السلام اللبناني الهش.. وهواجس الاقتتال الأهلي

في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.

منذ عام 1990، ساد اعتقاد عام بأن اتفاق الطائف أنهى الحرب الأهلية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السلم الأهلي. غير أن الوقائع السياسية على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد بيّنت أن الاتفاق أوقف القتال العسكري، لكنه لم يُنهِ الحرب بوصفها بنية سياسية واجتماعية. فالطائف أعاد توزيع السلطة داخل النظام نفسه، من دون أن يعالج الأسباب العميقة لأزمة النظام، وعلى رأسها الطائفية السياسية.

الحرب اللبنانية، في هذا المعنى، لم تتحول إلى ذكرى تاريخية مغلقة، بل بقيت حاضرة في الوعي الجمعي كإمكانية دائمة. حضور لا يتبدى ولا يتمظهر في شكل عنف مباشر، بل في سلوك متوجّس وقلق للجماعات اللبنانية عند كل مفصل وأزمة وطنية.

غياب مصالحة وطنية شاملة شكّل عاملاً مركزياً في إبقاء هذا القلق حيّاً. لم تُكتب رواية وطنية موحّدة للحرب، ولم تُحسم مسؤولياتها، بل تُرك الماضي معلّقاً بين ذاكرات متناقضة وسرديات متصارعة. وبدلاً من تحويل الذاكرة إلى أداة تعلّم جماعي وإلى جزء من كتاب تاريخ وطني موحد (كما نصّ على ذلك اتفاق الطائف)، تحولت إلى مادة تعبئة سياسية تُستدعى عند كل استحقاق أو أزمة.

هذا الواقع انعكس مباشرة على بنية النظام السياسي، حيث ما تزال الانقسامات الطائفية تشكّل الإطار الناظم للحياة العامة. فالانتخابات، برغم انتظامها النسبي، لم تتحول إلى آلية تغيير فعلي، بل بقيت أداة لإعادة إنتاج التوازنات الطائفية نفسها. وهكذا استمر منطق ما قبل الحرب داخل مؤسسات ما بعد الحرب، وإن بأشكال أقل عنفاً.

في قلب هذا المشهد، تبرز مسألة ازدواجية السلطة بوصفها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً. فالدولة اللبنانية لم تتمكن من احتكار القرار السيادي، سواء في المجال الأمني أو السياسي. ومع مرور الوقت، لم يعد وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة حالة استثنائية، بل أصبح جزءاً من الواقع البنيوي الذي تُدار على أساسه التوازنات الداخلية. في الوقت نفسه، وما انتهت الوصاية السورية حتى حلّت وصايات متعددة..

هذه الازدواجية لم تؤدِّ إلى انهيار الدولة، لكنها قيّدتها. فالمؤسسات الرسمية باتت تعمل ضمن هامش محدد، وتُتخذ القرارات الكبرى في إطار حسابات تتجاوز المنطق المؤسساتي التقليدي. وظهر ذلك بوضوح في مسألة الحرب والسلم، حيث لم يعد القرار حصرياً بيد الدولة، ما جعل البلاد عرضة لتداعيات صراعات إقليمية لا تتحكم بمسارها.

هذا التوازن الهش يمنع الانهيار الشامل، لكنه يمنع أيضاً أي انتقال فعلي نحو دولة مكتملة. التوازن نفسه انعكس على موقع لبنان الخارجي. فالدولة غالباً ما تجد نفسها في موقع الدفاع عن سياسات لا تمتلك السيطرة الكاملة عليها، فيما ينظر المجتمع الدولي إلى الداخل اللبناني بوصفه ساحة تداخل بين اعتبارات محلية وإقليمية. وبدلاً من أن تكون السياسة الخارجية امتداداً لقرار وطني واضح، أصبحت انعكاساً لتوازنات داخلية معقدة.

الأزمة الاقتصادية والمالية كشفت بدورها وجهاً آخر من أزمة السيادة. فالانهيار لم يكن نتيجة فساد وسوء إدارة وحسب، بل تعبيراً عن غياب قرار مركزي قادر على فرض إصلاحات جذرية. تعثرت الخطط، وتكررت المفاوضات غير المكتملة، وبقي القرار الاقتصادي أسير التوازنات نفسها التي لا تريد الخروج من شرنقة نظام الزبائنية والمحسوبيات.

من ألبوم المصور الفوتوغرافي اللبناني صالح الرفاعي

في هذا السياق، تحولت إدارة الأزمات إلى نمط حكم دائم. فبدلاً من البحث عن حلول بنيوية، جرى الاكتفاء بإجراءات مؤقتة تمنع الانفجار الكامل من دون أن تعالج جذوره. الزمن نفسه أصبح أداة سياسية، يُستخدم للتأجيل والمناورة، لا للبناء والإصلاح.

في ظل هذا الواقع المعلّق، يلعب المجتمع دوراً ملتبساً. فهو في آنٍ واحد ضحية هذا النظام وحارسه غير المعلن. فالتعب العام، والخوف من المجهول، وتجربة الحرب السابقة، كلها عوامل تدفع قطاعات واسعة من اللبنانيين إلى تفضيل الاستقرار بأي ثمن، حتى لو كان هذا الاستقرار هشّاً ومجتزأً. وهكذا يتحول القلق من العودة إلى العنف إلى عامل كابح للتغيير، لا إلى دافع لبناء دولة قادرة على منعه جذرياً.
كما أن الزمن في لبنان لا يُقاس بالسنوات، بل بالأزمات. كل أزمة تُضاف إلى سابقتها من دون أن تُغلقها، ما يخلق شعوراً بتراكم غير قابل للحل. هذا التراكم يُنتج نوعاً من الإنهاك السياسي والاجتماعي، حيث تصبح المطالب الكبرى مؤجلة، ويُكتفى بإدارة الحد الأدنى من الاستقرار. ومع الوقت، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح “المؤقت” دائماً بحكم العجز عن تخيّل بديل واقعي.
الأخطر في هذا المسار أنه يعيد تعريف مفهوم الدولة في وعي مواطنيها. فالدولة لم تعد تُرى بوصفها إطاراً جامعاً قادراً على الحماية، بل كمساحة تفاوض دائمة بين قوى متنافسة. هذا التحول يضعف الرابط بين المواطن والمؤسسة، ويحوّل السياسة إلى مجال مساومات لا إلى ساحة قرار عام، ما يفاقم الشعور بالاغتراب السياسي ويغذّي اللامبالاة.
من هنا، لا تبدو أزمة لبنان أزمة لحظة، بل أزمة مسار طويل لم يُحسم اتجاهه. فالخيار بين دولة مكتملة السيادة ونظام توازنات مفتوح لا يزال مؤجلاً، ليس لغياب الحلول، بل لغياب القدرة أو الرغبة في تحمّل كلفتها. ومع استمرار هذا التأجيل، يبقى السلام اللبناني حالة إدارية أكثر منه مشروعاً سياسياً، يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، لكنه يترك الأسئلة الجوهرية معلّقة.

إقرأ على موقع 180  حتى لا تبقى القمة العربية.. حبراً على ورق!

في النهاية، لا يكمن الخطر الأكبر في احتمال عودة الحرب بالشكل التقليدي، بل في استمرار هذا الوضع المعلّق إلى أجل غير معلوم. فالتاريخ يُظهر أن الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تعود في لحظات غير متوقعة وبكلفة أعلى. وبين الخوف من الماضي والعجز عن حسم المستقبل، يبقى لبنان عالقاً في سلام يحمي الحاضر، لكنه لا يقدّم ضمانة حقيقية للمستقبل المجهول.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  نظام التفاهة ومواسم جوع.. ستطول يا سادة