زمن الفساد اللبناني الجميل

"تحيّاتي يا أخي بهيج، لقد علمتُ أنّك أصبحت وزيراً في حكومة لبنان الذي نحبّ، فعادت بي الذكرى إلى أيام طفولتنا الأولى؛ عندما كنّا مساءً بعد العشاء، نتسابق لننام في فرشة والدنا المرحوم، فكان يشمّ رائحة أيدينا إذا كانت نظيفة بعد الأكل ومغسولة، كي يقبل أن ننام معه. هو اليوم مدفون ويرقد تحت السنديانة في قبره، وبعد عمرٍ سنكون نحن هناك أيضاً، وقد يشمّ رائحة أيدينا إذا كانت نظيفة. فحافظ على نظافتها، ومبروكٌ لك الوزارة".

هذا ما خطّه عام 1949 الكاتب والصحافي سعيد تقي الدين لشقيقه بهيج، عقب تعيين الأخير، للمرّة الأولى، وزيراً في حكومة رياض الصلح، فشقّت له حقيبةُ الزراعة، مساراً ثابتاً في تولّي الحقائب الوزاريّة في ثماني حكوماتٍ متتالية. سعيد تقي الدين، هو الأديب نفسه الذي ينقل عنه اللبنانيّون، وبخاصّة السياسيّين منهم، عبارته الشهيرة: “أفصح ما تكون القحباء حين تحاضر بالعفاف”. والطريف في الأمر، أنّ هؤلاء السياسيّين، الموالين منهم والمعارضين، هم تحديداً مَن أوحوا، بأدائهم ومواقفهم وتصريحاتهم، لساخر بعقلين برفَّة الجناح هذه (كان كاتبنا المذكور ينشر كلّ عبارة من عباراته تحت مُسمّى “رفّة جناح”).

ما الذي ذكّرني اليوم بالأخويْن تقي الدين؟

تلقّيتُ مؤخّراً WhatsApp من أحد أصدقائي، يضمِّنه نصّ الرسالة المقتضبة أعلاه، مع توقيعٍ مُترحِّم (لصديقي) على “لبنان الزمن الجميل”. الصحافي الراحل غسّان تويني، هو أوّل مَنْ وضع (على حدّ علمي)  هذه العبارة في التداول، عندما كان يكتب المرثيّات لأترابه في زمنٍ كانت تراه “نخبة المجتمع البورجوازي اللبناني”، جميلاً. الموضوع إذاً، سياسيٌ بامتياز، بتقييم بعض العارفين بكواليس نظامنا اللبناني ومنظومته الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وينتمي إلى عالم الأساطير الذي شيّدت ركائزَه القوميّةُ اللبنانيّة الشوفينيّة، التي لا تزال “مآثرها” تنخر، حتى يومنا هذا، في عظام لبنان، مجتمعاً ودولةً ومؤسّسات و… ثقافةً.

ولكي تكتمل سعادة شعب لبنان المنكوب، عمّرت عصبياتُ وسياساتُ وطوائفُ – ما بعد الحرب فوق هذه الركائز، لتدمِّر كلّ ما وصلت إليه يداها أو سطوتها. ففي “لبنان الزمن الجميل”، انقضّت السلطات الحاكمة المتعاقبة على كافّة مؤسسات البلاد، بإشراف أمراء الحروب الأهليّة، مجتمعين أو متفرّقين. وتحكَّم (منذ نشوء لبنان الكبير) ما يقارب المئة وعشرين عائلة بمقدّرات الدولة والمجتمع، باسم الحسب والنسب، وغالباً بالنيابة عن شركاتٍ أجنبيّة مشبوهة. لكنّ الأخطر في كلّ فصول حكاية بلدنا، يكمن ربّما، في تكريس الفساد عنواناً للتقدّم والتحضّر، وأسلوباً للعمل والإنتاج، ونهجاً للحياة وتنشئة الأجيال على عقيدة “الشاطر بشطارته”.

عندما كتب سعيد تقي الدين لأخيه بهيج، بلهجةٍ تشبه التنبيه الملطَّف من تلويث يديْه بأوبئة السياسة اللبنانيّة، لم يكن لبنان (المستقلّ للتوّ) قد غرق بعد في الوحول، ولم تكن رائحة الأيدي المسؤولة قد فاحت بعد من محميّات الفساد. لكنّ أديبنا، وهو السياسي المتمرِّس في صفوف الحزب القومي السوري، كان يعرف تمام المعرفة أنّه، كلّما وضع الإنسان المناصب نصب عينيْه، كلّما نبتت في قلبه وعقله وعلى يديْه بذورُ فسادٍ ما.

إذا سألت اليوم أهالي منطقة الشوف والجبل، عمّا إذا كان النائب والوزير الراحل بهيج تقي الدين قد أخذ بنصيحة شقيقه الأكبر، لابتسموا (على الأرجح) وشرحوا لك، بالأمثلة والحجج الدامغة “على غير ذمّتهم”، عن “ذمّة الشيخ بهيج الواسعة جدّاً”. وهذه الذمّة الواسعة لم تكن تعني، في معجم فساد “الزمن اللبناني الجميل”، ما تعنيه في أيّامنا هذه؛ حيث أمسى شراء الذمم واستملاكها عنوان كلّ قواميس السياسة في “الزمن اللبناني القبيح”، ودعابة يضحك لها، طويلاً وعميقاً، الفاسدون والمُفسِدون الجُدد.

يعرف اللبنانيّون الفاسدين، فاسداً فاسداً، لكنّهم سمحوا باستمرار فسادهم، وجدّدوا ومدّدوا للنظام السياسي القائم، بأنْ ألقوا لقوّاديه الحبل على غاربه

جولة خاطفة في فضاء الفساد اللبناني تُظهِّر لنا الآتي:

أوّلاً، الفساد، في معناه ومضمونه، متوفّر على كلّ المستويات في القطاعيْن الخاصّ والعامّ في لبنان، ويُترجَم في نسختيْن: الفساد الكبير الذي يستنزف المال العامّ، أي خزينة الدولة، والفساد الصغير الذي يستنزف المال الخاصّ، أي جيبة المواطن. وهذان الفسادان، الكبير والصغير، هما اللذان أفضيا إلى استقرار لبنان وثباته في طليعة لائحة منظّمة الشفافيّة الدوليّة التي تتقصّى، سنويّاً، مستوى مدركات الفساد لدى شعوب مئةٍ وثمانين بلداً في العالم. وهذان الفسادان هما اللذان جعلا، عمليّاً، كلّ فردٍ على أرض الجمهوريّة اللبنانيّة فاسداً، بطريقةٍ أو بأخرى، سواءٌ عبر مشاركة المواطنين الفعليّة في الفساد، أو من خلال استفادتهم من الوضع الفاسد، بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة. ما حدا باللبنانيّين للاقتناع والتصريح والتسليم، بأنّ الفساد في وطنهم ليس سلوكاً وممارسةً فحسب، بل أضحى، ومنذ فتراتٍ طويلة، قدَراً. فكيف للإنسان أن يعاند قدَره؟!

يعرف اللبنانيّون الفاسدين، فاسداً فاسداً، لكنّهم سمحوا باستمرار فسادهم، وجدّدوا ومدّدوا للنظام السياسي القائم، بأنْ ألقوا لقوّاديه الحبل على غاربه، فأضعفوا فاعليّة الدولة وكفاءة أجهزتها، وعطّلوا كلّ الأدوات القادرة على مساءلة فاسد أو محاسبة مرتكب.

ثانياً، في لبنان الأخضر، البلد العربي الصغير والمأزوم منذ النشأة، يستنشق المواطن الفساد مع الهواء، ويشربه مع كأس المياه، ويأكله مع لقمة العيش، أنّى أدار وجهه في المناطق اللبنانيّة. لذا لا يحتاج الباحث، المبتدئ حتى، لأدنى جهدٍ، للتقصّي في أبواب الفساد وميادينه وسراديبه ودهاليزه وشبكاته التي باتت أكبر من شبكات الصرف الصحّي في البلاد (على حدِّ تعبير أحد الظرفاء). لا شيء أقوى من منظومة الفساد في لبنان؛ فهي عامّة شاملة ضاربة في شتّى المجالات وكافّة الاتجاهات: شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، بقاعاً ووسطاً، جبلاً وساحلاً. لقد طال الفساد واستطال، على كلّ القطاعات المُنتِجة والمؤسّسات العاملة التي صارت مزاريب للهدْر، وشريان الحياة الذي يدرّ مليارات الدولارات لرجال الدولة، من أعلى قمّتهم إلى أسفل درْك مسؤوليهم، كما للزعامات السياسيّة والطائفيّة القابضة على خناق الحكم.

في دراسة أعدّتها “شركة الدوليّة للمعلومات” (شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علميّة لبنانيّة)، يتبيّن أنّ أبرز المداميك “الظاهرة” في بنيان الفساد اللبناني، تكمن، بخاصّة، في قطاعات الكهرباء والتوظيف العامّ والاتصالات والبنى التحتيّة. يُضاف إليها، الهدْر والسرقة الناتجان عن الاعتداء على الأملاك البحريّة، وإيجارات الأبنية الحكوميّة، والتهرّب الضريبي والجمركي، وإنشاء المجالس والمؤسّسات العامّة كـ”تنفيعات” لزعماء الطوائف والمتنفّذين. كلّ ذلك، يكبّد خزينة الدولة ما نسْبته، بحسب تقديرات إحصائيّة، %10، تقريباً، من الناتج المحلّي (أي نحو أربعة مليارات دولار سنوياً)، عدا مبالغ تتراوح قيمتها، ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً، هي، بحسب أرقام البنك الدولي، كلفة المحاصصة السياسيّة في الصفقات والسمسرات التي تتناتش “غلّتها” قبائل وعشائر وقوى وأحزاب و”كارتيلات” السلطة.

سيبقى الفساد في بلادنا ويطول عمره ويخلّد، كلّما انسحب الشرفاء من الميادين، وتركوها لحكّامنا الفصحاء كي يحاضروا في العفاف

ثالثاً، يُعَدّ الفساد التعبير الأوضح لما أنتجه الالتحام الثلاثي الذي حُكِم على أساسه في لبنان، بين النظام السياسي والرؤية الاقتصاديّة والطائفيّة. وعلى مرّ السنوات، استشرى هذا الفساد وتحوّل، مع الوقت، إلى أحد مسبّبات الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ أشهر، وأحد أبرز الدوافع التي أخرجت اللبنانيّين (ولا تزال)، بشكلٍ غير مسبوق، إلى الساحات منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

وفي محاولاتٍ لاحتواء غضب الناس، بدأت بتصريحاتٍ خائفة وخجولة وانتهت بإجراءاتٍ قمعيّة، باشرت السلطة عبر القضاء (خلال الأسابيع الماضية) تحقيقاتٍ في قضايا عدّة، بينها جرائم اختلاس وتبديد أموال وإهدار المال العامّ لمنافع شخصيّة. وتحوّل الفساد إلى ميدانٍ يتسابق السياسيّون فيه على رفع شعار مكافحته، ومثلهم، فعلت كلّ الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلد، لكنّ أيّ إجراءٍ عمليّ لم يسلك طريقه للتنفيذ. وكانت المهزلة المسرحيّة التشريعيّة لدى نواب الشعب في 21 و22 نيسان/أبريل؛ إذْ وضعوا بعد ساعاتٍ طويلة من المناقشات في حرم قصر اليونيسكو (هرباً من الكورونا)، “حبّة الكرز على قالب الكاتو”، كما يقول المثل الفرنسي. فأسقط نواب الأمّة صفة المعجّل، عن كلّ مشاريع القوانين ذات الصلّة بمحاكمة الوزراء المشتبه فيهم والمتورّطين بالفساد، بأنْ دفنوها، على عجل، في مقبرة اللجان النيابيّة (كما توصف في لبنان). لقد قدّموا غطاءً شرعيّاً للفاسدين والمفسِدين، فستروا بفعْلتهم الشنيعة عورات المرتكبين، الذين يدفع اللبنانيّون اليوم ثمن أفعالهم. وكافأ ممثّلو الشعب مَن شلّح هذا الشعب اللقمة من فمه وحاربه بعُملته ووظيفته وصحّته، ليطبّقوا الفعل بالقول: “مكافأة الفساد لم تكن يوماً سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع!” ماذا بعد؟

“لقد تألّه الفراعنة والأباطرة، لأنّهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعي”، يقول الإمام الغزالي أحد عظماء الفكر الإسلامي وأعلام التاريخ العربي. وعليه، سيبقى الفساد في بلادنا ويطول عمره ويخلِّد، كلّما انسحب الشرفاء من الميادين، وتركوها لحكّامنا الفصحاء كي يحاضروا في العفاف. ما أفصح حكّامنا في حياء فجورهم. وما أقوى الناس في حياء ثورتهم. إنّه “الحاضر اللبناني الجميل”. إقتضى التذكير.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course