في مرور الزمن وتعاقب الأيام أنشد أمير الشعراء أحمد شوقي: “اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسي.. اذكرا لي الصِّبا وأيامَ أُنسي“. كانت هذه الأبيات جزءًا من مناهج اللغة العربية في المرحلة الثانوية ولا أدري إن لم تزل موجودةً إلى الآن، واللافت للانتباه أن السنوات التي تراكمت مُذ ذاك الحين، لم تمحُ القصيدة من الذاكرة؛ إنما زادتها حضورًا واستقرارًا، وإذا كان النسيان طبيعة التقدُّم في العمر؛ فثمَّة ما يبقى حيًا دافئًا، وأكثره يتعلق بالمراحل المبكرة.
***
حين يصادف المرءُ أمرًا لم يكن مألوفًا في ماضيه، ويستشعر اختلافًا كبيرًا بين ما صار إليه الحاضر وبين ما عرفه سلفًا واعتاد عليه؛ لا يجد على لسانه أفضل من التعبير الشهير: “زمن العجايب“. العجائب التي تحيط بنا في الآونة الأخيرة فاقت ما شطَّ من الخيال، وتخطَّت الوَصف بأميال؛ خاصة ما ارتبط منها بأحوال السياسة وشئون القيادة واتخاذ القرار. نرى العَجَبَ العجاب في مواقف مزريَة تُصاغ على أنها أعمالٌ وطنية، وتنازلاتٍ مُخزِية تُكنى بكونها ريادةً وسيادة، وغيرها من مُدهشات؛ يكاد قاموس حياتنا اليومية أن يخلوَ في ظلها من ثابتٍ يمكن الاتكاء عليه.
***
يمرُّ الزمنُ فيفعل بالناس أفاعيله؛ يترك في نفوسِهم شروخًا عميقة، وعلى وجوهِهم بصماتٍ مُوجِعة لا يتأتى الهروب منها. يتولى الاهتمام عن كثيرهم فيصبح طيَّ النسيان، وفي التعرُّض للإهمال والتجاهُل على هذا المنوال؛ يقول الشاعر راثيًا حاله: “رأين الغواني الشيبَ لاح بعارضي.. فأعرَضْن عني بالخدودِ النواضِر.. وكنَّ إذا أبصرنَني أو سمِعنَني.. سَعين فرقَّعن الكُوى بالمحاجر“. عمرو بن أبي ربيعة من أعظم شعراء قريش وأقواهم بيانًا، والحَسرة التي يُبديها على ما انتهى إليه من تواري وأفول؛ إنما هي أيضًا مناوشة للحسان ورغبة في لفت أنظارهن نحوه. الشيبُ في عرف البعض عيبٌ يتوجَّب إخفاؤه؛ لكنه عند البعضِ الآخر علامةَ نُضجٍ وحِكمةٍ تجذب ولا تنفر، والشيء بالشيء يُذكر؛ في وصف أثر الزمن الطاغي يقول طرفة بن العبد: “لبِسْت الليالي فأفنينني.. وسَربلني الدَهْرُ في قُمصِه“.
***
في النصف الثاني من الستينيات أنشَدَت أم كلثوم: “عايزنا نرجع زيّ زمان؟.. قول للزمان ارجع يا زمان“. الكلمات لمرسي جميل عزيز واللحن لبليغ حمدي، والسؤال بإجابته يفيد النفيَ والإنكار، فالغالب أن شيئًا لا يتكرَّر بمثل ما كان، وأن تطورًا يقع لا مَحالة؛ ولو لم يكُن في حينه ملحوظًا. قد لا يكون الرجوع إلى الماضي مُجزيًا كما يتصوَّر المرء، والظنُّ أن الشعور بالحنين لما ولى؛ إنما هو ميلٌ طبيعيٌّ لتصوُّر المثاليّ أو الأفضل، والاحتفاظ بنموذجٍ إيجابيّ في الخيال؛ يريح صاحبه عند اللزوم، ويخفف عنه وطأة الواقع المؤسف.
***
مِن الناس مَن يتشبَّث بما كان عليه وهو بعد شاب؛ له من النشاط والحيويَّة وبهاء الطلة ما يناسب غضاضة عمره. يتمسَّك بتصرُّفات وأفعال لم تعد ملائمةً للتغيُّرات التي لحقته، وربما يتمادى فيقلد من هم أصغر وأوفر صحَّة وقدرة، أو يحاول إبعادهم عن مجاله والاستئثار به؛ رغم العوائق الطبيعية التي تمنعه تقديم أدائه المعتاد؛ وإذ يلفت بفعيله الأنظار، يسأله المحيطون به ساخرين: “ها تاخد زمنك وزمن غيرك“. القصد أن لكل امرئٍ ذروة؛ يبدأ بعدها في الهبوط التدريجي، وعليه أن يستوعبَ ناموس الحياة وأن يقنع بمراحلها، فإذا رفض أن يظهرَ غيره في الصورة، وحارب كي يبقى متصدرًا المشهد؛ بات موضع استهزاء أكيد؛ وأكم من صاحب مقعد حاول أن يبقى فيه فترة أطول مما ينبغي؛ فجاءت نهايته على غير ما أمل واشتهى.
***
غنَّت وردة الجزائرية “حكايتي مع الزمان” في فيلم يحمل العنوان نفسه، وقد أخرجه حسن الإمام وعُرِضَ عام أربعة وسبعين، وشارك في بطولته رشدي أباظة ويوسف وهبي، ويُقال إن الكلمات التي كتبها محمد حمزة؛ عكست قصة بليغ ووردة التي ذرفت في أدائها دموعًا حقيقية. للزمن دور مِحوَريٌّ في أعمال وردة، فقد قدَّمت أيضًا فيلم “آه يا ليل يا زمن” مع رشدي أباظة وعادل أدهم، وأخرجه علي رضا عن قصة لإحسان عبد القدوس، وهو من إنتاج عام سبعةٍ وسبعين.
***
إذا شعر الواحد بأن الوقت مرَّ دون أن يدري، وأنه تعرَّض بمروره للخداع، قال آسفًا: “الزمان مالوش أمان“، وفي قول آخر “مالوش صاحب“، والدرجة الأشد ذمًّا تأتي في التعبير الشائع: “الزمن غدَّار“، وتُذكَر كذلك أغنيةُ عبده السروجي: “غريب الدار عليا جار زماني قاسي وظلمني“. كثير الأوصاف التي تلحق بالزمن سلبية؛ لكن ثمَّة ما يشذُّ فينسب إليه الطيّب المُفرِح؛ على سبيل المثال تُنعَت الأغنياتُ الطربية القديمة بأنها أغنيات “الزمن الجميل“، وتُرَدُّ الأخلاقيات القويمة والمبادئ الفاضلة الرفيعة إلى “الزمن الجميل“، والحقيقة أن الزمن عامل محايد؛ لنا أن نوظفه بما نريد وأن نصنع قبحه أو حلاوته.
***
تحوَّلت أغنية مدحت صالح “كوكب تاني” إلى أيقونة عصرها؛ إذ ترجمت موقفًا رافضًا لأوضاع شقَّت على الناس، وأورثتهم رغبة في التمرُّد لا تجد ما ينفث عنها. ظهرت الأغنية في نهاية الثمانينيات ليجري تداولها على نطاق واسع، وما برحت من أكثر أعمال صالح شعبية وطلبًا في الحفلات إلى يومنا هذا؛ إذ يقول مطلعها: “رفضك يا زماني يا أواني يا مكاني أنا عايز أعيش في كوكب تاني“، والحال أن المعنى لم يذبل أو ينقضي؛ على العكس فقد أججته الظروف المحلية العصيبة وجعلته أحوال العالم أكثر واقعية.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
