الفاتيكان يبحث عن “تسوية المنتصرين” في الحرب الروسية الأوكرانية!

في الحروب الطويلة، لا تبدأ التسويات لحظة توقيع الاتفاقات، بل قبل ذلك بكثير، عندما تبدأ الأطراف في البحث عن قنوات تستطيع من خلالها اختبار ما لا يمكن قوله علناً. ومن موسكو إلى ميتز، تبدو حركة الفاتيكان الأخيرة محاولة لحجز موقع في هذه المساحة الرمادية بين استمرار الحرب وإمكان التفاوض عليها؛ لا بوصف الكرسي الرسولي قوة قادرة على فرض الحل، بل باعتباره أحد الأماكن القليلة التي تستطيع إبقاء الباب مفتوحاً بين خصوم أغلقوا معظم الأبواب الأخرى.

بدأت الدبلوماسية الفاتيكانية تنتقل، في تعاملها مع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، من المساحة الرمزية للدعوة إلى السلام وتبادل الرسائل الإنسانية، لتستعيد تدريجياً دوراً أكثر عمقاً في إدارة الأزمات الدولية، مستفيدة من خصوصية موقع الكرسي الرسولي وقدرته على التواصل مع أطراف متخاصمة لا تملك بالضرورة الرغبة أو القدرة على التواصل المباشر في مراحل التصعيد.

من هذه الزاوية، اكتسبت زيارة أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، المطران بول ريتشارد غالاغير، إلى موسكو، في الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس الماضي، ولقاؤه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أهمية خاصة؛ كونها أتت في مرحلة يبدو فيها أن الأطراف بدأت تدرك، ولو بدرجات متفاوتة، أن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة الاقتراب من حل، وأن التسويات الكبرى تبدأ غالباً عندما تصبح قنوات الاتصال أكثر أهمية من لغة المواجهة.

فاللقاء بين غالاغير ولافروف ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من مسار فاتيكاني أوسع يقوم على إبقاء خطوط الحوار مفتوحة مع موسكو، ومحاولة معرفة ما يمكن أن يشكل مدخلاً إلى مسار سياسي في مرحلة لاحقة. والفاتيكان، في هذه المقاربة، لا يطرح نفسه بديلاً من الولايات المتحدة أو أوروبا أو أوكرانيا أو روسيا، ولا يدّعي امتلاك وصفة سحرية لإنهاء الحرب، بل يعمل من موقع مختلف تماماً: موقع يستطيع أن يتحدث مع الجميع من دون أن يكون طرفاً مباشراً في الصراع.

وهذه بالضبط هي قيمة الدبلوماسية الفاتيكانية. فهي لا تقوم على القوة العسكرية أو الاقتصادية، ولا على العقوبات أو الضغوط السياسية، وإنما على الثقة المتراكمة وقدرة الكرسي الرسولي على الاحتفاظ بقنوات اتصال حتى في أصعب الظروف. ولذلك، فإن الحديث عن وساطة فاتيكانية ينبغي أن يُفهم بمعناه الواسع، أي باعتبارها محاولة لفتح قنوات الحوار وتهيئة للظروف التي يمكن أن تجعل التفاوض ممكناً، وليس بالضرورة وساطة مباشرة تضع على الطاولة حلولاً تفصيلية وتطلب من الأطراف قبولها.

وفي هذا السياق، يصبح ما صدر عن الرئيس فلاديمير بوتين بشأن أوروبا ذا أهمية خاصة. فحين يقول إن روسيا لا تخطط لشن حرب على أوروبا، ويبدي استعدادها لاستعادة العلاقات والتعاون مع الجيران الأوروبيين، فإن ذلك لا يعني أن الخلافات الروسية ـ الأوروبية قد انتهت، ولا أن أوروبا أصبحت مستعدة لتطبيع علاقاتها مع موسكو، وإنما يعني أن ثمة مساحة يمكن للدبلوماسية أن تتحرك فيها. وفي السياسة الدولية، يمكن أن يكون انتقال الخطاب من منطق المواجهة إلى الحديث عن إمكان استعادة العلاقات مؤشراً إلى وجود باب لم يُغلق نهائياً، لكن وجود الباب لا يعني أن الطريق أصبح سهلاً.

فالحرب الروسية ـ الأوكرانية تحولت إلى أزمة تتجاوز حدود أوكرانيا نفسها، وأصبحت مرتبطة بمستقبل الأمن الأوروبي، وبالعلاقة بين روسيا والغرب، وبموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي. ولذلك، فإن أي تسوية لن تكون مجرد اتفاق بين موسكو وكييف، بل ستحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى إعادة ترتيب العلاقة بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وإلى صياغة منظومة أمنية تأخذ في الاعتبار المصالح المتعارضة والمخاوف المتبادلة.

ومن هنا تأتي أهمية زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا بين 25 و28 أيلول/سبتمبر، ولا سيما محطته في مدينة ميتز، حيث يشارك في لقاء يحمل عنوان «إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». فاختيار ميتز ليس بلا دلالة؛ إذ تقع المدينة في قلب منطقة تختزن في تاريخها ذاكرة الحروب الأوروبية والصراعات على الحدود والهوية، وهي مرتبطة بالفضاء التاريخي الذي خرج منه مشروع المصالحة الأوروبية، وكان روبرت شومان أحد أبرز رموزه.

وعندما يتحدث البابا من ميتز عن أوروبا والسلام والوحدة، فإن قيمة الرسالة لا تكمن فقط في مضمونها الديني، بل في قدرتها على إعادة طرح سؤال سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية: كيف تستطيع أوروبا أن تبني سلاماً مستداماً بعد هذه الحرب، وكيف يمكنها أن تتعامل مستقبلاً مع روسيا بوصفها حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن إلغاؤها؟

هذا السؤال لا يعني التخفيف من خطورة الحرب، أو تجاهل مسؤوليات الأطراف، أو تجاوز القانون الدولي، كما لا يعني أن أوروبا مطالبة بالتنازل عن أمنها أو مصالحها. لكنه يعني التفكير في اليوم الذي يلي الحرب. فالحروب تنتهي في النهاية، أما الجغرافيا فلا تتغير بسهولة، وروسيا ستبقى جارة لأوروبا وقوة كبرى تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية مؤثرة.

ولهذا، فإن أي سلام مستقبلي يحتاج إلى أكثر من وقف لإطلاق النار. يحتاج إلى صيغة تستطيع أوروبا وروسيا التعايش معها، وإلى نظام أمني يمنع تحول نهاية الحرب إلى هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من الصراع. وهنا تظهر المسألة الأصعب: مسألة الهزيمة الروسية.

إقرأ على موقع 180  خمسة سيناريوهات لنهاية الحرب مع إيران

ليس المطلوب تبني الرواية الروسية أو قبول تفسير موسكو للحرب، وإنما فهم العامل النفسي والسياسي الذي يحكم أي قرار روسي. فروسيا، في تصور قيادتها، لا تتعامل مع الحرب باعتبارها نزاعاً محدوداً يمكن أن ينتهي بتراجع عسكري، وإنما تربطها بمكانتها كدولة كبرى، وبأمنها القومي، وبصورتها عن نفسها، وبعلاقتها مع الغرب. ولذلك، فإن تقديم أي تسوية باعتبارها هزيمة كاملة لروسيا سيكون أمراً شديد الصعوبة على القيادة الروسية، لأن الهزيمة في هذه الحالة لن تُقدَّم على أنها عسكرية فقط، بل يمكن أن تُفهم على أنها هزيمة لمشروع الدولة ومكانتها.

وهنا تحديداً ينبغي للدبلوماسية أن تفكر في مفهوم مختلف للسلام. فالتسوية الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تجعل طرفاً يعلن انتصاره الكامل والآخر يعلن استسلامه، وإنما تلك التي تضع حداً للحرب ضمن صيغة قابلة للاستمرار والتنفيذ. وهذا لا يعني المساواة بين المسؤوليات أو تجاوز حقوق الأطراف المعنية، بل إدراك طبيعة التسويات السياسية الكبرى، التي تحتاج في النهاية إلى ترتيبات قابلة للقبول والتنفيذ والاستمرار.

وهذه إحدى نقاط القوة في الدبلوماسية الفاتيكانية، لأنها لا تعمل وفق منطق المنتصر والمهزوم، بل وفق منطق المصالحة. وهي بذلك تستعيد شيئاً من التجربة الأوروبية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أن استمرار منطق الانتقام يعيد إنتاج الحروب، وأن أوروبا لا تستطيع بناء مستقبلها إلا إذا وجدت طريقة للتعايش مع تاريخها وخصوماتها.

ولذلك، فإن خطاب البابا لاوون الرابع عشر في ميتز قد تكون أهميته الحقيقية في قدرته على وضع سؤال يتجاوز الحرب الحالية أمام أوروبا: هل تريد أوروبا أن تبني أمنها المستقبلي على الردع وحده، أم تستطيع الجمع بين الردع والحوار؟ وهل يمكنها حماية نفسها من روسيا من دون أن تجعل العداء الدائم معها أساساً دائماً للنظام الأوروبي؟ إنها معادلة صعبة، لكن لا يمكن الهروب منها.

واللافت للانتباه أن الاهتمام بالدور الفاتيكاني لم يعد مقتصراً على أوروبا. فقد أبدت واشنطن اهتماماً بالمساعي الحميدة التي يستطيع الكرسي الرسولي تقديمها في الحرب الروسية ـ الأوكرانية، وجرى تداول إمكان الاستفادة من الفاتيكان مساحةً محتملة للحوار. وهذا مهم لأنه يعني أن الكرسي الرسولي لا يُنظر إليه فقط بوصفه مرجعية دينية، بل أيضاً باعتباره قناة دبلوماسية يمكن اللجوء إليها عندما تصل القنوات التقليدية إلى حدودها.

وقد سبق للبابا الراحل فرنسيس أن حاول فتح هذا المسار، إلا أن الظروف السياسية لم تكن ناضجة. كان كل طرف لا يزال يعتقد أن بإمكانه تحقيق نتيجة أفضل عبر الاستمرار في الحرب، ولذلك لم تكن الوساطة تملك المساحة الكافية. أما اليوم، ومع طول الحرب وتزايد كلفتها واتساع تداعياتها، فقد تتغير الحسابات تدريجياً.

وهنا يجب التوقف عند فكرة أساسية: الوساطة لا تنجح عندما يكون الجميع مقتنعاً بأن النصر الكامل قريب، بل تبدأ أهميتها عندما يدرك الأطراف أن استمرار الصراع يفرض أثماناً متزايدة، وأن تحقيق جميع الأهداف بالقوة قد لا يكون ممكناً.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحركة الفاتيكانية الحالية باعتبارها استثماراً في المستقبل أكثر مما هي محاولة لإعلان اتفاق فوري. الفاتيكان يبني القنوات، ويختبر المواقف، ويفتح الأبواب، ويحتفظ لنفسه بموقع يمكن استخدامه عندما تنضج الظروف.

ومن هنا أيضاً يصبح الانتقال المحتمل من أوكرانيا إلى إيران سؤالاً جدياً للمستقبل.

فالقيمة الحقيقية للفاتيكان قد لا تكون في امتلاكه «مفتاح» التسوية الروسية ـ الأوكرانية، بل في قدرته على إبقاء مفاتيح الحوار صالحة للاستخدام إلى أن تحين اللحظة السياسية المناسبة. وإذا أثبت هذا النموذج قدرته على فتح مساحات بين موسكو وكييف والغرب، فإن السؤال التالي سيطرح نفسه تلقائياً: هل يستطيع الكرسي الرسولي أن يؤدي وظيفة مشابهة في أزمات أخرى أكثر تعقيداً، وفي مقدمها إيران؟ عندها لن تكون رحلة غالاغير إلى موسكو ومحطة البابا في ميتز حدثين منفصلين، بل ملامح عودة الفاتيكان إلى وظيفة تاريخية قد تصبح أكثر أهمية كلما ازدادت صعوبة الحديث المباشر بين القوى المتخاصمة.

(*) غداً الجزء الثاني والأخير: هل يدخل الفاتكيان على خط الحرب بين أميركا وإيران؟

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

كاتب وباحث لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  "يديعوت أحرونوت": حقل كاريش بين التهديد.. والفرصة!