اتهام عرب 48 بتزوير الانتخابات: الجنائي في خدمة السياسي

تثير اتهامات المؤسسة الإسرائيلية لعرب 48 بتزوير الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أسئلة تتجاوز نزاهة الاقتراع إلى مستقبل تمثيلهم السياسي..

وجّهت ثلاث من أعلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية، وهي الحكومة ممثلة برئيسها بنيامين نتنياهو، ولجنة الانتخابات المركزية ممثلة برئيسها، قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ، وجهاز الأمن العام (الشاباك) ممثلاً برئيسه دافيد زيني، أصابع الاتهام إلى العرب بتزوير الانتخابات وسرقتها، عبر استجلاب أموال من دول أجنبية، قيل إن من بينها قطر.

يبدو هذا الاتهام ضبابياً، والهدف منه إشغال وسائل الإعلام الشعبوية والعنصرية، من دون تقديم أي أدلة على التزوير أو تدفق الأموال الأجنبية. وإذا حصل أي تزوير أو سرقة للانتخابات، فإن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا نتيجة تغاضٍ مقصود من المؤسسات التي تراقب كل شاردة وواردة في الدولة وتسيطر عليها. إذ لا يُعقل أن تقوم مجموعة قومية مستضعفة، مثل عرب 48، بمثل هذه الأعمال من دون علم «الشاباك»، الذي له عيون وآذان حتى داخل غرف نوم الناس.

وهنا، علينا القول إن مؤسسات الدولة كانت، ولا تزال، ترعى تزوير الانتخابات لدى بعض الجماعات السكانية، مثل اليهود الشرقيين والحريديم والعرب، لقياس مدى شرعيتها. وهذا أمر معروف للقاصي والداني، حتى إن عدد المقترعين في بعض صناديق الحريديم تجاوز عدد المسجلين رسمياً في قوائم أصحاب حق الاقتراع، من دون اعتراض أي هيئة من هيئات الدولة.

وبما أن نسبة المقترعين العرب اخترقت السقف الزجاجي، باتت مؤسسات الدولة تسعى إلى لجمهم بواسطة هذه الاتهامات التي ظاهرها جنائي وباطنها سياسي، وفقاً للعقيدة اليهودية التي ترفض أن يكون «الغوييم» (Goyim)، أي غير اليهود، أعضاء أو أصحاب قرار في السنهدرينها. ولهذا، يجري العمل على تفكيك الإدارة السياسية لعرب 48 قانونياً وشعبياً، أمام الرأي العام اليهودي الذي تعادي غالبيته العرب، إذ يمكن القول إن أكثر من ثلاثة أرباع اليهود يصدّقون هذه التهم «على العمياني».

عطفاً على ما تقدم، كان بيان جهاز الأمن العام (الشاباك)، الذي أصدره على غير عادته عصر الخميس، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لافتاً للانتباه، إذ قال، بما معناه، مخاطباً عرب 48: أنتم السكان، وليس المواطنين، أناس مستقيمون مارستم حقكم في التصويت وفقاً للقانون الإسرائيلي وبنزاهة، لكن المشكلة المحتملة تكمن في قيادتكم، وربما تعمد المؤسسة إلى معاقبة بعض أفرادها وسجنهم. لذا، ندعوكم إلى النأي بأنفسكم عنها، والعودة إلى ما كنتم عليه في فترة الـ«راء ألف» (ر. أ)، خلال الحكم العسكري.

مع العلم أن فترة الحكم العسكري امتدت منذ النكبة عام 1948 حتى عام 1966، لكن آليات السيطرة السياسية والأمنية استمرت بعد إلغاء هذا الحكم، وصولاً إلى مرحلة ما بعد يوم الأرض عام 1976، حين أنشأ الشيوعيون، عام 1977، الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، والتي كان تشكيلها مهماً وضرورياً، وإن بات من الضروري إعادة تقييم تجربتها مجدداً.

في هذا السياق، نعود ونتذكر أن الدولة المحتلة، ممثلة بمستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية شموئيل طوليدانو، هي التي بادرت إلى إنشاء هيئة قطرية لإدارة شؤون عرب 48 عام 1974.

ومن المعروف في الأدبيات التي قرأتها واستخدمتها في عملي الصحافي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، والتي بات يعرفها كل باحث مهتم، أن الدولة اعتبرت نتائج حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 انتصاراً للقومية العربية، ورأت ضرورة محاصرتها عبر إنشاء اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية.

وسرعان ما بدأت مواجهة هذا الإطار وتحدّيه بعد يوم الأرض، مع تشكيل الجبهة الديمقراطية للسلام، ثم محاولة عقد مؤتمر الجماهير العربية الذي منعه رئيس الحكومة مناحيم بيغن عام 1981، باستخدام أنظمة الطوارئ الانتدابية الصادرة عام 1945، مع أن بيغن نفسه كان قد أدانها، قائلاً إنه لم تكن توجد حتى في ألمانيا النازية قوانين مماثلة لها.

لكن، مع استمرار الشد والجذب بين مكونات اللجنة القطرية، تشكّلت لجنة المتابعة، وكان من ضحايا هذه العملية اثنان من أهم الأطر السياسية في تاريخ فلسطينيي الداخل، هما لجنة الدفاع عن الأراضي وحركة أبناء البلد، اللتان هزمهما تيار أحمد أبو عصبة وطارق عبد الحي وأسعد عزايزة.

ولهذا باب آخر، ربما نعود إليه مستقبلاً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  حروب الممرات: إيران في قلب الصراع الجيوسياسي
أحمد أشقر

كاتب وأكاديمي فلسطيني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": في أية حرب إقليمية.. إسرائيل ستقاتل في 8 جبهات!