في المقابل، ثمة نقاط تقاطع مهمة بين اليمين الفرنسي والفاتيكان في مسائل أخرى، مثل الموت الرحيم، والإجهاض، وزواج المثليين، وهي قضايا يتناقض فيها موقف الكنيسة مع قطاعات واسعة من اليسار الفرنسي الذي يضعها تحت عنوان الحداثة الاجتماعية.
لكن كيف يمكن إسقاط هذا التحليل على بلد مثل لبنان، تتعايش داخله مجموعة من الديانات المنقسمة إلى طوائف، بالتوازي مع أحزاب سياسية متنوعة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيما ترتبط بعض هذه الأحزاب بقواعد دينية وطائفية تجعل من البلد موزاييك دينياً وسياسياً يصعب إخضاعه لقراءة بسيطة؟
اليسار واليمين في لبنان مسألة أكثر تعقيداً في قراءة الفاتيكان لمجريات الأمور اللبنانية.
ماذا عن اليمين اللبناني؟
عندما يتحدث البابا عن لبنان، فهو يتحدث عن أحد أقدم مواطن المسيحيين في الشرق، في وقت تقلّص فيه حضورهم في عدد من بلدان المنطقة، وبينها فلسطين. والعلاقة بين الفاتيكان ولبنان تاريخية، فيما تتمحور علاقة الباباوات بالقوى المسيحية اللبنانية حول مسائل بالغة التعقيد، لأن الفاتيكان ينطلق من نظرة رعوية وسياسية تسعى إلى المحافظة على الحضور المسيحي، ولكن ضمن الأخذ في الاعتبار الشريك اللبناني الآخر، أي المسلمين.
تقليدياً، مثّلت القوى والأحزاب المسيحية، مثل الكتائب والقوات اللبنانية والأحرار والتيار الوطني الحر، جزءاً أساسياً من اليمين اللبناني. غير أن هذه الأحزاب واجهت، في مراحل مختلفة، عقداً سياسية في علاقتها مع الفاتيكان. فلا شك في أن التقارب الروحي والوجودي يربط القوى المسيحية بالكرسي الرسولي، لكن هذه العلاقة شهدت أحياناً تبايناً سياسياً واضحاً في الرؤى والخيارات الاستراتيجية، في خضم الأزمات اللبنانية المتعددة منذ أكثر من سبعة عقود.
في عهدي البابا بولس السادس والبابا يوحنا بولس الثاني، حثّ الفاتيكان القوى المسيحية اللبنانية على الانفتاح والتجذّر في محيطها العربي، وعلى تدعيم الجسور مع المكونات الإسلامية كافة، باعتبار ذلك إحدى ضمانات العيش المشترك وتحصين الحضور المسيحي في الشرق.
وخلال الحرب الأهلية، رفض الفاتيكان منطق التقوقع والانعزالية، وذهب إلى رفض مشاريع «الأمن الذاتي» المسيحي التي حملتها بعض الأحزاب والمنظمات. كما حذّر من التحالفات الإقليمية الضيقة، وخصوصاً مع إسرائيل، انطلاقاً من اعتبارها تهديداً للحضور المسيحي على المدى البعيد أكثر منها وسيلة لحمايته. ولهذا ركز خطاب الباباوات باستمرار على صون صيغة الشراكة الإسلامية ـ المسيحية.
ويكفي في هذا المجال التذكير بما قاله البابا يوحنا بولس الثاني عن لبنان، حين وصفه بأنه «أكثر من وطن» وأنه «رسالة» للشرق والغرب.
ماذا عن اليسار اللبناني؟
إذا عدنا إلى بدايات اليسار في لبنان، في مرحلة الانتداب الفرنسي، نجد أن عدداً من أبرز مؤسسيه كانوا مسيحيين. ومن بينهم يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي، اللذان شاركا مع مجموعة من المثقفين في تأسيس «حزب الشعب اللبناني» عام 1924. وكان هذا التيار يحمل نزعة اشتراكية تنويرية تعود جذورها إلى أواخر العهد العثماني.
ثم جاء التحالف مع مجموعة «سبارتاكوس» الأرمنية، ليتشكل «الحزب الشيوعي اللبناني» عام 1925. ومن هنا يمكن القول إن القاعدة التكوينية الأولى لليسار اللبناني اعتمدت إلى حد مهم على مثقفين مسيحيين وعلى نقابات كان لمسيحيين دور بارز في قيادتها.
ومع تطور المجتمع اللبناني، بدأت النقابات العمالية تنتظم، وبرزت وجوه مثل نقولا اللحام وبرجيس أبو صالح في جمعية عمال النجارين، ثم إلياس الهبر ووردة بطرس، إلى جانب مصطفى العريس في اتحاد نقابات مستخدمي وعمال لبنان. وقد ساهم هؤلاء، وغيرهم، في تنظيم الحركة العمالية والمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية تحت راية اليسار.
في تلك المرحلة، لم يكن اليسار اللبناني قد وقع بعد في التناقضين اللذين سيصبحان لاحقاً من أبرز أزماته: التناقض الطائفي، وإشكالية الهوية اللبنانية في علاقتها بالمد العربي.
مثّل اليسار آنذاك طريقاً جديداً داخل الدولة اللبنانية الوليدة، إذ تحدّى النظام الطائفي والمحاصصة المذهبية التي كرّسها الانتداب الفرنسي، وطرح رؤية علمانية وطبقية واقتصادية للمجتمع والدولة.
وجاء ذلك بالتوازي مع بروز روافد فكرية أحيت أفكار رواد النهضة العربية، وبينهم عدد من المسيحيين، إلى جانب عبد الرحمن الكواكبي، مثل نجيب العازوري وقسطنطين زريق. ومن هنا بدأ تأثر اليسار اللبناني بالمد القومي العربي بعد نكبة فلسطين، ثم بالتيار الناصري، وكذلك بأفكار حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان ميشال عفلق أحد أبرز مؤسسيه.
وبرغم تصنيف الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي أسسه كمال جنبلاط، ضمن دائرة اليسار، وارتباطه بالفلاحين والفئات المحرومة، ثم قيادته للحركة الوطنية، فقد احتفظ الحزب أيضاً بقاعدة اجتماعية ذات طابع طائفي، كما كان الحال مع أحزاب لبنانية أخرى.
وقد نادت الحركة اليسارية منذ بداياتها بإلغاء الطائفية السياسية وإجراء إصلاحات ديمقراطية واجتماعية شاملة، إلى جانب تبني القضية الفلسطينية.
هنا تصبح علاقة الفاتيكان باليسار اللبناني أكثر تعقيداً من التصنيف التقليدي. فالكنيسة لا تتبنى بطبيعة الحال الأيديولوجية اليسارية، وخصوصاً في صيغها الماركسية، لكنها تلتقي مع قسم من مطالب اليسار في العدالة الاجتماعية وحقوق العمال ومكافحة الفقر والفساد، كما يمكن أن تلتقي معه في الدعوة إلى تجاوز الانغلاق الطائفي وبناء دولة أكثر مواطنية.
وفي ملفات أخرى، مثل استقبال اللاجئين ومساعدة النازحين والفئات الأكثر هشاشة، تظهر أيضاً مساحة تقاطع بين خطاب الكنيسة وجزء من اليسار اللبناني، حتى وإن اختلفت المنطلقات الفكرية لكل منهما.
لكن الصورة تنقلب عندما نصل إلى القضايا الأخلاقية والاجتماعية. ففي لبنان نواة صغيرة من اليسار الليبرالي أو الراديكالي تتبنى مطالب تُدرجها تحت عنواني «التقدمية» و«الحداثة»، مثل تشريع الإجهاض والاعتراف الكامل بزواج المثليين. وهنا يصبح الخلاف مع الكنيسة عميقاً، فيما تقترب مواقف الكنيسة أكثر من القواعد الاجتماعية المحافظة، المسيحية والإسلامية على السواء.
وأخيراً، برزت بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 مجموعات مدنية ويسارية جديدة، مسيحية ومسلمة، ركزت على العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإصلاح النظام الطائفي، وابتعدت نسبياً عن أيديولوجيات الحرب الأهلية التقليدية. وفي عدد من هذه الملفات، وخصوصاً مكافحة الفقر والفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية وبناء دولة المؤسسات، توجد مساحات تقاطع واضحة مع تطلعات الكنيسة إلى ما يجب أن يكون عليه لبنان.
وهنا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية: الفاتيكان ليس يمينياً أو يسارياً بالمعنى اللبناني للكلمتين. فقد يلتقي مع اليمين في قضايا الأسرة والأخلاق، ويختلف معه عندما يتحول الدفاع عن الجماعة إلى انعزال أو تقوقع. وقد يلتقي مع اليسار في العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ومكافحة الفقر، ثم يفترق عنه جذرياً في قضايا الإجهاض والزواج المثلي ومفهوم الأسرة.
لذلك، فإن البوصلة الفاتيكانية في لبنان لا تمر أساساً عبر ثنائية اليمين واليسار، بل عبر سؤال آخر: ما الذي يحفظ الإنسان، والدولة، والشراكة الإسلامية ـ المسيحية، ويؤمّن استمرار الحضور المسيحي من دون تحويله إلى أقلية خائفة أو جماعة منعزلة؟
(*) راجع مقالة الكاتب في “أخباربووم” بعنوان: “فرنسا: البابا ليون ١٤ والانتخابات الرئاسية بين يمين ويسار”
