تجاوز نقطة اختناق قد يعني ببساطة الانتقال إلى نقطة اختناق أخرى. أما تعطّل المضيقين معاً، فيكشف حدود قدرة البنية التحتية والأسواق على امتصاص الصدمة، وينقل آثارها من الملاحة إلى الطاقة والنقل والأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.
أولاً: لماذا تُعد المضائق «نقاط اختناق استراتيجية»؟
تُعرَّف نقاط الاختناق البحرية (Chokepoints) بأنها ممرات ضيقة تتركز عبرها حركة كبيرة من الطاقة والتجارة، وتزداد أهميتها الاستراتيجية كلما كانت البدائل محدودة أو أعلى كلفة وأبطأ وأقل قدرة على استيعاب التدفقات. لذلك، لا يُقاس خطر نقطة الاختناق بحجم التجارة التي تمر عبرها فحسب، بل أيضاً بصعوبة استبدالها عند حدوث اضطراب.
ويمثل هرمز البوابة الرئيسية لخروج النفط والغاز من الخليج. وقد بلغ متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبره في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، فيما اتجه نحو 89% من النفط الخام والمكثفات العابرة له إلى آسيا. كما مر عبره نحو 11.4 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي المسال.
أما باب المندب، فيربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكل جزءاً أساسياً من المسار البحري بين آسيا وأوروبا. وقد مر عبره، في النصف الأول من 2023، نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، فيما بلغ متوسط تدفقات النفط عبره في النصف الأول من 2026 نحو 6.85 ملايين برميل يومياً.
ويمتلك باب المندب بديلاً جغرافياً هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، لكن هذا المسار يضيف مسافة وزمناً وكلفة أكبر للوقود والشحن والتأمين. فوجود طريق بديل لا يعني وجود بديل مكافئ اقتصادياً.
ثانياً: هرمز واختبار البدائل الخليجية
تمتلك بعض دول الخليج بنية تحتية تسمح بإعادة توجيه جزء من صادرات النفط بعيداً عن هرمز، لكنها لا توفر قدرة معادلة لحجم التدفقات عبر المضيق. وتُقدّر القدرة الفعلية المتاحة لتجاوزه عبر البنية التحتية السعودية والإماراتية ببضعة ملايين من البراميل يومياً، مقابل تدفقات تقارب 20 مليون برميل يومياً عبر هرمز.
وتبرز السعودية بفضل خط شرق–غرب (Petroline)، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. وتبلغ طاقته الأساسية نحو 5 ملايين برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى نحو 7 ملايين برميل في ظروف التشغيل الطارئة، وإن كانت القدرة الفعلية على التصدير أقل من الطاقة التصميمية بسبب احتياجات الاستهلاك المحلي والتكرير والتخزين.
وقد كشفت أزمة 2026 أهمية هذا المسار، مع رفع مستوى تشغيل الخط واستخدام موانئ البحر الأحمر لتعويض جزء من التدفقات المتأثرة باضطراب هرمز.
كما يوفر خط حبشان–الفجيرة الإماراتي (ADCOP) مساراً آخر بعيداً عن المضيق، بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً.
لكن هذه البدائل تخفف الاعتماد على هرمز ولا تلغيه. كما أنها لا تلغي الحاجة إلى موانئ وناقلات وممرات بحرية آمنة. وبذلك، يختلف تجاوز هرمز جغرافياً عن تجاوزه اقتصادياً واستراتيجياً.
ثالثاً: باب المندب.. حين يصبح البديل نقطة اختناق
تزداد أهمية باب المندب بالنسبة إلى السعودية لأن خط شرق–غرب ينتهي عند ينبع على البحر الأحمر. وبالنسبة إلى جزء من التدفقات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، يستمر المسار من هناك جنوباً عبر باب المندب إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
وهكذا، لا تلغي البنية التحتية السعودية الاعتماد على الجغرافيا البحرية، بل تنقل نقطة التعرض من هرمز إلى احتمال آخر. وقد ظهرت هذه المعضلة بوضوح مع اضطرابات البحر الأحمر منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، إذ دفعت المخاطر الأمنية شركات شحن إلى إعادة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح حتى من دون إغلاق باب المندب رسمياً، ما أدى إلى إطالة الرحلات وزيادة تكاليف الوقود والشحن والتأمين.
ومن هنا يبرز مفهوم «الإغلاق الوظيفي»: فقد يبقى المضيق مفتوحاً تقنياً وقانونياً، لكن ارتفاع المخاطر وكلفة التأمين والنقل قد يجعل استخدامه أقل جدوى تجارياً، فيتعامل السوق معه كما لو كان مغلقاً جزئياً.
رابعاً: «الحصار بالحصار» والجغرافيا اليمنية
استخدمت جماعة أنصار الله في سياق الحرب اليمنية تعبير «الحصار بالحصار» لوصف استراتيجية تهدف، بحسب خطابها، إلى نقل جزء من كلفة الحصار المفروض على اليمن إلى خصومها ومصالحهم الاقتصادية واللوجستية.
واكتسبت هذه المقاربة بعداً بحرياً بفعل موقع اليمن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقربه من باب المندب. فكلما ازداد اعتماد السعودية على البحر الأحمر وخط شرق–غرب وموانئ ينبع لتقليل تعرضها لهرمز، ازدادت أهمية سلامة الممرات البحرية الجنوبية بالنسبة إلى صادراتها.
ولا يتطلب تحقيق أثر اقتصادي إغلاق باب المندب بالكامل. فالتهديدات والهجمات على الملاحة قد تكون كافية لرفع أقساط التأمين وتكاليف الشحن ودفع شركات النقل إلى اختيار مسارات أطول.
وهنا تظهر المفارقة الجيوسياسية: تستخدم السعودية البحر الأحمر لتقليل تعرضها لهرمز، بينما يمنح موقع اليمن أنصار الله قدرة على التأثير في كلفة وكفاءة هذا المسار البديل.
ولا يعني ذلك قدرة الجماعة على فرض حصار اقتصادي شامل على السعودية أو إغلاق التجارة العالمية، بل قدرتها على رفع كلفة استخدام أحد المسارات التي تعتمد عليها المملكة لتقليل تعرضها لنقطة اختناق أخرى.
خامساً: السيناريو الأخطر.. الاختناق المزدوج
يمثل التعطيل المتزامن لهرمز وباب المندب السيناريو الأكثر خطورة، لا بسبب اضطراب ممرين رئيسيين فحسب، بل لأن المسار المستخدم لتجاوز الأول قد يعتمد، في مرحلة لاحقة، على بقاء الثاني مفتوحاً.
وتظهر المشكلة بوضوح في الحالة السعودية. فعند اضطراب هرمز، يمكن نقل جزء من النفط إلى ينبع عبر خط شرق–غرب. لكن جزءاً من الصادرات المتجهة إلى آسيا يحتاج بعد ذلك إلى مواصلة الرحلة عبر البحر الأحمر وباب المندب.
أي إن سلسلة التصدير يمكن أن تصبح:
شرق السعودية ← خط شرق–غرب ← ينبع ← باب المندب ← بحر العرب ← الأسواق الآسيوية.
وهنا قد يتحول البديل نفسه إلى نقطة ضعف. فإذا بقي باب المندب آمناً، يستطيع المسار السعودي تخفيف جزء من صدمة هرمز. أما إذا أصبح المضيق مغلقاً أو شديد الخطورة، فتتراجع قيمة هذا البديل حتى لو استمر خط شرق–غرب في العمل بكامل طاقته.
ويمكن عندئذ الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، لكن بثمن إضافي من الوقت والوقود والسفن والتأمين.
كما توفر قناة السويس وخط سوميد أدوات مكملة، ولا سيما للتدفقات المتجهة إلى أوروبا والبحر المتوسط، لكنها لا تمثل بديلاً كاملاً من حيث الحجم والكفاءة والسرعة والكلفة.
وهذا هو جوهر «الاختناق المزدوج» (Double Chokepoint): إذا تعطّل هرمز وحده، تستطيع الأنابيب تخفيف جزء من الصدمة؛ وإذا تعطّل باب المندب وحده، تستطيع السفن الالتفاف حول أفريقيا. أما تعطلهما معاً، فيضعف البدائل نفسها ويزيد كلفة التعويض.
سادساً: من المضيق إلى الاقتصاد العالمي
لا يشترط انتقال أثر نقطة الاختناق إلى الاقتصاد العالمي إغلاقها عسكرياً. فقد يكون ارتفاع المخاطر الأمنية وحده كافياً لدفع شركات الشحن والتأمين إلى تجنبها.
وتنتقل الصدمة عبر سلسلة مترابطة:
مخاطر أمنية ← ارتفاع التأمين والشحن ← تغيير المسارات ← رحلات أطول ← حاجة إلى سفن ووقود إضافيين ← ارتفاع كلفة الطاقة والسلع.
ثم تمتد الآثار من أسواق النفط والغاز والمنتجات النفطية إلى سلاسل الإمداد والمدخلات الصناعية والسلع النهائية.
وتملك الأسواق وسائل لامتصاص جزء من الصدمة، مثل إعادة توجيه السفن، وخطوط الأنابيب والموانئ البديلة، والمخزونات الاستراتيجية، وزيادة الإنتاج وإعادة توزيع الإمدادات.
لكن هذه الأدوات لا تلغي الكلفة. فالمخزونات قابلة للاستنزاف، وزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت، والمسارات الأطول تحتاج إلى سفن ووقود إضافيين، فيما تخضع إعادة توزيع الإمدادات لقيود تتعلق بالكميات وقدرات النقل ونوعية الخام واحتياجات المصافي.
لذلك، لا تعني مرونة الأسواق إزالة الصدمة، بل القدرة على امتصاص جزء منها وإعادة توزيع كلفتها.
خاتمة
تكشف حالة هرمز وباب المندب أن القوة الاستراتيجية لنقاط الاختناق البحرية لا تكمن فقط في إمكانية إغلاقها، بل في قدرتها على رفع كلفة الحركة وإبطائها وتعقيدها.
وتكشف الحالة الخليجية، ولا سيما السعودية، حقيقة أكثر أهمية: البدائل ليست مستقلة بعضها عن بعض. فاضطراب هرمز يدفع إلى استخدام الأنابيب وموانئ البحر الأحمر، لكن بعض هذه المسارات يعتمد بدوره على سلامة باب المندب.
لذلك، فإن تجاوز نقطة اختناق قد لا يعني إزالة الخطر، بل نقله إلى نقطة أخرى.
ومن هنا، لا يتمثل السيناريو الأخطر في إغلاق مضيقين فحسب، بل في تعطيل البديل والبديل عن البديل. فعندما يصبح المسار المصمم لامتصاص الصدمة معرضاً بدوره للاختناق، تتحول مرونة الشبكة من أداة لاحتواء الأزمة إلى قناة لنقلها وتوسيع كلفتها.
