الفضل شلق و”المصير العربي”.. أن تتحوّل محاكمة اليقينيات إلى يقين جديد!

يطمح كتاب «احتمالات المصير العربي» لمؤلفه «الفضل شلق» الصادر حديثاً في بيروت عن دار الفارابي إلى أكثر مما يستطيع موضوعه، وربما أكثر مما يستطيع الكتاب نفسه أن يحتمل. لا يريد أن يقرأ جانباً من الأزمة العربية، بل يسعى إلى تفسيرها في امتداداتها التاريخية والسياسية والاقتصادية والفكرية، من نشوء الدولة الحديثة إلى الإمبريالية، ومن الإسلام السياسي إلى القومية العربية، ومن فلسطين وإسرائيل إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومن أزمة الإنتاج والمعرفة إلى البيئة والمياه.

هذا الاتساع هو مصدر قوة الكتاب ومصدر ضعفه في الوقت نفسه. قوته أنه يرفض تجزئة الأزمة العربية إلى ملفات منفصلة، ويرى أن الدولة والاقتصاد والمجتمع والمعرفة والاستقلال السياسي حلقات مترابطة. ومصدر ضعفه، في سعيه إلى بناء تفسير شامل، يقع مراراً في إغراء التفسير الشامل نفسه. فكلما اتسعت دائرة الظواهر التي يريد تفسيرها، ازداد اعتماده على مفاتيح تفسيرية محدودة يعيد استخدامها في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة؛ وهنا تبدأ المشكلة الأساسية: الكتاب يريد أن يُحرّر العقل العربي من اليقينيات، لكنه لا ينجح دائماً في تحرير نفسه منها.

ومن يراجع مؤلف الفضل شلق يجد نفسه دائماً في حيرة مع كاتب لا يُعير اهتماماً لكيفية توصيل أفكاره إلى القراء العاديين،لكأنه قرّر، عن سابق تصوّر وتصميم، إمّا أن يخاطب النخب، وإمّا أن يكتب كما يحب أن يكتب، من دون أن يعير اهتمامًا لمن يقرأ نصوصه.

يقينيات مضادة

يقوم الكتاب على مجموعة من الأطروحات القوية: لا استقلال بلا إنتاج، لا ديموقراطية بلا مواطنة، لا دولة حديثة بلا مواطنين أحرار، لا نهضة بلا علم، ولا مقاومة ناجحة إذا تحولت إلى بديل عن الدولة. وهذه أطروحات قابلة للدفاع، بل إن بعضها يشكل أفضل ما في الكتاب.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأطروحات من أدوات للتحليل إلى مفاتيح تكاد تفسر كل شيء.

فالمؤلف يرد جانباً كبيراً من العجز العربي إلى غياب الدولة الحديثة والمواطنة والإنتاج والمعرفة، ويضع في الجهة المقابلة مجموعة من الظواهر التي يعتبرها معطلة لهذا المسار: الإسلام السياسي، الاستبداد، التبعية، الاستهلاك، ضعف النخب، والهيمنة الإمبريالية.

غير أن المجتمع لا يعمل بهذه النظافة النظرية. التاريخ أكثر فوضى من أن يسمح بتوزيع الظواهر بين خانة التقدم وخانة العائق. فالدولة قد تكون أداة للتحديث وأداة للقمع في الوقت نفسه، والإنتاج قد يحدث داخل أنظمة غير ديموقراطية، والتعليم الحديث قد ينتج نخبا سلطوية، والدين قد يكون أداة للهيمنة كما قد يكون مصدراً للمقاومة الاجتماعية، والقومية قد تكون أداة للتحرر وأداة للإقصاء.

العرب ككتلة

أكبر مشكلات الكتاب المنهجية هي استخدام «العرب» أحياناً بوصفهم وحدة اجتماعية وتاريخية شبه متجانسة.

فالعالم العربي الذي يتحدث عنه الكتاب ليس مجتمعاً واحداً. هناك اختلافات هائلة بين دول ريعية غنية قليلة السكان ودول مكتظة بالسكان فقيرة الموارد، وبين جمهوريات عسكرية وممالك، وبين مجتمعات شهدت تحولات صناعية ومدينية عميقة وأخرى ظلت مرتبطة بأنماط اقتصادية تقليدية، وبين تجارب المغرب العربي والمشرق ووادي النيل والخليج.

هذه الاختلافات ليست تفصيلاً هامشياً. إنها ضرورية لاختبار أي نظرية عن «المصير العربي”.

حين يقول الكتاب إن العرب لم ينتجوا المعرفة أو التكنولوجيا، مثلاً، فإنه يقدم تفسيراً يحتاج إلى تفكيك بحسب الدول والقطاعات والفترات التاريخية. وحين يتحدث عن المجتمع العربي بوصفه مستهلكاً وغير منتج، فإنه يقترب من تعميم ثقافي يحتاج إلى أدلة اقتصادية واجتماعية أكثر تحديداً.

المشكلة ليست في استخدام مفهوم «العرب»؛ فذلك مشروع تماماً في كتاب يبحث في المجال العربي. المشكلة في الانتقال من وجود فضاء تاريخي ولغوي وثقافي مشترك إلى افتراض وجود بنية اجتماعية واحدة.

ويشير الفضل شلق إلى أن اللغة العربية تبقى إحدى أهم وسائل بقاء الوجود العربي، داعيا إلى عولمة اللغة العربية لا إلى تعريب الثقافة العالمية.

والنتيجة أن الكتاب، في بعض المواضع، يطالب القارئ بالتفكير في التعقيد بينما يقدم له موضوعاً مبسطاً أكثر مما ينبغي.

الإسلام السياسي

النقد الأكثر حدة ينبغي أن يذهب إلى معالجة الإسلام السياسي، لأنها من أكثر مناطق الكتاب حساسية.

يرى المؤلف أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كان نقطة تحول كبرى، ويربطه لاحقاً بالثورة الإيرانية عام 1979، ثم يضع الإسلام السياسي في مواجهة مشروع النهضة والدولة الحديثة والمعرفة.

المشكلة ليست في نقد الإسلام السياسي؛ فهذا النقد ضروري، بل في الطريقة التي يجري بها أحياناً اختزال ظاهرة شديدة التنوع في بنية واحدة.

جماعة الإخوان المسلمين ليست مماثلة للنظام الذي أفرزته الثورة الإيرانية، كما أن هذا النظام يختلف عن السلفية الجهادية، وهذه الأخيرة ليست الأحزاب الإسلامية التي دخلت الانتخابات والبرلمانات، كما أن الإسلام السياسي الذي مارس الحكم لا يشبه بالضرورة الإسلام السياسي الذي ظل في المعارضة. الاختلافات هنا ليست مجرد تفاصيل تنظيمية، بل اختلافات في تصور الدولة والسلطة والعنف والاقتصاد والمجتمع.

والأخطر أن الكتاب يميل أحياناً إلى وضع الإسلام السياسي في موقع «السبب» بدلاً من وضعه في موقع «النتيجة والسبب معاً». فصعود الإسلام السياسي نفسه يحتاج إلى تفسير: لماذا نشأ؟ في أي ظروف؟ ما علاقته بالاستبداد؟ ما علاقته بانهيار المشاريع القومية وأفول الحركات اليسارية؟ وما الذي جعل قطاعات اجتماعية واسعة تمنحه شرعيتها؟

إذا لم تجب هذه الأسئلة، فإن نقد الإسلام السياسي يتحول من تحليل اجتماعي إلى حكم سياسي.

وهنا يقع الكتاب في تناقض مع منهجه المعلن: فهو يرفض التفسيرات التآمرية والسطحية، لكنه يقترب أحياناً من تفسير اختزالي لظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد.

الدولة كخلاص

الدولة هي المفهوم الأكثر مركزية في الكتاب. وهذه إحدى نقاط قوته، لكنها أيضاً إحدى نقاط ضعفه.

فالكتاب يرفض النظر إلى الدولة العربية بوصفها مجرد قشرة استعمارية مؤقتة، ويعتبر أن الدولة القائمة هي الإطار الذي يمكن أن تتأسس داخله المواطنة والديموقراطية والتنمية. وهذه مراجعة مهمة للخطاب القومي التقليدي.

لكن الكتاب يميل أحياناً إلى منح الدولة وظيفة خلاصية لا تقل خطورة عن الخلاص القومي أو الديني الذي ينتقده.

الدولة ليست بالضرورة نقيض الفوضى، ولا هي بالضرورة حاملة للحداثة. الدولة يمكن أن تكون أيضاً جهازاً لإعادة إنتاج الامتياز الطبقي والطائفي والمناطقي، وأن تستخدم القانون لتثبيت علاقات القوة، وأن تكون أكثر قدرة على قمع المجتمع من الجماعات غير الحكومية.

لذلك فإن المشكلة ليست فقط في غياب الدولة، وإنما في نوع الدولة وعلاقات القوة التي تقوم عليها.

وهنا كان ينبغي للكتاب والكاتب أن يذهبا أبعد في مساءلة الدولة نفسها: من يملكها؟ من يحدد سياساتها؟ من يدفع كلفة استمرارها؟ من يستفيد من مؤسساتها؟ وهل يمكن أن تصبح الدولة حديثة فعلاً من دون إعادة توزيع للسلطة الاقتصادية والاجتماعية؟

من دون هذه الأسئلة، تتحول الدعوة إلى «بناء الدولة» إلى عبارة صحيحة لكنها ناقصة.

الديموقراطية المؤجلة

الكتاب محق في رفض اختزال الديموقراطية بالانتخابات، وفي تأكيده أن المواطنة والحوار والتفاوض والتسوية شروط للحياة الديموقراطية. لكنه لا يقدم دائماً تفسيراً كافياً لكيفية الانتقال من مجتمع سلطوي إلى مجتمع ديموقراطي.

فالمواطنة ليست مجرد وعي. إنها أيضاً صراع على الموارد والسلطة والحقوق. والديموقراطية لا تقوم فقط لأن المواطنين يريدونها، بل لأنها تصبح ممكنة عندما تتغير موازين القوة التي تمنعها.

هنا يبدو الكتاب أكثر معيارية من كونه تفسيرياً. فهو يعرف ما ينبغي أن تكون عليه الدولة والمواطنة والديموقراطية، لكنه أقل وضوحاً في تفسير لماذا تفشل المجتمعات في الوصول إليها.

وهذا فرق جوهري بين الكتاب المعياري والكتاب التحليلي.

فالقول إن المواطن يجب أن يكون حراً لا يفسر لماذا يبقى غير حر. والقول إن الدولة يجب أن تكون دولة مواطنين لا يفسر كيف تستولي جماعة اجتماعية أو طبقة اقتصادية أو مؤسسة عسكرية على الدولة.

اقتصاد التبعية

من أكثر أفكار الكتاب قابلية للدفاع الربط بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي. فالمجتمع الذي لا ينتج ما يحتاج إليه، ويستورد معرفته وتكنولوجيته، يظل عرضة للتبعية.

لكن الكتاب يقترب أحياناً من تصور الاقتصاد الوطني المنتج بوصفه حلاً شبه مكتف بذاته.

التجارب الحديثة أكثر تعقيداً. فالإنتاج لا يعني بالضرورة الاستقلال، والدول المنتجة قد تكون شديدة التبعية في التكنولوجيا والتمويل والأسواق. كما أن الاقتصاد العالمي الحديث يقوم على سلاسل إنتاج عابرة للحدود، بحيث يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ننتج أم نستهلك؟ وإنما: ماذا ننتج؟ ومن يملك التكنولوجيا؟ ومن يحتفظ بالقيمة المضافة؟ ومن يحدد شروط التجارة؟

هذه الأسئلة أكثر دقة من التقابل بين «المجتمع المنتج» و«المجتمع المستهلك».

ولذلك كان يمكن للكتاب أن ينتقل من نقد الاستهلاك إلى تحليل بنية القيمة العالمية، بدلاً من الاكتفاء أحياناً بالمقابلة الأخلاقية بين الإنتاج والاستهلاك.

أزمة النخبة

النخبة في الكتاب مطالبة بأن تعرف المجتمع، وأن تكون قادرة على التعبير عن مطالبه، وأن تتجنب الانفصال عنه. وهذا نقد مهم للنخب العربية التي كثيراً ما تحدثت باسم الناس أكثر مما تحدثت معهم.

لكن الكتاب نفسه لا يحسم تماماً مشكلة موقع المثقف.

إقرأ على موقع 180  السلام اللبناني الهش.. وهواجس الاقتتال الأهلي

فإذا كان المثقف لا ينبغي أن يكون وصياً على المجتمع، فما دوره؟ وإذا كان المجتمع قادراً على معرفة مطالبه بنفسه، فلماذا يحتاج إلى نخبة؟ وإذا كانت المعرفة هي مصدر شرعية النخبة، فكيف نمنع المعرفة من التحول إلى شكل جديد من السلطة؟

هذه الأسئلة ليست ثانوية. إنها تقع في صميم أي مشروع فكري يريد إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والنخبة.

والكتاب يلمح إليها لكنه لا يحسمها.

الإمبريالية الدائمة

في حديثه عن الإمبريالية، يمتلك الكتاب قدرة واضحة على ربط الاقتصاد بالقوة العسكرية والسياسة الدولية. لكنه يميل إلى رؤية العالم من خلال مركز إمبريالي واحد شديد التماسك، بما يجعل الولايات المتحدة وإسرائيل والرأسمالية العالمية تبدو في بعض المواضع كأنها منظومة واحدة ذات إرادة واحدة.

وهذه قراءة مريحة سياسياً، لكنها أقل دقة تاريخياً.

فالولايات المتحدة ليست مجرد جهاز للإمبريالية، بل دولة لها مؤسسات متنافسة ومصالح اقتصادية مختلفة وتناقضات داخلية. وإسرائيل ليست مجرد قاعدة أميركية، بل دولة ذات مجتمع ومؤسسات وأحزاب واقتصاد وصراعات داخلية. والرأسمالية العالمية ليست غرفة عمليات واحدة.

هذا لا ينفي علاقات الهيمنة، لكنه يجعل تحليلها أكثر تعقيداً.

والمفارقة أن الكتاب الذي ينتقد التبسيط في فهم التاريخ العربي يقع أحياناً في تبسيط النظام الدولي.

فلسطين بوابة

يمنح الكتاب فلسطين مكانة مركزية في تفسير الصراع العربي مع النظام العالمي. وهذه المركزية مفهومة تاريخياً وسياسياً، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول فلسطين إلى مفتاح يفسر معظم العجز العربي.

فالعالم العربي لم يصبح ضعيفاً بسبب فلسطين وحدها، كما أن الاستبداد العربي لم ينشأ بسبب الصراع العربي الإسرائيلي وحده، ولم تفشل الاقتصادات العربية بسبب إسرائيل وحدها، ولم تتراجع المعرفة العلمية بسبب الإمبريالية وحدها.

هذه العوامل متداخلة، لكن التداخل لا يعني أن أحدها يفسر الآخر.

والكتاب يكون أكثر إقناعاً حين يقول إن الصراع الفلسطيني جزء من بنية أوسع للقوة الدولية، وأقل إقناعاً حين يجعل هذه البنية تفسيراً شاملاً للأزمة العربية.

ويذهب الكتاب في مقاربته للصراع الجاري على أرض فلسطين إلى حد القول إنه ليس صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً ولا عربياً إسرائيلياً بل هو في العمق صراع عربي إمبراطوري، أي إنّه صراع عربي ضد الامبريالية يحتم على العرب تغيير مفاهيمهم وأفكارهم حتى تعود فلسطين عربية بكل ما فيها.

ويخلص الكاتب في هذه النقطة تحديداً إلى تقديم أطروحة جريئة جداً بالمطالبة بدولة ديموقراطية في فلسطين مع حق العودة، ويعتبر أن هذا الطرح يجعل بوصلة الصراع واضحة ضد الامبريالية وعلى رأسها الإمبراطورية الأميركية، أي أنه صراع طبقي في مضمونه، ضد الرأسمالية.

المقاومة والدولة

ربما تكون أطروحة الكتاب الأكثر استفزازاً هي أن المقاومة لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الدولة.

هذه الفكرة قوية، لكنها تحتاج إلى تاريخ أكثر مما يمنحه لها الكتاب.

فالمقاومة المسلحة نشأت في حالات كثيرة لأن الدولة نفسها كانت غائبة أو عاجزة أو واقعة تحت الاحتلال. ولذلك لا يمكن الحكم على جميع تجارب المقاومة بالمعيار نفسه.

لكن السؤال الذي يطرحه الكتاب يبقى مشروعاً ومهماً: ماذا يحدث عندما تتحول أداة المقاومة إلى بنية دائمة للسلطة؟ عندها لا تعود القضية مجرد مواجهة مع الخارج، بل تصبح أيضاً قضية تتعلق باحتكار القوة وشرعية الدولة.

كان يمكن للكتاب أن يفصل بين شرعية المقاومة في مواجهة الاحتلال وبين شرعية استمرار تنظيم مسلح خارج مؤسسات الدولة بعد تغير الظروف.

ثورة 2011

ينظر الكتاب إلى ثورات الربيع العربي عام 2011 باعتبارها لحظة أعادت السياسة إلى المجتمعات العربية، وكسرت صورة المواطن بوصفه مجرد متلق للسلطة. وهذه قراءة لها وجاهتها.

لكن التعامل مع 2011 يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فالانتفاضة الشعبية لا تعني بالضرورة تحولاً ديموقراطياً، وإسقاط نظام لا يعني بناء دولة، وكسر الخوف لا يعني امتلاك مؤسسات سياسية قادرة على إدارة المجتمع.

بل إن تجارب ما بعد 2011 تكشف شيئاً أكثر تعقيداً: المجتمعات يمكن أن تنتج احتجاجاً هائلاً من دون أن تنتج بديلاً مؤسسياً، ويمكن أن تنهار الدولة القديمة من دون أن تولد دولة جديدة أكثر شرعية.

وهذا هو السؤال الذي كان ينبغي للكتاب أن يجعله مركزياً: لماذا تنتصر الثورة على الخوف ولا تنتصر بالضرورة على بنية السلطة؟

التكنولوجيا والمستقبل

يقدم الكتاب قراءة لافتة للانتباه للذكاء الاصطناعي والروبوتات بوصفهما جزءاً من إعادة تشكيل القوة الاقتصادية العالمية. لكنه يقترب أحياناً من نبرة مستقبلية حاسمة حين يتحدث عن تراجع الحاجة إلى العمل البشري.

هنا أيضاً يحتاج التحليل إلى قدر أكبر من الاحتمال وأقل من الحسم.

فالتكنولوجيا لا تنتج نتائجها الاجتماعية وحدها. المؤسسات هي التي تحدد جزءاً كبيراً من آثارها. الذكاء الاصطناعي قد يزيد البطالة في قطاعات، لكنه قد يخلق وظائف جديدة؛ وقد يزيد تركّز الثروة، لكنه قد يصبح أداة لرفع الإنتاجية؛ وقد يعزز السيطرة، لكنه يمكن أن يوسع الوصول إلى المعرفة.

المشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في ملكيتها وتنظيمها وتوزيع عوائدها.

وهنا كان يمكن للكتاب أن يربط أطروحته حول المعرفة والإنتاج بالذكاء الاصطناعي بصورة أكثر عمقاً: من يمتلك البنية التحتية الرقمية؟ من يملك البيانات؟ من يملك النماذج؟ ومن يحدد القواعد التي ستنظم الاقتصاد الجديد؟

تناقض المنهج

في النهاية، يعود النقد إلى النقطة التي بدأ منها.

الكتاب يريد أن يكون كتاباً في التحرر من اليقينيات. وهو يرفض أن تكون القومية أو الدين أو المقاومة أو الدولة أو الإمبريالية إجابات مغلقة. لكنه يقع أحياناً في بناء يقينيات جديدة: الدولة هي الطريق، الإنتاج هو الشرط، الإسلام السياسي هو العائق، الإمبريالية هي الإطار، المعرفة هي الخلاص.

ليس في هذه الأفكار ما هو خاطئ بالضرورة. المشكلة أنها تحتاج إلى اختبار مستمر، بينما يقدمها الكتاب أحياناً كأنها نتائج نهائية.

وهذا يضعف أهم ما فيه.

فالكتاب لا يحتاج إلى أن يكون أقل التزاماً بالدولة أو المواطنة أو الحرية أو الإنتاج. يحتاج فقط إلى أن يكون أكثر شكاً في تفسيراته الخاصة.

ما يبقى

مع كل هذه الملاحظات، سيكون من السهل جداً أن تتحول المراجعة النقدية إلى محاكمة للكتاب، وهذا سيكون ظلماً له. فهو كتاب جاد، طموح، ومشحون بأسئلة كبرى، وأفضل بكثير من الكتابات العربية التي تعيد تدوير الشعارات نفسها حول النهضة والهزيمة والمؤامرة.

قيمته الأساسية أنه يرفض أن يرى العرب كضحايا دائمين للتاريخ. يريد أن يعيد إليهم مسؤولية الفعل، وهذه نقطة أخلاقية وفكرية بالغة الأهمية.

لكن استعادة المسؤولية لا تعني تحميل العرب مسؤولية كل شيء.

وهنا تكمن المسافة التي ينبغي أن تفصل بين النقد والتبسيط.

العرب ليسوا مجرد ضحايا الإمبريالية، لكنهم ليسوا أيضاً مجرد ضحايا فشلهم الداخلي. والدولة ليست خلاصاً، لكنها ليست شراً في ذاتها. والمقاومة ليست قداسة، لكنها ليست خطيئة في ذاتها. والدين ليس تفسيراً لكل شيء، كما أن العلمانية ليست حلاً لكل شيء. والإنتاج لا يصنع الديموقراطية تلقائياً، كما أن الديموقراطية لا تنتج اقتصاداً ناجحاً تلقائياً.

التاريخ لا يعمل بهذه الثنائيات.

وهذه هي النقطة التي كان يمكن لكتاب «احتمالات المصير العربي» أن يكون فيها أكثر راديكالية: أن يطبق على أطروحاته هو نفسه المنهج النقدي الذي يطالب العرب بتطبيقه على تاريخهم.

فالمشكلة في المصير العربي ليست نقص الإجابات الكبرى فقط، بل الميل الدائم إلى البحث عن إجابة كبرى واحدة.

ولذلك فإن أفضل قراءة لهذا الكتاب ليست أن نوافق عليه أو نرفضه، وإنما أن نضعه أمام الأسئلة التي يطرحها هو نفسه: هل يستطيع أن يحتمل الشك الذي يدعو إليه؟ هل يستطيع أن يفسر التناقضات بدلاً من تصنيفها؟ وهل يستطيع أن يرى في الدولة والمجتمع والإسلام السياسي والإمبريالية والمقاومة والتكنولوجيا ظواهر تاريخية متحركة، لا كيانات ثابتة تؤدي وظيفة واحدة؟

إذا كان الجواب جزئياً، فإن قيمة الكتاب لا تسقط. لكنها تتغير.

يصبح «احتمالات المصير العربي» كتاباً مهماً لأنه يفتح معركة فكرية، لا لأنه يحسمها. وأفضل ما يمكن أن يحدث لكتاب كهذا هو ألا يتحول إلى مرجع يقين جديد، بل إلى مادة لسجال طويل حول سؤال ما زال مفتوحاً: كيف ينتقل العرب من كونهم موضوعًا تتصارع عليه القوى إلى أن يصبحوا قوة فاعلة تملك القدرة على صناعة تاريخها؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إيران والقرارات المصيريّة.. "الصَّباح خيرٌ من المِصباح" (2)