في البَلادَة.. والتَّكرَار

جلست الطفلةُ مع أمها في النادي، لا يبدو عليها المرح المعتاد؛ بدأت المدارس وبدأت معها معاناة التلامذة وأهليهم على حد سواء. كرَّرت الأم على ابنتها السؤال؛ فلم يبد عليها فهم. أعادته مرة ثانية؛ لكن نظرةَ البنت المدهوشة لم تتبدل. طلبت منها الأمُ أن ترددَ الإجابة وراءها واستحثتها في غيظ وهي تقول: "التكرار يعلم الشطار". 

يُقال ما فاضَ الكيلُ إن “التكرار يعلم الحمار”؛ لكن القاعدة تحمل كما هي العادة استثناءها، فالتكرار يفشل بعض الأحيان في تحقيق المراد أو تكون نتيجته مَحدودة ضعيفة، والظنُّ أن المرءَ يصبح قادرًا بمرور الوقت على تنفيذ الأشياء التي يُلقَّن إياها مرة بعد أخرى بالكيفية ذاتها، وقد يكتسب مهارة أدائها بمفرده؛ لكنه يظل عاجزًا عن الإتيان بأي فعل جديد تنجبه قريحته، والحقُّ أن النمطَ الثابتَ الذي يقود التصرُّفات؛ لا يرتبط بقدرةِ الفردِ على التفكير والاستنتاج، بل أنه ينأى بمسافة واسعة عن أمور الابتكار والإبداع.

***

إذا حاول الواحد منا أن يطبق ما تعلم بحذافيره، ولجأ لما قرأ بين صفحات الكتب والمراجع؛ فحاكاه في آلية دون أن يتدبَّر أمرَه ودون أن يسعى لتكييف معرفته لتلائم الواقع؛ جاءت النتيجة على غير ما أراد واشتهى. ينظر الناسُ إليه ويراقبون صنيعه ثم يقولون: “حافظ مش فاهم”. الحافظ قد يبدو للوهلة الأولى ماهرًا حَذِقًا؛ لكن حقيقتَه سرعان ما تتكشَّف أمام الجميع فاضحةً مؤسفة؛ ومِن الأمثلة ما يُثقِل الكاهلَ ويدفع بالمرارةِ إلى الحلوق.

***

الالتزامُ بالمراجِع العِلمية المُعتمَدة أمر مَحمود؛ لكنه قد يصبح بعض المرات عبءًا لا مَيزة. تداولت مرارًا وبعض الأصدقاء حول طبيعة المنظومة الطبية في عدد من البلدان الاجنبية؛ حيث يَمضي الطبيب لصقًا لما ذكرت الكتبُ المُسجلة المُعترَف بها، لا يتمَكن من التفكير خارج الأطر المُعتمَدة، ولا مِن وضع احتمالات واستنتاجات لا تذكرها السُّطور المُقدَّسة. هذا المَسار القويم قد يُفضي عفوًا إلى إغفال تشخيصٍ ظاهر ومِن ثمّ الامتناع عن وَصف علاج كان لينقذ المريض. الحِفظ مجردًا من ملكات العقل الأخرى فيه شيء من البلادة وله ولا شك مَضار، وغالب الظنّ أن تنحية الفهم جانبًا لا تعود بالنفع على عموم الناس؛ لكنها للحقّ تقي صاحبها شرَّ المُسائَلة القانونية.

***

على دَرب التخلي عن الفهم لصالح المُحاكاة العمياء؛ انتشرت لدينا منذ عقود شرفاتٌ مُغلقة، تحيط بها ضُلفُ الألوميتال الخانقة التي تمتصُّ الحرارةَ وتعمل عملَ الأفران. كذلك انتشر في شوارعنا وحدائقنا نخيلٌ مرتفع لا يُثمِر، ولا يلقي بالظلال الوفيرة كما تفعل الأشجار. سبب انتشار هذا وذاك محض تقليد ساذج لبعض دول الجوار التي تتمتع بأجواء مغايرة، والحقّ أن الشيش الخشبيّ القديم الذي عرفناه والذي تميل شرائحه فتحجِب الشمسَ وتسمح في الآن ذاته بمرور الهواء؛ كان الأنسب لأحوالنا في زمن ولى وانقضى؛ قبل أن نتشبه بالصحراوات المُجدِبة، ونتبنَّى أقفاصَ الزجاج التي تعادي مناخَنا، وننزع النباتات التي تميز بها وادي النيل على مر القرون ونجتزها من أرضها؛ لتتراكم خسائرنا وتمسي مُوجِعة مُهينة.

***

قد يتعذَّر استيعابُ المعلومة الدَّسِمة المُكثفة حال الاستماع إليها مرةً وحيدة، ويصبح التكرار حينها ضرورةً مطلوبة؛ تعكس اهتمامَ السامِع وتُدلل على يقظة عقلِه وتَحفُّزه؛ لا على بلادته أو ركوده. يلجأ المرءُ إلى الإنصات مرة ثانية وربما ثالثة، يعطي مُحدثَه الانتباهَ الكامل كي يستخلصَ الدرسَ، ولمثل هذه المواقف صِيغَت الحكمةُ العربيةُ الأصيلة: “في الإعادة إفادة”. كلما عاودت قراءة مجموعات نجيب محفوظ القصَصِيَّة؛ كلما استلهمت معانيَ جديدة، وكلما أمعنت ودقَّقت في المعاني؛ كلما تجاوزتها إلى تأويلات أعمق وأرحب. الفائدة من الإعادة مُحقَّقة والمتعة قائمة.

***

ربما يفقد المرءُ سيطرتَه على انفعالاته ما تورَّط في نقاش مُزعج؛ يحيد عن الهدفِ مهما حاول ضبط اتجاهه، ويمضي به عنوة في مسارات مُتكلسَة عقيمة؛ وإذا به يتخلى في لحظة ضيق عن وقاره، ويلوذ بالمثل الشعبيّ اللاذع: “نقول طور يقولوا احلبوه”. القولُ غير منطقيّ بل ومستحيل التنفيذ إذ يرتطم بطريق نهايتها مَسدودة؛ والمعنى أن الطرفَ المُشارِك في النقاش لا يَستحي أن يُعيدَ طلبه رغم استحالته، ورغم تكرار الشرح والتفسير؛ ربما عن جَهل فاحش، أو عجزًا عن الفهم، أو اعتقادًا في أن الإصرار على موقفه قد يغير الحصيلة.

***

تأتي على الجانب المقابل تلك الحكمةُ السديدةُ التي تمتدح الفِطنة وتزكيها على ما سواها؛ فتقول: “كلُّ لبيبٍ بالإشارةِ يَفهم”. اللبيبُ بطبيعته ذكيٌّ واع، يلتقط أدقَّ الإشارات فيترجمها إلى المعاني الصحيحة، ثم يقوم بالبناء عليها. في زيارات متكررة لدار الأوبرا؛ شهدت تدريبات أوركسترا القاهرة السيمفوني بقيادة المايسترو العظيم مصطفى ناجي. كانت عصا القيادة في يده قليلة الحركة، يلحظ المتابع هزَّات خفيفة من رأسه، وإيماءات دقيقة يوزعها بحساب؛ فيفهم العازفون على الفور مقصده ويستجيبون؛ دون أن يحتاج أحدهم للإعادة والتكرار. حضرت في المقابل حفلات متنوعة لقائدي أوركسترا من الأجانب والمصريين؛ يتحول انفعالهم بالموسيقى إلى أداء جسديّ عنيف وحركة مُفرِطة تجذب العين؛ فلا يخطئها أيضًا عازف. لكلّ قائد أسلوبه الذي يُميّزه، والعِبرة بما يصل إليه من تفوُّق وما يُحقق من استمتاع للحاضرين.

إقرأ على موقع 180  الأولويات الأميركية تنقل القذائف من تل أبيب إلى كييف!

***

في عدم جدوى المحاولة يقال: “عَلم في المِتبلّم يصبح ناسي”؛ والمراد أن الحصادَ في مثل هذه الحال مَعدوم، وأن الجهدَ المبذول ضائع مهما كان ضخمًا. نستخدم كلمةُ “المتبلم” في وَصف كل شارد ساهي وصَامت، ومردُّها في معاجم اللغة العربية إلى الأصل “بَلَّم” بتشديد اللام وفتحها أي؛ سَكَتَ. كثيرًا ما نستشهد بالأمثولة السابقة إذ نجد فيها ما يلخص مواقف عديدة؛ حيث يُقال الكلامُ ذاته في كل مناسبة، ويُطرَق المَوضوع ذاته عشرات المرات؛ بينما المردود غائب، حتى ليظن المرءُ أن غيابه مُتعمَّد وأن “المتبلم” يدرك جيدًا ما يجري على الأرض؛ لكنه يملِك أغراضًا كامنة غير مُعلنة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الأولويات الأميركية تنقل القذائف من تل أبيب إلى كييف!