نحن نفترض، بصورة تكاد تكون بَدَهية، أن العالم ينتقل من نظام إلى فوضى، ثم تنتهي الفوضى بقيام نظام جديد يتبلور، على شكل تصوريّ، كنظام أحادي أو ثنائي القطبية، عندما يتطور بنا الحال، ونتحرر قليلاً من الرؤية النمطية، نعتبر أنه سيكون متعددَ الأقطاب. فالأمر يبدو في ذهنيتنا، وكأن الفوضى ليست سوى ممر بين نظامين، وكأن الانتقال حالة مؤقتة، لا بد أن تنتهي عندما تستقر موازين القوى وتتعيّن الأقطاب والقواعد والحدود في علاقات القوة الدولية.
لكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه قد أصبح من الماضي المعتاد عليه؟ فهو يصدر عن التعوّد على نمط معين من التفكير.
ماذا لو لم يعد العالم ينتقل من (نظام إلى فوضى ثم إلى نظام جديد)؟
وإنما أصبح يتحرك في صورة مختلفة تماماً:
تشكّل من دون تبلور نهائي، ثم فوضى ثم انبثاق ثم إعادة تشكّل ثم فوضى ممتدة ثم يظهر على شكل عالم رمادي لا يحدث فيه أي تشكل؛ بحيث لا يصل التشكل إلى نهايته، لأن انبثاقاً جديداً وفوضى جديدة يبدأن قبل أن يكتمل التشكل السابق؟
هنا نكون أمام انقلاب في معنى النظام العالمي ذاته.
فالنظام لم يعد بالضرورة بنية مستقرة، وإنما قد يصبح عملية مستمرة لإدارة عدم الاستقرار. ويمكن الاستعانة هنا، على سبيل الاستعارة لا الإثبات العلمي، بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية ومفهوم الإنتروبيا الذي يصف اتجاهات محددة في الأنظمة الفيزيائية. لكن هذا القانون لا يثبت أن الفوضى هي الحالة الطبيعية للعلاقات الدولية، ولا أن النظام السياسي حالة استثنائية بالضرورة، الأمر الذي تعززه حالة العالم اليوم الشبكية وتسوده عقد استراتيجية ليست بالضرورة تابعة لإحدى الدول العظمى، وكذلك سواد حالة عالمية رمادية ليست حربًا وليست سلماً! وحدوث اضطرابات لا متناهية في العالم، لا تُحسم، وإنما تُدار إدارتها و الاستمرار بها وفي حال حسمت أحداها فإن هذا نذير فتح صراع جديد وإدارته من جديد باعتبار أن الصراع هو القانون السائد.
وهنا نصل إلى الفرضية المركزية التي نقترحها معياراً للعالم الجديد:
ربما لم يعد توصيف الوضع على أنه الانتقال كمرحلة بين نظامين؛ بل أصبح الانتقال ذاته هو النظام. واستمرار الانتقال ضمن الفوضى والصراعات كقاعدة أو كصورة لما هو الآن وما هو القادم في العالم (بنظامه) الجديد، وكأن النظام هو اللانظام!
استدامة الانتقال
إذا كان الأمر كذلك، فإننا -ربما- لا نعيش اليوم «مرحلة انتقالية» في انتظار ولادة نظام عالمي جديد، كما يكرر-بأمل وتفكير رغبوي- كثير من المحللين والسياسيين، وإنما نعيش حالة يمكن تسميتها: “استدامة الانتقال” (The Permanence of Transition).
فالانتقال لم يعد طريقاً يؤدي إلى نقطة وصول محددة؛ بل أصبح حالة استراتيجية مستمرة تشكل سمة النظام العالمي، حيث تتبدل التحالفات، ومراكز القوة، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، ومصادر الطاقة، وأدوات الحرب، والفاعلون، بسرعة أكبر من قدرة النظام على تثبيت قواعد نهائية لها؛ ذلك أن العالم يتغير أثناء محاولتنا تعريفه. وبمجرد أن نعتقد أن بنية جديدة قد استقرت، تكون علاقات جديدة قد انبثقت داخلها وبدأت بتغييرها. ولهذا فإن العالم:
لا ينتظم ثم يستقر؛ إنه يتشكل.. ويتشكل.. ويتشكل ولا يصل إلى صورة نهائية!
مثال النظام الدولي
ويمكن نقل الفكرة إلى مستوى أعلى؛ بسؤال: هل النظام الدولي الراهن هو نتيجة تصميم وضعته دولة واحدة؟ فالولايات المتحدة لديها استراتيجيتها. والصين لديها استراتيجيتها. وروسيا لديها استراتيجيتها. والاتحاد الأوروبي والهند والقوى الإقليمية والشركات التكنولوجية والأسواق والمؤسسات المالية والشبكات العابرة للحدود لكل منها حساباته. لكن النظام الناتج عن تفاعل هذه الاستراتيجيات ليس استراتيجيةَ أيٍّ منهما منفرداً. إنه ناتج كلي. أي أنه، باختصار:
“نظام منبثق” (Emergent Order)
ومن هنا يصبح مفهوماً لماذا لا يستطيع أي قطب، مهما بلغت قوته، التحكم الكامل في مآلات النظام. لأننا انتقلنا من عالم كانت فيه:
القوة المركزية تنتج النظام إلى عالم أصبحت فيه، بصورة متزايدة: التفاعلات والعلاقات هي التي تنتج النظام.
فحين تتعدد مراكز القرار وتتقاطع الهرميات والشبكات، تزداد فرص ظهور النتائج المنبثقة التي لا يستطيع مركز واحد السيطرة عليها بالكامل.
ولهذا لن يكون النظام العالمي أحادي القطبية ولا متعدد الأقطاب، لأنه عالم من الشبكات المتداخلة والعقد الحاكمة. وربما سيمضي وقت طويل ينتظر فيه المحللون قيام نظام عالمي لن يقوم بسبب التداخل الذي لا يسمح بوجود استراتيجية واحدة على شكل تفاهمات متوافق عليها لقيام النظام عالمي. لقد انتهى ذلك الزمان!
ربما لم نعد أمام «نظام عالمي» أصلًا بالمعنى الكلاسيكي لكلمة نظام.
لقد كان مفهوم النظام العالمي يفترض ضمنًا وجود مركز ثقل، أو عدد محدود من مراكز الثقل، وقواعد يمكن التعرف إليها، وتراتبية للقوة، وقدرة نسبية على تحديد من يقود ومن يتبع. حتى «تعدد الأقطاب» يحتفظ بهذا الافتراض؛ فهو يغيّر عدد القمم لكنه لا يغيّر هندسة الجبل.
أما العالم اليوم فهو العالم الشبكي الذي يكسر هذه الفرضية.
فقد تكون الولايات المتحدة عقدة حاكمة في المال العالمي، والصين عقدة حاكمة في سلاسل صناعية معينة، ودولة أصغر عقدة حاكمة في ممر بحري، وشركة تكنولوجيا عقدة حاكمة في المعلومات، وشركة رقائق عقدة في القدرة الحاسوبية، ومنصة رقمية عقدة في تشكيل الإدراك، ومركز بيانات أو كابل بحري عقدة في الاتصال. وهكذا لا تعود القوة خاصية ثابتة يمتلكها «قطب»، وإنما تصبح خاصية علائقية تتحدد بحسب الشبكة والقضية واللحظة. ولهذا لن تكون هنالك استراتيجية مقابل استراتيجية، على الأغلب، إنما استراتيجيات في عالم العقد، وحيث تنبثق من أماكن كان ينظر إليها على أنها قليلة الأهمية استراتيجيات معطّلة لدول عظمى.
هنا ننتقل الفكرة إلى عدة نتائج غير نمطية:
أولًا: العالم المقبل ليس متعدد الأقطاب، بل متعدد المركزيات. حسب تعدد العقد!
والفرق جوهري. القطب يجمع القوة حوله؛ أما العقدة فتكتسب قوتها من موقعها بين الآخرين. ولذلك قد تكون دولة ضعيفة عسكريًا لكنها تحتل عقدة لا يمكن تجاوزها، فتملك في قضية معينة قوة تفوق حجمها بكثير. هنا تصبح الموقعية الاستراتيجية (Strategic Positionality) أهم أحيانًا من الحجم الاستراتيجي.
ثانيًا: لن تكون هناك قمة واحدة للنظام الدولي، لأن لكل شبكة قمتها الخاصة.
هناك شبكة المال، والطاقة، والرقائق، والذكاء الاصطناعي، والمعلومات، والممرات البحرية، والمعادن الحرجة، والأقمار الصناعية، والسرديات، والتحالفات العسكرية. وقد يكون الفاعل مركزيًا في شبكة وهامشيًا في أخرى. لذلك يصبح السؤال القديم «من يحكم العالم؟» سؤالًا سيئ الصياغة. والسؤال الأدق هو:
من أولئك الذين يمتلكون العقد الحاكمة، في أي شبكة، وفي أية لحظة يتخذون قراراً إيجابياً أو سلبياً في سياق مفاعيل العالم نفسه.
ثالثًا، والأهم: قد يصبح السياق الحالي من عدم تبلور نظام عالمي، هو الحالة الطبيعية للعالم وليس مرحلة انتقالية.
نحن معتادون على اعتبار ما نراه بمثابة الفوضى الحالية شيئاً سيئاً، وأنها محضُ مرحلة بين نظام قديم ونظام جديد. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه خاطئًا؟ ماذا لو كان الانتقال دائمًا؟ بمعنى الاستمرار الوضع الحالي لأن عالم الأقطاب والعقد وتوزع القوى هو عالم اليوم، عندئذ سيظل المحللون ينتظرون «النظام العالمي الجديد»، بينما الشيء الجديد تحديدًا هو استحالة استقرار العالم طويلًا في نظام واحد. لأنه قد أصبح من الماضي!
يمكن تسمية ذلك مجازاً: “الانتقال الدائم” (Permanent Transition)
ولكنه لن يكون انتقالاً فقد يصبح هو النظام!
رابعاً: لن تكون التحالفات المستقبلية كتلًا بقدر ما ستكون تقاطعات. وكذلك الصراعات. التي ستصبح قطاعية! لا يحكمها منطق (إما /هو) إنما يحكمها (كلاهما/ و):
فقد تتنافس دولتان أمنيًا، وتتعاونان تجاريًا، وتعتمدان إحداهما على الأخرى تكنولوجيًا، وتتصادمان في شبكة ثالثة. وبالتالي يصبح تصنيف الدول إلى «معسكرات» أقل قدرة على تفسير الواقع. فنحن أمام تحالفات متغيرة بحسب القضية (Issue-Based Alignments). وبحسب القطاع، وبحسب القدرة على أن تعطي وأن تحجب.
خامسًا: القوة نفسها ستصبح قابلة للانتقال بين الشبكات.
وهنا نرى مجالًا لمفهوم أكثر أصالة: تحويل المركزية الشبكية إلى قوة استراتيجية. فامتلاك عقدة مهمة ليس كافيًا؛ فالعبقرية الاستراتيجية هي القدرة على نقل النفوذ المكتسب في شبكة إلى شبكة أخرى: وتحويل السيطرة التكنولوجية إلى نفوذ مالي، أو السيطرة على ممر إلى نفوذ سياسي أو إستراتيجي أو اقتصادي عالمي، أو التفوق المعلوماتي إلى قوة تفاوضية.
وهذا يقودنا إلى نتيجة أكثر أهمية:
الحروب المقبلة قد لا تكون أساسًا حروبًا للاستيلاء على الأرض، بل حروبًا للاستيلاء على العُقد.
أي السيطرة على العقد التي لا تستطيع الشبكة العمل طبيعيًا من دونها وهي على سبيل المثال في عالم اليوم: الرقائق، الخوارزميات، البيانات، الكابلات، المدفوعات، الموانئ، الأقمار الصناعية، المعادن الحرجة، المعايير التقنية، وحتى العقد السردية التي يمر عبرها تشكيل الرأي العام.
من «توازن القوى» إلى «توازن الاعتماديات»
كانت النظريات التقليدية تسأل: كم يمتلك كل طرف من القوة؟
اليوم في العالم الشبكي ينبغي أن نسأل: من يحتاج إلى مَن؟ وفي ماذا؟ وهل يستطيع استبداله؟ وكم يستغرق ذلك؟
فإذا كانت دولة أقوى من دولتي بعشرة أضعاف، لكنها تعتمد عليّ في عقدة لا بديل سريعًا لها مني، فإن فارق القوة الخام لا يفسر العلاقة بيننا.
ومن هنا يمكن صياغة مفهوم طوبولوجيا الاعتماد: وهي خريطة ليست للدول الأقوى، وإنما لمسارات الاعتماد المتبادل ونقاط الاختناق والبدائل.
ثم نصل إلى نتيجة أعمق تتصل مباشرة بفكرتنا عن الانبثاق:
إذا كانت الشبكات تتفاعل باستمرار، فإن النظام العالمي قد لا يُصمَّم من مركز واحد، وقد لا يتبلور في صورة نهائية، وإن ظلّت أشكال جديدة تنبثق داخله.
لن تجلس القوى الكبرى بالضرورة لتتفق على شكل النظام المقبل كما حدث في لحظات تاريخية سابقة. فقد تظهر قواعد ومراكز وتحالفات وسلوكيات من ملايين التفاعلات التي لم يقصد أي طرف منفرد أن تنتج الصورة النهائية.
وبذلك يصبح حتى تعبير “نظام عالمي منبثق” (Emergent World Order) تعبيرًا غير كافٍ أيضًا، لأن كلمة (Order) توحي بالاستقرار.
ربما الأدق هو: “التشكل العالمي المنبثق” (Emergent World Configuration).
بحيث يعيد تشكيل نفسه باستمرار. وبالتالي فهو ليس نظاماً؛ لأن سمة النظام الاستقرار والوضوح والتعيين (ما هو/ليس) ستغيب. إنه في حالة تشكيل مستمر ومتغير.
لقد انتهى عصر البحث عن عدد أقطاب النظام العالمي. فالأحادية والثنائية والتعددية تنتمي جميعها إلى هندسة سياسية واحدة تفترض أن القوة تتمركز في قمم يمكن عدّها. أما العالم الشبكي اللاتسلسلي، فلا تُعدّ قممه، لأن مركزيته متحركة، وفاعليه متداخلون، وتحالفاته متقاطعة، واعتمادياته متبادلة، وعقده الحاكمة تختلف من شبكة إلى أخرى. ولذلك قد يمضي المحللون سنوات وهم ينتظرون ولادة «النظام العالمي الجديد»، من دون أن ينتبهوا إلى أن الجديد تحديدًا هو أن العالم لم يعد مضطرًا لأن يستقر في نظام. إنه لا ينتظم؛ إنه يتشكّل… ويتشكل… ويتشكل! وبالتالي فهو في حالة من المنظور القديم يتشكل باستمرار، بينما من خلال المنظور الجديد الذي نقترحه فهو في حالة تبدّل مستمرة ديناميكية تفرضها سيولة كل شيء من ناحية، والعالم الشبكي من ناحية أخرى، والانبثاق الذي لا يتوقف.
بكلمة؛ نحن نبني تحليلنا على مفهوم الانبثاق الذي لا يتوقف.
وهذا هو التصور المبدئي الذي يفسر لماذا يستحيل على هذا العالم أن يستقر طويلًا في صورة نهائية.
في التصور القديم، كما قلنا؛ كان التحليل يبدأ من افتراض ضمني: هناك اضطراب، ثم انتقال، ثم يستقر النظام في بنية جديدة. ولذلك كانت الفوضى تُفهم باعتبارها مرحلة بين نظامين. ويمكن مقاربة هذا التصور مجازياً بمفهوم الإنتروبيا في الديناميكا الحرارية، من دون افتراض أن مآل كل نظام سياسي هو الفوضى بحكم قانون فيزيائي! ويبدو أننا اعتدنا على النظام لأنه كان ضمن سياق تبدل نحو الفوضى ببطء؛ الأمر الذي جعلنا نعتقد أن العالم نظام! أما اليوم فمع عصر السيولة وتدفق المعلومات والذكاء الاصطناعي فإن التبدل السريع والمنبثق، قد يغدو هو الصورة عن المبدأ الثاني في الديناميكا الحرارية الذي قد لا يعني الفوضى التي نعرفها، بل يعني سلسلة الانبثاقات.
الاستقرار بمعنى الثبات هو الحالة المؤقتة، والانبعاث المستمر(الانبثاقات) للأشكال الجديدة هو الحالة الأصلية.
فالعالم لا يتشكل مرة واحدة لكي يصبح «نظامًا عالميًا جديدًا»، وإنما يتشكل، ثم يعيد تشكيل شروط تشكله، ثم تنبثق من هذه الشروط علاقات لم تكن موجودة، فتغير بدورها الشبكة التي أنتجتها.
النظام العالمي الرمادي
من هنا يمكن الانتقال بمفهوم “المنطقة الرمادية” خطوة أبعد من المجال الواقع بين ممارسة السياسة والدبلوماسية الاعتيادية والحرب المفتوحة، حيث تستخدم الدول والفاعلون أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية وسيبرانية ووكلاء ووسائل ضغط دون الوصول بالضرورة إلى الحرب التقليدية الشاملة. كما أن الغموض وصعوبة الإسناد وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء تعد من خصائصها الأساسية.
لكن الرمادية لم تعد، في تصورنا، مجرد استراتيجية يمارسها فاعل داخل النظام العالمي. فقد تكون الرمادية قد بدأت تتحول إلى صفة للنظام العالمي نفسه. وليس المقصود بذلك نظاماً ضعيفاً، أو فوضوياً بصورة كاملة وفي كل الجغرافيا العالمية، وإنما نظام لا تتعين فيه بصورة نهائية الحدود بين:
الحرب والسلام، والسيادة والتدخل، والفاعل والوكيل، والداخلي والخارجي، والدولة والشبكة، والمدني والعسكري، والردع والانتهاك، والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية.
فتلك الحدود لا تختفي؛ لكنها تصبح متحركة، ويعاد رسمها بالممارسة. وهكذا ينتقل مفهوم الرمادية من: رمادية الفعل إلى: رمادية البنية. ومن المنطقة الرمادية إلى العالم الرمادي. العالم الذي لا يتعين.
عدم التعيّن ليس نقصاً في النظام
لقد اعتدنا النظر إلى عدم التعيّن بوصفه نقصاً مؤقتاً في المعلومات: نحن لا نعرف بعد من هو الفاعل، أو أين ستستقر القوة، أو أين سينتهي الصراع، لكننا نفترض أننا سنعرف ذلك لاحقاً.
لكن الفكرة التي انتهينا إليها أن عدم التعيين، وبالتالي عدم اليقين، نفسه خاصية في الواقع الاستراتيجي، وليس مجرد نقص في معرفتنا به!
عندئذ لا يصبح السؤال: متى سينتهي عدم اليقين؟ له قيمة. بل:
كيف نتصرف استراتيجياً في عالم ينتج عدم اليقين ويعيد إنتاج عدم اليقين باستمرار؟
فاللايقين هنا ليس ضباباً يغطي الواقع مؤقتاً؛ إنه ينتج من كثرة العلاقات والتفاعلات والفاعلين وسرعة التغير والتغذية الراجعة والانبثاقات، ويمكن مقاربته مجازياً بمفهوم الإنتروبيا، لا بوصفه تطبيقاً مباشراً لقانون فيزيائي. حيث هنا يصبح عدم التعيّن مكوّناً من مكونات النظام ذاته.
أي أن جزءاً مما كنا نسميه سابقاً: فوضى قد يكون جزءاً لا يتجزأ من بنية و من طريقة عمل النظام الجديد.
ومن هنا أعتقد أننا نصل إلى أن:
العالم الجديد ليس نظامًا غير مستقر؛ لأن وصفه بعدم الاستقرار يفترض وجود حالة مستقرة ينبغي أن يعود إليها أو سيخلقها. إنه عالم أصبح فيه التغيير نفسه مولِّدًا لتغيير جديد، والمنبثق مولِّدًا لانبثاق آخر، بحيث تتحول الصيرورة من عارض يصيب النظام إلى الخاصية البنيوية التي يقوم عليها العالم.
وبذلك يمكن أن تصبح العبارة المركزية لنظريتنا:
العالم لا ينتقل من نظام إلى نظام؛ بل من انبثاق إلى انبثاق. وكل انبثاق يعيد تشكيل الشبكة التي أنتجته، فتولد الشبكة المعاد تشكيلها إمكانات انبثاق جديدة. ولذلك فإن العالم لا يتشكل لكي يستقر؛ إنه يستقر مؤقتًا لكي يعاود التشكل.
ربما يصل بنا التفكير من خارج الصندوق إلى أن العالم الجديد أصبح منظومةً تنتج أسباب عدم استقرارها من داخلها. فكل بنية جديدة تغيّر شروط التفاعل، وتغيير شروط التفاعل يولّد إمكانات لم تكن موجودة، وهذه الإمكانات تنتج انبثاقات جديدة، فتعود الانبثاقات الجديدة لتعيد تشكيل البنية التي أنتجتها. ولذلك لم يعد التغير حادثًا يقع للنظام العالمي، بل أصبح خاصيةً بنيوية فيه.
(*) غداً الحلقة الثانية والأخيرة من هذا الفصل في كتاب «كيف تغيّرت السياسة» — قيد الإعداد. راجع باقي مقالات الكاتب في موقع 180 بوست
