يواجه فريق السلطة اللبنانية، الذي ذهب إلى مفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع الجانب «الإسرائيلي»، مأزقًا جديًا أمام هذا الخيار. فبعد مرور نحو أربعة أشهر على توقيع “اتفاق الإطار”، لم يتمكن من تحقيق إيجابية واحدة. فالجانب «الإسرائيلي» يواصل عدوانه على الأراضي التي احتلها في جنوب لبنان، من خلال نهب المنازل وحرقها وتجريفها، مع البنى التحتية والطرقات والمؤسسات الرسمية والخاصة، وحتى المقابر، بالإضافة إلى حرق الأحراج وبساتين الزيتون والليمون. كما واصل اعتداءاته بالقصف المدفعي والمسيّرات والغارات الجوية على القرى المتاخمة للمناطق التي يحتلها. وفوق ذلك، سحب من التداول في المفاوضات فكرة “المناطق التجريبية”، لمصلحة إلزام الجانب اللبناني بترجمة قرار حصرية السلاح على الأرض اللبنانية!
ترافقت حالة “الستاتيكو” مع اقتراب موعد الانتخابات «الإسرائيلية» المقررة يوم الثلاثاء المقبل، ما يجعل أي جلسة مفاوضات، بطبيعة الحال، بلا جدوى. فمن غير المنطقي أن يُقدّم الجانب «الإسرائيلي» أي شيء للجانب اللبناني عشية الانتخابات، لأن من شأن ذلك أن يلعب دورًا مؤثرًا في الحملات الانتخابية المحمومة بين الأطراف السياسية «الإسرائيلية».
ومع ذلك، أرسل فريق السلطة اللبنانية، وفدًا عسكريًا إلى مدينة تامبا الأميركية للتفاوض مع الجانب «الإسرائيلي» برعاية أميركية. وهذا موقف يُعتبر تنازلًا مجانيًا، إن لم يكن أكثر من ذلك.
أما ما هو أسوأ من هذا التنازل، فهو عدم فهم فريق السلطة لطبيعة السياسة التي يعتمدها الجانب «الإسرائيلي» معه، إن لم نشأ اتهامه بالتماهي والتواطؤ مع الجانب «الإسرائيلي» من أجل الضغط على الجيش اللبناني للصدام مع المقاومة وجعله أداة لحماية احتلاله لجنوب لبنان، تمامًا كما كانت ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» قبل التحرير عام 2000. وقد جاءت نتيجة اجتماعات تامبا، لتؤكد هذا المنحى.
إن أخطر ما في فشل فريق السلطة، الذي اعتمد المفاوضات المباشرة وغير المشروطة مع «إسرائيل»، هو أنه استشعر هذا الفشل، فقرر نقل المأزق من الخارج، مع عدو بلاده، إلى الداخل، مع أبناء بلاده.
فجاءت قصة ضبط شاحنة متفجرات تابعة للمقاومة واعتقال شخصين كانا ينقلان الشحنة، والتلويح بإصدار استنابات قضائية ضد المسؤولين في المقاومة عن هذه الشاحنة، وفي مقدمهم رئيس وحدة الارتباط والتنسيق، حسين عبدالله. وعزّز اندفاعة هذا الفريق اللبناني، موقف السفارة الأميركية في بيروت، التي كانت تُحرّض على حل حزب الله، وليس الاكتفاء بالملاحقة القضائية.
غير أن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الداعي إلى التعقل، والاتصالات السياسية المعلنة وغير المعلنة، كبحت جماح فريق السلطة الراغب بالمضي قدمًا في مشروع احالة قضية السلاح إلى المجلس العدلي؛ فسُحب الموضوع من التداول في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، مع إبقاء الخيار مطروحًا في الاجتماعات المقبلة، ما أدى إلى انسحاب وزراء حزب “القوات اللبنانية” من الجلسة احتجاجًا.
وإضافة إلى فشل فريق السلطة في تحقيق الإنسحاب “الإسرائيلي”، ثمة فشل في معالجة الأزمات المعيشية والاقتصادية الأخرى، ناهيك بالفشل في معالجة ملف أموال المودعين العالقة في المصارف منذ سبعة أعوام، والفشل في معالجة أزمة الكهرباء التي يتولى ملفها الحكومي حزب “القوات اللبنانية”.
وباتت فاتورة المولدات الكهربائية، بسبب ارتفاع أسعار النفط، تحمل أرقامًا فلكية، في ظل غياب الطاقة الكهربائية الرسمية، التي لا تزيد التغذية بها على ساعتين إلى أربع ساعات في العاصمة بيروت.
والأسوأ من ذلك أن مشروع الموازنة الذي تقدمت به وزارة المال يزيد الضرائب على كاهل المواطنين، بعدما كانت الحكومة قد فرضت، قبل بضعة أشهر، ضريبة إضافية على صفيحة البنزين قدرها ثلاثمئة ألف ليرة (3.3 دولارات)، لتغطية ما قالت إنه زيادة على رواتب موظفي القطاع العام..
هذه الصورة تشير إلى أن عهد الرئيس جوزاف عون وقبل نهاية سنته الثانية، دخل مرحلة الموت السريري مبكرًا، بعدما وضع كل أوراقه في يد الولايات المتحدة، ولم ينل منها مقابل ذلك سوى الوعود الفارغة، ولا سيما في ملف المفاوضات.
في المقابل، لا بد أيضًا من قراءة وضع المقاومة وفريقها بصورة موضوعية. فهي، خلال حرب السنوات الثلاث المنصرمة، تلقت ضربة قاسية جدًا تمثلت بخسارتها قيادات الصف الأول والصف الثاني وحتى الصف الثالث، وآلاف العناصر. كما خسرت الكثير من ترسانتها الصاروخية في المخازن قبل أن تتمكن من تحريكها. وفوق ذلك، تعرضت بيئتها الحاضنة لضربة قاسية عبر عمليات التهجير القسري لعشرات آلاف العائلات من القرى الحدودية المحتلة، وحرمان هذه البيئة من الاستفادة من مزروعاتها، عبر حرق البساتين أو منع الناس من حصاد أرزاقهم.
وهنا يطرح كثيرون فكرة أن خيار المقاومة فشل أيضًا، كما فشل خيار التفاوض. فما الحل؟
إن تعرض أي بلد للاحتلال يجعل المقاومة خيارًا مشروعًا؛ وهذا درس التاريخ في أكثر من منطقة في العالم، من المقاومة ضد النازية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى المقاومة الجزائرية في ستينيات القرن الماضي، والمقاومة الفيتنامية في سبعينيات القرن الماضي، والمقاومة الفلسطينية التي تُقدّم منذ أكثر من سبعين عاماً وحتى يومنا هذا نموذجاً في التضحية والفداء.
أما التفاوض مع عدو يحتل الأرض، فإذا لم يكن مستندًا إلى أوراق قوة، فإنه يتحول إلى استسلام كامل، ما يعني أن كلفته أعلى بكثير من كلفة المقاومة، مهما بلغت التضحيات فيها.
وفي مقابل انسداد الأفق أمام فريق السلطة اللبنانية، فإن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، التي أوقفت العدوان العسكري على إيران قبل بضعة أشهر، نصت في بندها الأول على وقف العمليات العسكرية في لبنان وصيانة سيادته ووحدة أراضيه، وهو ما يفترض أن يفتح الطريق أمام انسحاب «إسرائيلي». أما “اتفاق الإطار” الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان و«إسرائيل»، فقد وضع شروطًا تعجيزية لأي انسحاب، أقل ما يقال فيها إنها قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في لبنان.
من هنا يمكن الاستنتاج أن حالة “الستاتيكو” القائمة في لبنان اليوم تشير إلى انسداد الأفق أمام خيار المفاوضات المباشرة، لأن الجانب «الإسرائيلي»، المدعوم أميركياً، متمسك باحتلاله للجنوب، فيما يبقى خيار المقاومة مفتوحًا على إمكانية تحقيق نتائج إيجابية، بسبب مصداقية حليفه الإيراني واشتراط الأخير أن يكون الموضوع اللبناني بندًا أول في أي تسوية للصراع في المنطقة.
وهنا يُطرح السؤال عن المسار الذي يُمكن أن تتجه نحوه المواجهة الإيرانية الأميركية في حال تجددها؟
لأن الإدارة الأميركية أدركت استحالة اسقاط النظام الإيراني في ضوء تجربة حرب الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، ورأت أن من العبث مواصلة الحرب العسكرية بالطريقة التي كانت تنفذها، من قصف صاروخي وعمليات تفجير وغارات جوية ومسيّرات، فقد لجأت إلى خيار الحصار البري والجوي والبحري الصارم، بالإضافة إلى نظام العقوبات الذي تنفذه منذ عقود.
غير أن القيادة الإيرانية الجديدة أثبتت أنها أكثر راديكالية من سابقتها، وأكثر تمسكًا بسيادتها على أرضها. فمع مواصلة تصديها العسكري بالصواريخ والمسيّرات، لجأت إلى سلاح جيوسياسي هو إقفال مضيق هرمز، الأمر الذي هز وما يزال يهز الاقتصاد العالمي، بدليل ارتفاع سعر برميل النفط من ستين دولارًا قبل الحرب إلى أكثر من 116 دولارًا بحسب أسعار يوم أمس الجمعة.
وإذا استخدمت إيران، عبر حلفائها اليمنيين، مضيق باب المندب أيضًا، فإن أسعار النفط ستزداد ارتفاعاً ويزداد معها الضغط أكثر فأكثر على الاقتصاد العالمي.
وقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة أسعار السلع، وبدأت مفاعيل هذا الارتفاع تظهر بوضوح في أميركا والدول الأوروبية، وتضغط على الطبقة المتوسطة وتدفع شرائح منها نحو الفقر.
كما لعب الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا دورًا كبيرًا في الضغط على اقتصادات أوروبا، ما أشعل فتيل الاحتجاجات الشعبية في معظم دولها، والتي من المؤكد أنها ستزداد إذا واصل سعر برميل النفط ارتفاعه.
أما في أميركا، فإن فاتورة المشتقات النفطية، التي تضغط بثقلها على دافعي الضرائب، بدأت نتائجها تظهر في استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب إلى نحو ثلاثين في المئة، فيما ترجح هذه الاستطلاعات فشل حزبه الجمهوري في الحصول على الأغلبية في الانتخابات النصفية في الثالث من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
في المحصلة، فإن سياسة الحصار على إيران تحتاج إلى وقت طويل لإعطاء النتيجة الأميركية المرجوة منها. وبإمكان إيران الصمود، بالرغم من الكلفة الباهظة لهذا الصمود على حياة الشعب الإيراني، لأن قيادتها تعتبر أن الاستسلام أكثر كلفة من الصمود؛ فهو يعني تسليم سيادة البلاد وثرواتها الطبيعية للمستعمر، وإفقار الشعب والأجيال المقبلة.
ولكن، لأن الطرف الذي تواجهه إيران هو الدولة الأقوى في العالم، فإنها تكتفي بسياسة الدفاع، مع اقتناص فرص توجيه الضربات الموجعة حيثما أمكنها ذلك.
أما الطرف الأميركي، فسيكون بعد الانتخابات النصفية أمام استحقاق كبير: إما أن يصعّد عسكريًا، بلا أفق لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سابقًا، وإما أن يذهب إلى ضرب إيران بأسلحة غير تقليدية، كما لمّح ترامب مواربة أكثر من مرة، أو يذهب إلى تسوية معها؛ وهذه التسوية لا بد أن تشمل حلفاء إيران في لبنان وفلسطين واليمن.
باختصار، فإن ما بدأ في إيران وامتدت نيرانه إلى لبنان، لن ينتهي في لبنان من دون أن ينتهي في إيران، بمعزل عن الشكل الذي يمكن أن تكون عليه هذه النهاية.
