سوريا: ثقة الناس بدولتهم لا تُستعاد برفع الأسعار

حين تُضطر الدولة السورية إلى رفع أسعار المحروقات، فهي لا ترفع سعرًا واحدًا فحسب؛ إذ ترتبط المحروقات بكل تفاصيل الحياة اليومية تقريبًا، من نقل وزراعة وصناعة إلى الكهرباء والمواد الغذائية والخدمات. لذلك، ترتد نتائج تلك الزيادة على جيب المواطن وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية. يزداد الأمر خطورة عندما يصدر في وقت تكون فيه الرواتب والأجور عاجزة أصلًا عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وعندما تكون العملة الوطنية قد فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها. هنا لم يعد السؤال: هل يحق للدولة أن ترفع أسعار المحروقات؟ بل يصبح السؤال: هل من حق المواطن أن يعرف لماذا رُفعت الأسعار، وماذا ستفعل الدولة لحمايته من نتائج هذا القرار؟

قد توجد أسباب اقتصادية حقيقية تدفع الدولة إلى رفع أسعار المحروقات. فربما صارت تكلفة الاستيراد أكبر من قدرة الدولة على التحمل، أو تراجعت موارد الخزينة، أو أصبح دعم المحروقات عبئًا يفوق إمكانات الموازنة، أو هبطت قيمة العملة وأصبحت الدولة تدفع كلفة أكبر لتأمين احتياجاتها. وقد يكون الاستمرار في سياسة الدعم، في بعض الظروف، أكثر خطورة من تعديل الأسعار؛ غير أن ضرورة القرار الاقتصادي لا تعفي الدولة من مسؤولية شرحه للمواطن. فالمواطن ليس رقمًا في جدول مالي، ولا مجرد مستهلك يجب أن يتكيف تلقائيًا مع الأسعار الجديدة. إنه الإنسان الذي سيذهب إلى عمله ويدفع أجرة النقل الجديدة، والذي سيشتري الطعام بأسعار أعلى، والذي سيدفع فاتورة الخدمات، والذي سيكتشف أن راتبه، الذي كان بالكاد يكفيه، أصبح أقل قيمة من اليوم السابق.

لذلك، فإن من أبسط قواعد العلاقة بين الدولة والمواطن أن تقول الدولة بوضوح: هذه هي المشكلة، وهذه أسبابها، وهذه الخيارات التي كانت أمامنا، وهذا سبب اختيارنا لهذا القرار.

لماذا لا تشرح الدولة الأمر بصراحة؟

في معظم الأحيان، تتعامل الحكومات مع القرارات الاقتصادية الحساسة على أنها مسائل فنية لا تستلزم توضيحًا موسعًا للرأي العام. لكن هذا خطأ، فالاقتصاد ليس مجرد أرقام حين يتصل الأمر بحياة الناس.

حين يرتفع سعر الوقود، يدرك المواطن أنه لن يسدد الزيادة في محطة الوقود فحسب، بل سيدفعها لاحقًا في أجرة سيارة الأجرة، وفي ثمن الخضار المنقولة من الريف، وفي كلفة المنتجات الصناعية والخدمات، وفي كل شيء تقريبًا. لذلك، من حقه أن يعرف حجم المشكلة التي دفعت الدولة إلى هذا القرار: كم كانت كلفة الدعم؟ وكم صارت كلفة الاستيراد؟ وما مقدار العجز؟ وماذا كان سيحدث لو لم يُتخذ القرار؟ وكم تتوقع الدولة أن تجني من الإيرادات؟ وإلى أين ستتجه هذه الأموال؟ وهل ستعود إلى المواطن في صورة خدمات أفضل، أو كهرباء أفضل، أو دعم مباشر للفئات الأشد فقرًا؟

ليست هذه أسئلة سياسية معارضة للدولة، بل أسئلة مواطن يريد أن يفهم ما يجري في بلده.

التضحية ليست حصراً بالمواطن

المشكلة الأكبر لا تقتصر على ارتفاع سعر المحروقات وحده، بل تكمن في اجتماع عدة عوامل في الوقت ذاته: ارتفاع الأسعار من ناحية، وتراجع قيمة العملة من ناحية أخرى، وثبات الرواتب والأجور من ناحية ثالثة؛ وهذا يعني عمليًا أن المواطن يواجه ضغطًا ثلاثيًا: التضخم، انخفاض قيمة العملة، وتآكل القدرة الشرائية للدخل. فقد يظل الراتب برقمه نفسه، لكن قيمته الحقيقية تتراجع.

ومن ثم، ينبغي ألا تكتفي الدولة بالنظر إلى الزيادة في السعر بوصفها مسألة مالية تتعلق بالموازنة، بل يجب أن تنظر إلى أثرها على الدخل الحقيقي للمواطن. فإذا كان راتب الموظف لا يكفي أصلًا لتأمين الطعام والمواصلات والدواء والتعليم، فإن أي ارتفاع جديد في الأسعار يصبح عبئًا قد يهوي به إلى ما دون خط الفقر.

وإذا كانت الدولة تواجه أزمة اقتصادية حقيقية، فقد يكون المواطن مستعدًا لتحمل جزء من المسؤولية. غير أن التضحية لا يصح أن تأتي من طرف واحد.

لا يمكن للدولة أن تطلب من المواطن أن «يشد الحزام»، بينما لا يرى في المقابل إجراءات جدية لترشيد الإنفاق العام، ومحاربة الفساد، ومكافحة الهدر، ومراجعة الامتيازات غير الضرورية، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة. وعندما تطلب الدولة من مواطن محدود الدخل أن يتحمل زيادة جديدة، يجب أن يشعر بأن الدولة نفسها تؤدي ما عليها.

التقشف الذي يُطلب من المواطن ينبغي أن يقابله انضباط في الإنفاق الحكومي، والتضحية المطلوبة من المجتمع يجب أن تقابلها تضحية من مؤسسات الدولة ومسؤوليها.

الشفافية ليست رفاهية

قد يظن البعض أن الإعلان المفصل عن الصعوبات الاقتصادية قد يبث الخوف أو يثير الاحتجاج. لكن الحقيقة أن غياب المعلومات قد يكون أخطر.

عندما لا توضح الدولة أسباب قراراتها، فإنها تفتح الباب للشائعات والتفسيرات المتناقضة، ويبدأ المواطن في البحث عن الإجابات في مواقع التواصل الاجتماعي وفي مصادر غير موثوقة. أما عندما تخرج الدولة وتصارح المواطن بالحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، فإنها تبني شيئًا أهم من مجرد القبول المؤقت بالقرار: تبني الثقة.

قد لا يوافق المواطن على القرار، لكنه يستطيع أن يفهمه. وقد لا يرضى بالزيادة، لكنه يستطيع أن يدرك أسبابها. وهذا فرق جوهري بين دولة تتعامل مع مواطنيها كشركاء، ودولة تتعامل معهم بوصفهم متلقين للأوامر فقط.

وإذا أردنا بناء دولة حديثة، فعلينا أن نعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالمواطن ليس مجرد دافع للضرائب، بل هو شريك في الدولة، ويملك حق المعرفة والمساءلة والمشاركة.

إقرأ على موقع 180  الماضي.. والمقدس

وحين تتعرض الدولة لأزمة اقتصادية، يحق لها أن تطلب من المواطنين التحلي بالصبر والتضحية، لكن يجب عليها، في المقابل، أن تكشف لهم الحقيقة وتقدم الخطة والضمانات. أن تقول لهم: هذه هي الأزمة، وهذه أسبابها، وهذه الخيارات التي كانت متاحة أمامنا، وهذا هو الخيار الذي اخترناه، وهذه هي كلفته، وهذه هي التدابير التي سنتخذها لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، وهذه هي خطتنا للخروج من الأزمة.

عند ذلك، يصبح المواطن جزءًا من الحل، لا مجرد ضحية للقرار.

لأنها سوريا.. المسألة أكثر حساسية

في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى رفع أسعار المحروقات بمعزل عن سنوات طويلة من تدهور القدرة الشرائية، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، واتساع نطاق الفقر.

لذلك، ينبغي لأي سياسة اقتصادية جديدة أن تكون جزءًا من مشروع متكامل لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، لا مجرد سلسلة من قرارات رفع الأسعار. وإذا اضطرت الدولة إلى رفع أسعار المحروقات، وجب عليها، في الوقت نفسه، أن تتخذ إجراءات لحماية أصحاب الدخل المحدود، وأن تعمل على زيادة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الإيرادات العامة، ومكافحة الفساد والهدر، وإصلاح النظام المالي والمصرفي، وإيجاد فرص العمل.

أما رفع الأسعار وحده، من دون إصلاحات موازية، فقد يتحول إلى حل قصير الأجل يتحمل المواطن ثمنه على المدى الطويل.

وليس المطلوب أن تعد الدولة المواطن بأن الأسعار لن ترتفع أبدًا؛ فهذا قد يكون غير واقعي في اقتصاد يمر بمرحلة انتقالية صعبة. المطلوب أن تكون القرارات واضحة ومبررة وعادلة، وأن ترتبط بخطة محددة، وأن يدرك المواطن أن الأموال التي يدفعها لا تذهب هدرًا، وأن الدولة تكافح الهدر والفساد، وأن المسؤولية يتحملها الجميع.

احترام المواطن يبدأ من احترام عقله

في المحصلة، المسألة ليست مسألة محروقات فحسب، بل مسألة العلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تخشى مصارحتهم، والدولة التي تثق بشعبها لا تتعامل معه بوصفه عاجزًا عن فهم الأرقام والحقائق.

والدولة القوية ليست فقط التي تفرض قرارًا اقتصاديًا على مواطنيها، بل التي تقدر على شرح القرار وتحمل مسؤوليته، وإقناع المواطن بأنه شريك في خطة وطنية للخروج من الأزمة.

حين تصبح حياة المواطن مهددة بالفقر، فإن رفع الأسعار من دون شرح أو حماية اجتماعية قد يسلب منه ما بقي من قدرة على التحمل. أما حين تقول له الدولة الحقيقة، وتعرض عليه الأرقام، وتوضح له الخيارات، وتقدم له خطة واضحة، وتطلب منه التضحية في وقت تتحمل فيه نصيبها منها، فإن المواطن قد يتقبل حتى القرارات الصعبة.

فالإنسان قادر على تحمل الألم عندما يفهم سببه، وقادر على الصبر عندما يرى نهاية للطريق. أما أن يُطلب منه دفع الثمن من دون أن يعرف لماذا، ومن دون أن يعرف إلى أين تتجه بلاده، فهنا لا تكون المشكلة اقتصادية فحسب، بل تصبح مشكلة ثقة بين المواطن والدولة.

والثقة هي رأس المال الأول لأي دولة تريد بناء اقتصاد قوي، ومجتمع مستقر، ومستقبل أفضل.

 

Print Friendly, PDF & Email
حسان نصر فرج

علوم دبلوماسية واستراتيجية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  في أن تنتصر وتصفح