لبنان إن خَرَجَ من سوريا وسائر المشرق.. يُسقط “طائفه”!

أما وأن لبنان قد ذهب إلى صندوق النقد الدولي صاغراً، لا حولَ ولا قوةَ له، فلا بأس أن يجرّب حظه، لكن من المفيد، لا بل الضروري، في خط عودته المحتمل، تحسباً لما لا قدرة له على تحمله، أن يضع بدائله على الطاولة، سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، ولعل البداية من الداخل ومن بوابته الشرقية أو المشرقية.

إذا وضعنا جانباً خياراتنا الداخلية، الإقتصادية والمالية، وهي متعددة وتحتاج إلى قرار سياسي أولاً، لنذهب إلى ما يمكن تسميته “الخيار المشرقي”.

في البدء ـ وهذه نقطة جوهرية تغفل عن بال كثيرين ـ كل من يجاهر بالتمسك بإتفاق الطائف، لا يستطيع الخروج إستنسابياً من المضمون السياسي التاريخي الذي أرساه إتفاق الوفاق الوطني. إتفاق حسم هوية لبنان العربية وموقعه الإقليمي المعادي لإسرائيل وحسم إشكالية العلاقة اللبنانية ـ السورية، لمصلحة إقامة علاقات أخوية “مميزة”، ولكن مع حفظ سيادة وإستقلال البلدين.

تكفي مراجعة البند الأخير في إتفاق الطائف لمعرفة حجم ما يرتكبه اللبنانيون بحق الطائف نفسه، سواء بتفريطهم بسيادتهم وإستقلالهم في الحقبة الأولى من تطبيق الإتفاق لمصلحة ضابط سوري كانوا يأتمرون بأوامره إلى حد أنه طلب من نواب الأمة اللبنانية أن يصوتوا برفع الأصابع لتمديد ولاية رئيس جمهوريتهم، أو بإضرارهم المتعمد اليوم بالعلاقة نفسها، وهم يدركون أن سوريا التي كانوا يعرفونها جيداً.. لن تعود كما كانوا يشتهون بأن تحكمهم بجزمة وصايتها السياسية والعسكرية والأمنية!

أكثر من ذلك، لو أردنا أن نكون أوفياء لنصوص إتفاق الطائف، ينبغي أن نُعيد الجيش السوري إلى البقاع حتى خط حمانا المديرج وعين دارة عند مشارف جبل لبنان الجنوبي. هذا الوجود السوري قرّره الحاضرون في الطائف ووضعوه في خانة الدفاع عن أمن سوريا وليس عن أمن لبنان، لكن اللبنانيين، وكعادتهم، مع كل الوصايات المستوردة، يبالغون دائماً في الغرام، كما في الإنتقام!

خرجت سوريا من لبنان ولن تعود، على الأرجح، هل يمكن لأية مقاربة سياسية للعلاقة مع سوريا أن تأخذ في الإعتبار هواجس جميع اللبنانيين؟

حتماً، يختلف اللبنانيون في النظرة إلى جارتهم الشرقية، لكن سوريا الدولة باقية، بمعزل عن حاكمها، سواء اليوم أم غداً، وسوريا لن تُقسم، أقله هذا ما تشي به مواقف اللاعبين الأساسيين في مسرحها المشرّع على حسابات الأمم والإقليم. سوريا الدولة العربية المركزية والبوابة الشرقية تحتاج زمناً حتى تعود، كما كانت تاريخياً، وسوريا تحتاج، حتى تتعافى إقتصادياً، إلى مشروع إعماري كبير، لكن الأهم كيفية إعادة ترميم سوريا إجتماعياً، بمصالحة وطنية شاملة، وبإعادة صياغة العقد الإجتماعي بين مختلف أطياف الشعب السوري.

تكفي “كبسة زر” أميركية واحدة حتى نجد بشار الأسد في الرياض أو عبد الفتاح السيسي في دمشق. لماذا يُراد لنا أن نصل دائماً متأخرين ولماذا لا نضبط إيقاعنا، فلا نسرف في الود ولا في العداء؟

وحتى لا يطول الكلام، لندخل في صلب الموضوع. الأميركيون يفرضون عقوبات دولية على سوريا، وهذا جزء لا يتجزأ من حرب إقتصادية تشمل أيضا لبنان والعراق وإيران والفلسطينيين. “قانون قيصر” الذي يعرف بـ”قانون سيزر”، الذي شهرته الولايات المتحدة الأميركية في نهاية العام الماضي، للضغط على القيادة السورية، سيوضع موضع التنفيذ في غضون أسابيع قليلة، إذا صدقت المعلومات الواردة من العاصمة الأميركية. في المقابل، معظم اهل السياسة في لبنان يعلم أن خطوط أوروبا، كما العديد من الخطوط العربية، وتحديداً السعودية والإمارتية والقطرية، مفتوحة مع دمشق، ولو بمستويات وعناوين مختلفة. تكفي “كبسة زر” أميركية واحدة حتى نجد بشار الأسد في الرياض أو عبد الفتاح السيسي في دمشق. لماذا يُراد لنا أن نصل دائماً متأخرين ولماذا لا نضبط إيقاعنا، فلا نسرف في الود ولا في العداء؟

الكل يعلم أيضاً أن دمشق أبلغت العديد من الوسطاء اللبنانيين والدوليين في مناسبات عدة أنها لم ولن تقبل بقنوات خلفية أو خفية بعد الآن. الممر الإلزامي لأي تعاون من أي نوع كان ممره الإلزامي العلاقات الدبلوماسية. يعني ذلك أن الدولة السورية تريد حث المهتمين بوجوب التطبيع معها، وهذا حقها ويلبي مصلحتها، لكن هل لنا أن نفكر كلبنانيين بمصلحتنا وحقوقنا بدل المزايدة على الأميركيين بحرصنا على تطبيق “قانون قيصر” قبل أن يطبّقه الأميركيون؟

ولو ذهبنا إلى معادلات صندوق النقد الدولي نفسه. هم سيخصصون بعض جلسات مفاوضاتهم مع الحكومة اللبنانية لقضايا الواردات والنفقات، الإستيراد والتصدير، فهل يمكن أن يتصور عاقل أن مسؤولاً في العالم يمكن أن ينصح اللبنانيين بعدم البحث عن أسواق لتصدير منتجاتهم الزراعية والحرفية والغذائية؟

لندع إيران وتركيا جانباً، لأسباب سياسية وليست إقتصادية. سوريا هي بوابتنا إلى العالم شرقاً. إلى الخليج أولاً، فإذا كان السوق الخليجي مقفلاً أمامنا لأسباب سياسية، لنبحث عن بدائل عربية أخرى. لنذهب إلى الأردن، وقيادته أميركية حتى العظم. سنجد هناك العديد من الفرص المشتركة، وتدرك سفيرتنا الشمعونية هناك أن الأردنيين يرغبون بإحداث قفزة نوعية في العلاقات الثنائية بين البلدين.

لنذهب إلى العراق.. هل سنجد حكومة أميركية أكثر من حكومة مصطفى الكاظمي

لنذهب إلى العراق.. هل سنجد حكومة أميركية أكثر من حكومة مصطفى الكاظمي؟ أيضاً سنجد فرصاً مشتركةً، وثمة إقتراحات موجودة بحوزة الكاظمي حتى من قبل أن يصبح رئيساً للحكومة، ولا سيما قضية إستجرار النفط العراقي إلى منشآت الشمال اللبناني، والتأسيس لسوق مشرقية تضم العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين (طرح الكاظمي أن تكون تركيا جزءاً لا يتجزأ منها).

ماذا يضير لبنان أن يفتح على هذه الأسواق وكلها عربية؟

إذا إتخذنا قراراً بتفعيل الترانزيت، هل يمكن أن نطلب من الدولة السورية أن تعفي منتجاتنا التي تمر عبر معابرها البرية (وتحديداً معبر البوكمال مع العراق ومعبر نصيب مع الأردن) من الرسوم بينما نحن نحظّر زيارة أي من المسؤولين الحكوميين إلى سوريا؟

كلنا نعرف أن السوق السورية، وبسبب العقوبات الدولية، تواجه نقصا كبيرا في أمور معينة، ألا يمكن للبنان أن يطرح صيغة للتعاون مع سوريا، ويجعل الأميركيين يقبلون بها، كما يسمحون لكل حكومات العراق في السنوات الأخيرة بإستيراد النفط الإيراني؟

هل حاولنا مثلاً أن نناقش مع السوريين كيفية فتح إعتمادات، وبالليرة اللبنانية، لإستيراد المواد الغذائية الأساسية من قمح وطحين وشعير (أوروبا حتى الآن تستورد الطحين السوري) وحليب ومواشٍ من سوريا، بدل فتح إعتمادات بالعملة الصعبة للإستيراد من شتى أنحاء العالم، علما أن سوريا لطالما أبدت إستعدادها لتزويد لبنان بما يحتاجه بأسعار تفاضلية لا يمكن أن توفرها دولة أخرى.

هل يعلم اللبنانيون أن سوريا، وفي عز أزمتها الوطنية، لم تتوقف معامل إنتاج الكهرباء فيها، وهي أبدت إستعدادها لتزويد لبنان بالكهرباء، وبأسعار مخفضة جداً، وأيضاً بالليرة اللبنانية، ومن مؤسسة كهرباء سوريا إلى مؤسسة كهرباء لبنان، أي ليس من دولة إلى دولة، وذلك بمجرد إنجاز بعض المتطلبات التقنية التي تعمدت المافيا اللبنانية التعمية عليها، حرصا منها على إستمرار مغارة بواخر الفيول أويل مشرعة، بكل ما كبّدته للخزينة اللبنانية من عجز تجاوز الأربعين مليار دولار من أصل مجمل الدين العام العام؟ وهل نعلم أن الغاز السوري صار موجوداُ وبكميات تفيض عن أسواق سوريا ويمكن للبنان أن يشتريه بعملته الوطنية من سوريا؟

هل يعلم اللبنانيون أن سوق الدواء في سوريا، وبرغم أزمة عمرها عشر سنوات، ظلت مستقرة، وكان بمقدور اللبنانيين، لو إستوردوا الدواء من سوريا أن يوفروا سنوياً حوالي المليار دولار؟

هل يعلم اللبنانيون أن هناك فرصة تكامل صناعي بين لبنان وسوريا ذلك أن المواد الأولية تفيض عن سوريا، وفي المقابل، ثمة خبرات تقنية ورساميل لبنانية تفيض عن لبنان؟ هل نعلم أن المنظفات وحدها موادها الأولية متوفرة في سوريا ويمكن أن تفتح وحدها آفاقاً لمشاريع لبنانية سورية تغزو المنطقة كلها؟

لقد أراد البعض أن يختصر العلاقة بين لبنان وسوريا بقضية معابر التهريب. حسناً، اين كان هؤلاء، عندما كانت السوق اللبنانية تفيض بالمازوت السوري، يوم كان يُباع في سوريا بنحو عشرة بالمئة من قيمته في لبنان؟ يسري ذلك على الكثير من السلع التي جعلت الإقتصاد الموازي بين لبنان وسوريا يُقدر سنوياً بما يزيد عن مليار دولار، كان لبنان هو المستفيد منها في الماضي، بينما إنقلبت الآية في الأونة الأخيرة.

ليبادر العهد والحكومة ومجلس النواب إلى قرار سياسي معاً. لتفتح الحكومة حواراً جدياً مع الهيئات والقطاعات الإقتصادية الأساسية في البلد، وبعضها يعبر عن حساسيات سياسية بإمتياز، وأن يكون عنوانه كيفية تفعيل العلاقات اللبنانية السورية ومن خلالها علاقة لبنان بكل الأسواق العربية

من يُريد وقف التهريب بين لبنان وسوريا، هو جاهل بالتاريخ والجغرافيا وبطبيعة البشر. يُمكن الحد من التهريب، لكن البنى التحتية والعائلية والإجتماعية للتهريب عمرها من عمر دولة لبنان الكبير. ليسأل المتشدقون بشعار وقف التهريب أهل عكار ومجدل عنجر وعرسال ورأس بعلبك والهرمل وكل البقاع الشمالي عن المسالك والمعابر التي تقيهم العوز والجوع؟ عن الأنابيب الممتدة بطول كيلومترات تحت أرض البلدين لتأمين المحروقات؟ عن الناس التي كانت تأتي بخبزها ومونتها و”مازاتها” ومازوتها من سوريا؟ عن طلاب البقاع والشمال الذين كانوا يتعلمون في المدارس أو الجامعات السورية نهاراً ويعودون إلى بيوتهم اللبنانية ليلاً؟ عن الناس الذين كانوا يذهبون للإستشفاء في سوريا؟ للأكل في مطاعم سوريا؟ لشراء الكوسا والباذنجان المنقور من أسواق التنابل في الشام وحمص وحلب وطرطوس؟

لقد عقدت آلاف الإجتماعات العسكرية اللبنانية ـ السورية، منذ العام 1943، حتى يومنا هذا، ومنها العديد من الإجتماعات هذه السنة، وهذه هي محاضرها في أرشيف رئاسة أركان البلدين، وناقشت قضايا عديدة، لكن البند التاريخي الذي لم ولن يتزحزح، هو بند معابر التهريب. هو البند التاريخي بين الولايات المتحدة والمكسيك. بين سوريا وتركيا. بين اليمن والسعودية. بين الجزائر والمغرب. بين ليبيا وتونس. بين مصر والسودان. بين كل بلد وجاره في شتى أنحاء المعمورة، لا بل بين القارات نفسها..

ولنفترض أجمل السيناريوهات. قرر المهربون إقفال المعابر وتسليم مفاتيحها إلى الدولة اللبنانية، وتبرعوا أيضاً بحبس أنفسهم في سجون الدولتين اللبنانية والسورية، برغم موسم الكورونا، هل هناك شك عند عاقل أن المعابر المقفلة ستفرخ معابر جديدة ومهربين جدداً ومافيات جديدة؟

لنفترض أيضاً، أجمل السيناريوهات: هل يمكن أن يأتي رئيس للجمهورية أكثر تناغماً مع حزب الله وسوريا، من ميشال عون، وهل يمكن أن يأتي رئيس حكومة، لا يعبأ بشارعه ومتفرعاته الدولية والإقليمية، أكثر من حسان دياب، وهل يمكن أن يكون هناك مجلس نيابي، رئيسا وأكثرية نيابية، من المحسوبين على سوريا، أفضل من المجلس الينابي الحالي؟

ليبادر العهد والحكومة ومجلس النواب إلى قرار سياسي معاً. لتفتح الحكومة حواراً جدياً مع الهيئات والقطاعات الإقتصادية الأساسية في البلد، وبعضها يعبر عن حساسيات سياسية بإمتياز، وأن يكون عنوانه كيفية تفعيل العلاقات اللبنانية السورية ومن خلالها علاقة لبنان بكل الأسواق العربية وأولها الأسواق الخليجية.

الفرص السورية والعراقية والأردنية موجودة، وهي فرص متبادلة ولا تخص دولة وتفتح الباب واسعاً أمام مشروع للتكامل بين هذه البلدان الأربعة، ومعهم فلسطين.

أي ذهاب بالسياسة في غير هذا الإتجاه، هو جزء من إطلاق رصاصة الرحمة على إتفاق الطائف.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download