صواريخ غزة تتحدى القبّة الحديدية.. ماذا بعد؟
TOPSHOT - The Israeli Iron Dome missile defence system (L) intercepts rockets (R) fired by the Hamas movement towards southern Israel from Beit Lahia in the northern Gaza Strip as seen in the sky above the Gaza Strip overnight on May 14, 2021. - Israel bombarded Gaza with artillery and air strikes on Friday, May 14, in response to a new barrage of rocket fire from the Hamas-run enclave, but stopped short of a ground offensive in the conflict that has now claimed more than 100 Palestinian lives. As the violence intensified, Israel said it was carrying out an attack "in the Gaza Strip" although it later clarified there were no boots on the ground. (Photo by ANAS BABA / AFP) (Photo by ANAS BABA/AFP via Getty Images)

لن تغيب عن مخيلة كل من تابع حرب غزة الأخيرة صورة صواريخ القبة الحديدية تعترض صواريخ المقاومة الفلسطينية، لترتسم صورة في الفضاء الفلسطيني، تشبه إلى حد كبير اللوحة التشكيلية التي يطغى عليها الأسود والبرتقالي. هل نجحت هذه "القبة" في إعتراض صواريخ غزة؟

“عندما تم الكشف عن القبة الحديدية للمرة الأولى تعرضنا للسخرية. قال منتقدو نظام القبة الحديدية إنه لا يمكن القيام بذلك. لكننا نحن من نضحك أخيراً. لا أتخيل كيف كانت ستبدو الحياة المدنية خلال الحملات (العسكرية) من دون هذه الأنظمة”. هذا الكلام هو لنائب رئيس شركة رافائيل (للصناعات الدفاعية الاسرائيلية) شلومو طواف، الذي يرأس قسم أنظمة الدفاع الجوي قصير المدى في الشركة، وقد قاله لصحيفة “اسرائيل هيوم” في 31 اذار/ مارس الماضي!

مع اول صلية صاروخية من غزة على القدس وتل ابيب وعسقلان وغيرها، فإن الضحكة التي بشّر بها نائب رئيس شركة رافائيل للصناعات الدفاعية الاسرائيلية شلومو طواف نفسه بها، لا شك انها اختفت عن وجهه وعن وجوه باقي المسؤولين في الشركة وهم يشاهدون بأم العين صواريخ المقاومة الفلسطينية تخترق قبة حديدية وضعت في الخدمة منذ اكثر من عقد من الزمن، ولو بنسبة غير كبيرة.

يفاخر القادة الإسرائيليون، بأن نظام القبة ومجالها الخاص، فريد من نوعه. ويعد وفقاً لهم، من بين الأنظمة الأولى وأكثرها فاعلية حتى الآن، من بين تلك التي تم تصميمها في العالم لهذه الغاية. يذهبون في تشبيهه بنظام الباتريوت الذي تشغله الولايات المتحدة، مع العلم ان الباتريوت، لا يغطي الصواريخ منخفضة المدى القادمة من غزة ولبنان واماكن اخرى، والتي صُمّمت لمواجهتها.

يقول الباحث في معهد الشرق الأوسط في جامعة سنغافورة الوطنية، جان لوب سمعان، ان القبة الحديدية “مثيرة للإعجاب من حيث مميزاتها التكنولوجية التي تعمل بها وقيادة تلك التكنولوجيا، لكنها لا تستطيع، بمفردها، حماية الدولة من جميع التهديدات المحيطة (…). القبة الحديدية جيدة لكسب الوقت، لكنها لا تغير في طبيعة الصراع. إنها لا تغيّر حقيقة أن الجيش الإسرائيلي لا يزال مضطرًا إلى استخدام الضربات الجوية وربما التهديد بالتدخل البري (…). انا لا أقول أن القبة الحديدية غير مجدية، أعتقد أنها مثل خيار التأمين. طريقة رائعة لطمأنه المواطنين وتجنب الاضطراب التام في الحياة اليومية. لكن في نهاية المطاف، لا يمكن أن يكون هذا هو الخيار الوحيد”.

تُعد القبة الحديدية عنصرا مهما في الاستراتيجية العسكرية، كإجراء دفاعي إما لردع صواريخ تستهدف أهدافا مدنية أو عسكرية، لكن على ارض الواقع لم تتغير الثقافة العسكرية الإسرائيلية حقًا. تقليديا، اعتمد الجيش الإسرائيلي على الموقف الهجومي. ليس لأنهم يعتبرون أنفسهم قوة عسكرية عدوانية، ولكن لأنهم يؤمنون فعلا، أنه ليس من الممكن، بالنظر إلى عقيدتهم، الاعتماد على الدفاع. الدفاع طريق يؤدي إلى الهزيمة، ذلك أن إسرائيل ومنذ تأسيسها، اعتمدت دائمًا على الفكرة القائلة أنك بحاجة إلى منع غزو أو هجوم على الدولة بوسائل هجومية.

وفقًا لمسؤولين إسرائيليين، أطلق الفلسطينيون من غزة حوالي أربعة آلاف صاروخ وقذيفة خلال أحد عشر يوماً (بمعدل بين 350 إلى 400 يومياً) حسب قناة “كان” الإسرائيلية، وكانت القبة الحديدية تعترض ما بين 85 إلى 90 بالمائة من الصواريخ (أي سقط حوالي 600 صاروخ من أصل 4000)

بالمقابل، تمكنت المقاومة في فلسطين من إرباك نظام القبة الحديدية، فكلما زاد عدد الصواريخ التي ترسلها، تزداد صعوبة اعتراض الصواريخ واسقاطها، فماذا في حال فتح جبهتين أو ثلاث جبهات في آن معاً؟

“إذا كان لديك وابل من الصواريخ يتم إرسالها في نفس الوقت من غزة وجنوب لبنان. هذا قد يصبح مشكلة من حيث استدامة النظام. لذا فإن التغلب على القبة الحديدية هو تكتيك”، يقول خبير عسكري غربي.

وفقًا لمسؤولين إسرائيليين، أطلق الفلسطينيون من غزة حوالي أربعة آلاف صاروخ وقذيفة خلال أحد عشر يوماً (بمعدل بين 350 إلى 400 يومياً) حسب قناة “كان” الإسرائيلية، وكانت القبة الحديدية تعترض ما بين 85 إلى 90 بالمائة من الصواريخ (أي سقط حوالي 600 صاروخ من أصل 4000)..

هنا يشير موقع “فوربس” الى “نقاط ضعف في القبة الحديدية”، بينها عدم معرفة الحد الأقصى لعدد الصواريخ التي يمكن للنظام أن يتعامل معها “في وقت واحد”، “فإذا تم تجاوز هذا العدد، سوف تمر الصواريخ الزائدة. تبدو الهجمات الأخيرة وكأنها محاولة لإغراق النظام بصواريخ أكثر من أي وقت مضى”.

واضاف الموقع “كما أن إمداد صواريخ تامير ــ  طراز الصواريخ التي تنطلق من نظام القبة ـ محدود، وهي باهظة الثمن، بينما يقال إن حماس خزنت آلاف صواريخ القسام وأسلحة أخرى (تقدر تل أبيب عدد صواريخ المقاومة بما بين 15 إلى 16 ألف صاروخ). أحيانًا تطلق القبة الحديدية صاروخين ضد صاروخ واحد لضمان اعتراضه”.

وتنقل صحيفة “واشنطن بوست” في مقال لها مؤخراً، عن مايكل هيرتزوغ، العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي قوله ان الصواريخ قصيرة المدى “تشكل أيضًا تهديدًا لأن القبة الحديدية أقل فاعلية في نطاقات 2.5 ميل أو أقل”، ويضيف “على الرغم من أن الأسلحة غالبًا ما تكون بدائية ويفتقر الكثير منها إلى أنظمة التوجيه، إلا أن أعدادها الهائلة وتكلفتها المنخفضة تعد ميزة ضد القبة الحديدية. في حين أن الصاروخ قد يكلف أقل من بضع مئات من الدولارات، فإن كل صاروخ معترض يكلف حوالي 80 ألف دولار”، وفقًا لتقارير إسرائيلية.

حتى ما قبل حرب غزّة الأخيرة، كانت اسرائيل تترقب مواجهة اخطار وجودية في حرب مستقبلية في القطاع الشمالي، حيث من المتوقع بحسب شركة رافائيل، أن يبادر حزب الله إلى إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل يومياً. كما يواجه الجيش الإسرائيلي أيضًا خطر إطلاق صواريخ كروز على المنشآت الاستراتيجية

تعود قصة القبة الحديدية الى  شباط/ فبراير  2007، عندما اختارها وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، عمير بيريتس،  كنظام دفاعي لإسرائيل، ضد التهديد الصاروخي قصير المدى من غزة ولبنان. وقد وضع نظام الدفاع الجوي للقبة الحديدية في الخدمة الفعلية في 7 نيسان/ أبريل 2011، حينما اعترض صاروخا من طراز “غراد” أطلقته المقاومة الفلسطينية بإتجاه غلاف غزة.

إقرأ على موقع 180  الخروج من الإتفاق النووي القديم إلى إتفاق نووي جديد

وتتكون القبة الحديدية من سلسلة من رادارات الكشف والتتبع، ومراكز التحكم وتحليل الداتا ووحدات إطلاق بطاريات الصواريخ. وظيفة الرادارات أن ترصد القذيفة ويحدد نظام إدارة المعركة ما إذا كانت كل قذيفة تمثل تهديدًا، ويخصص واحدًا أو أكثر من الصواريخ المعترضة. كل قاذفة تحمل 20 صاروخا من طراز “تامير”، وزن كل منها حوالي 200 رطل (حوالي 90 كيلو غرام ونصف الكيلوغرام)، ويبلغ مداها من 4 إلى 70 كيلومترا. تقدر تكلفتها ما بين 20.000 إلى 100.000 دولار لكل منها.

في اذار/ مارس الماضي، منحت مؤسسة الدفاع لصحيفة “اسرائيل هيوم” إذنًا خاصًا لنشر بعض تفاصيل نظام الدفاع الجوي، كاشفة انه “يتم تجميع القبة الحديدية، وتبدأ في الانتهاء، في منشأة في شمال إسرائيل”، كما يقول نائب رئيس شركة رافائيل شلومو طواف.

تم تطوير القبة الحديدية باستخدام الأموال الإسرائيلية، ولكن عندما دخلت وزارة الدفاع الإسرائيلية (قسم الصناعات الفضائية) وشركة رافائيل في الإنتاج الضخم، تم استخدام التمويل الأميركي أيضًا. (كانت التكلفة المقدرة للنظام في عام 2011 حوالي 210 مليون دولار قبل أن تصل في العام 2021 إلى ما يزيد عن عتبة المليار ونصف المليار دولار). بالمقابل، تعهدت إسرائيل بإنتاج 50 بالمائة من مكونات النظام في الولايات المتحدة. ويتم تصنيع الأجزاء المختلفة في 22 ولاية أميركية، قبل أن يتم شحنها إلى إسرائيل للتجميع.

مع قرب انتهاء ولاية الرئيس باراك أوباما الأولى، في عام 2012، ركزت الولايات المتحدة على القبة الحديدية في ما يتعلق بالميزانية. وهذا يعود الى التقييم الاستراتيجي الاميركي الذي يعطي الأولوية لحماية وتعزيز الدفاع عن إسرائيل في مواجهة هذه الأنواع من الصواريخ.

في شباط/ فبراير 2021، أعلنت  شركة رافائيل ومديرية “هوما” بوزارة الدفاع، التي تشرف على تطوير الدفاعات الصاروخية، عن قفزة تكنولوجية أخرى في التعامل مع التهديدات المشتركة: في اختبارها الأخير، تمكنت القبة الحديدية من اعتراض أهداف تحاكي كل من الصواريخ والمركبات الجوية بدون طيار.

حتى ما قبل حرب غزّة الأخيرة، كانت اسرائيل تترقب مواجهة اخطار وجودية في حرب مستقبلية في القطاع الشمالي، حيث من المتوقع بحسب شركة رافائيل، أن يبادر حزب الله إلى إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل يومياً. كما يواجه الجيش الإسرائيلي أيضًا خطر إطلاق صواريخ كروز على المنشآت الاستراتيجية.

وفي اطار استعدادتها للحرب المستقبلية، يقول مدير مركز هوما (الدفاع الصاروخي) موشيه باتيل لـ”يسرائيل هيوم” إنه “إلى جانب القبة الحديدية، تشمل الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتعددة الطبقات مقلاع داوود، الذي يتصدى للصواريخ والصواريخ متوسطة إلى بعيدة المدى. صاروخ آرو 2 (السهم) الاعتراضي القصير المدى والمتوسط ​​المدى للصواريخ الباليستية، وصاروخ آرو 3 الاعتراضي الطويل المدى”.

وأوضح باتيل بأن “جميع الأنظمة التي تشكل الدفاعات الجوية الإسرائيلية مرتبطة الآن ارتباطًا وثيقًا”، قائلاً: “يمكن أن ينقل السهم (البيانات) إلى مقلاع داوود والقبة الحديدية، مما يسمح لكل نظام بالاستعداد حسب الحاجة”. ويضيف “نحن نعمل باستمرار حتى نكون مستعدين قدر الإمكان للحرب القادمة”، كاشفا أن “المؤسسة الدفاعية تعمل حاليًا على نظام دفاع بالليزر لاعتراض الصواريخ، والتي ستضاف في النهاية إلى القبة الحديدية”.

في المقابل، لا تهدأ العقول التي تقاتل إسرائيل. حتماً تحتمل كل حرب مستقبلية الكثير من المفاجآت. مثلاً طائرات حماس المسيرة ــ وهي تشبه إلى حد ما طائرة قاصف بدون طيار التي استخدمها الحوثيون في حرب اليمن ـ وهما تشبهان مسيرة أبابيل 2 بدون طيار الإيرانية وهذه قد تستخدم لاختراق دفاعات القبة الحديدية.

حتماً لو كانت إسرائيل بلا نظام القبة الحديدية، لكان جنونها يمكن أن يكون أكبر بكثير. لننتظر الجولات المقبلة وما يمكن أن تكشفه من أسلحة وتقنيات ومفاجآت في صراع يبدو أن لا أفق لنهايته.

Print Friendly, PDF & Email
علي دربج

باحث ومحاضر جامعي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "كورونا" في بعده السياسي... تسويات معطلة وازمات مؤجلة