حجي عبد الناصر من مرشح لقيادة “داعش” إلى مخبر!

برغم اعتقاله من قبل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بعد يومين من انتهاء معركة الباغوز في شهر آذار/مارس 2019، فإن القرار الأميركي بنقل حجي عبد الناصر قرداش من سجون "قسد" في الشرق السوري إلى السجون العراقية شكّل مناسبة لإحياء ذكرى الرجل والأدوار التي مارسها في تنظيم "داعش".

حجي عبد الناصر اسمه الحقيقي طه عبد الرحيم عبد الله بكر خويت مواليد تلعفر عام 1967. خريج كلية الهندسة المدنية في العراق، من أبرز قيادات الصف الأول في تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) حيث تولى منصب “والي دير الزور” والقائد العسكري للتنظيم في سوريا، وكان من بين مؤسسي مشروع التصنيع العسكري الهادف إلى تزويد التنظيم باحتياجاته من الأسلحة والذخائر بصفته مهندساً. تولى رئاسة اللجنة المفوضة في سوريا عام 2017، غير أن وقوعه في الاعتقال بعد معركة الباغوز عام 2019 سرعان ما حرمه من جميع امتيازاته وترشيحاته وتحول إلى معتقل ليس له أي امتياز إلا خزانة الأسرار التي يملكها والتي قد تشكل صيداً ثميناً للاستخبارات العراقية ومن ورائها الأميركية.

وقد كشف جهاز المخابرات العراقي، أمس (الأربعاء)، عن اعتقاله أحد المقربين من خليفة تنظيم “داعش” السابق أبو بكر البغدادي، وأحد المرشحين لخلافته (إعتقل قبل مقتل البغدادي)، وهو أيضاً من المقربين للزعيم الجديد للتنظيم، لكنه لم يذكر شيئاً عن خلفية الاعتقال أو زمانه ومكانه وأن الأمر لم يتعد مجرد استلام المعتقل من قوات “قسد”.

سيرة ذاخرة بالمناصب

بدأت رحلة حجي عبد الناصر في فضاء التنظيمات الجهادية مع انتسابه لـ”جماعة التوحيد والجهاد” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي عام 2004، اي غداة الإحتلال الأميركي للعراق في العام 2003،  وسرعان ما ألقي القبض عليه عام 2005 من قبل القوات الأميركية حيث تمّ زجّه في سجن أبو غريب سيء الصيت وبقي هناك حتى بداية عام 2007، لكن تجربة السجن الأولى لم تفت من عضد الرجل ولم تمنعه من الالتحاق بـ”دولة العراق الاسلامية” التي أسسها في ذلك العام خليفة الزرقاوي أبو عمر البغدادي ونائبه أبو حمزة المهاجر. وقد عيّن في منصب مسؤول إداري في ولاية الجزيرة “تلعفر ونواحيها وقراها”، لكنه تعرض للاعتقال مرة ثانية في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2007 من قبل القوات العراقية ليصار إلى إطلاق سراحه في أواخر عام 2009.

وكمكافأة له – على ما يبدو – لعدم تراجعه عن عضوية التنظيم برغم اعتقاله لمرتين متتاليتين، تم تعيينه، بعض إطلاق سراحه، في مناصب قيادية عدة أهمها والي كركوك ومسؤول الشؤون الإدارية في “دولة العراق الاسلامية” وفي أواخر عام 2011 أصبح أمير وحدة تصنيع المستلزمات العسكرية لتنظيم “داعش”. وفي شهر آذار/مارس من عام 2012 أرسل إلى سوريا كأمير للتصنيع. وقد شكل إرساله إلى سوريا أولى علامات الخلاف الحقيقي بين أبي بكر البغدادي وأبي محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة، حيث أكد عبد الناصر في اعترافات أدلى بها أمام المحققين من “قوات سوريا الديمقراطية” منتصف العام 2019 “أنه برغم إرساله إلى سوريا كأمير للتصنيع فإنه منع من القيام بمهمته من قبل أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني، وبذلك فشلت هذه المهمة”، وذكر أن الخلافات بين الجولاني وأبو بكر البغدادي نشأت في هذه المرحلة.

هذا التصادم مع الجولاني أهّله للارتقاء في سلم المناصب القيادية بشكل متسارع، حيث جرى تعيينه في منصب والي دير الزور عام 2013. كما ساعده في الترقي وجود شقيقين قتلا في المعارك إلى جانب تنظيم “الدولة”.

وبعد سيطرة “داعش” على كامل محافظة دير الزور بعد معارك طاحنة مع “جبهة النصرة” وفصائل أخرى، جرى تعيينه في نهاية عام 2014 بمنصب أمير الانتاج العسكري، وذلك إضافة إلى منصبه كعضو في “اللجنة المشرفة” المسؤولة عن الإشراف على عمل ولايات التنظيم ومؤسساته، ثم تولى عام 2015 منصب أمير اللجنة المفوضة في عموم الشام (سوريا). وقد استلم لعدة اشهر منصب أمير لجنة العلاقات الخارجية المسؤولة عن أعمال التفجير في أوروبا لكن سرعان ما ذهب هذا المنصب إلى أبي محمد العدناني قبل مقتله عام 2016. في هذه الفترة، تمّ إرسال حجي عبد الناصر إلى العراق للاستفادة من خبراته من أجل التحضير لمعركة الموصل، وعين هناك بمنصب عضو اللجنة المفوضة، غير أن مقتل العدناني جعل قيادة التنظيم تقرر إعادة حجي عبد الناصر إلى الشرق السوري ليتولى رئاسة اللجنة المفوضة ولجنة العلاقات الخارجية من جديد.

تجربة متشددة أطاحت بأحلام ترشيحه

مثلت تجربة استلام حجي عبد الناصر إمارة اللجنة المفوضة في الشام أحد أخطر المنعطفات التي تعرض لها الرجل في سيرته القيادية. وبرز ذلك بشكل رئيسي نتيجة اتخاذه بعض القرارات الإشكالية التي اثارت الكثير من اللغط حولها وتسبب بعضها في انقسامات حادة في صفوف التنظيم. وأهم هذه القرارات الإشكالية، قراران أولهما يتعلق بالجانب العسكري وتمثل في إنسحاب مقاتلي التنظيم من أجزاء واسعة من الأراضي السورية من منطقة اللجاة وريف السويداء الشرقي ومنطقة الحدود الأردنية السورية وذلك من دون أي قتال حقيقي. وثانيهما هو بيان “ليهلك من هلك عن بينة” الذي صدر عن اللجنة المفوضة في شهر أيار/مايو عام 2017 وأحدث أعمق شرخ في بنية التنظيم بعد تبنيه لمسألة تكفير العاذر بالجهل وما تؤدي إليه من التسلسل في التكفير.

وبرغم فداحة الأخطاء التي اقترفها حجي عبد الناصر وجسامة التداعيات التي ترتبت عليها وكان أشدها خطراً أنها هددت زعامة البغدادي للتنظيم، فإن الأخير لم يتخذ أي إجراء تأديبي أو عقابي بحقه بل اكتفى بعزله من منصبه

وبالإضافة إلى خطورة البيان من حيث فحواه وتداعياته، فإن ما زاد من خطورته والشكوك حول خلفياته هو أنه استُتبع بنشر مقالة إشكالية في صحيفة النبأ بعنوان “رموز أم أوثان” ألمح كاتبها بشكل خفي إلى كفر زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي لأنه لا يكفّر بعض شيوخ تنظيم “القاعدة”.

لذلك لم يكن مستغرباً أن يسارع البغدادي إلى عزل حجي عبد الناصر من منصبه وتعيين أبي عبد الرحمن الزرقاوي أردني الجنسية مكانه. وكان أول قرارين يتخذهما الزرقاوي هما إصدار تعميم إلى مقاتليه في ريف حماة الشرقي “عقيربات ومحيطها” بالاستمرار بالقتال وحظر الانسحاب لأي سبب من الأسباب وكان هذا بمثابة رد على استراتيجية حجي عبد الناصر التي أثارت الكثير من الجدل بسبب قيامها على مبدأ الانسحاب وعدم التمسك بالأرض ومحاولة الحفاظ على مقاتلي التنظيم وكوادره. والقرار الثاني هو الانقلاب الجذري على بيان “من هلك ليهلك عن بينه” وتبنّيه فتوى مناقضة تماماً لفتوى التكفير وقد أدى ذلك إلى سلسلة تغييرات في المناصب القيادية في التنظيم استجابة لتغييرات المنهج (راجع مقالة “كيف عاد داعش إلى قبضة الحجاج العراقيين”؟: https://180post.com/archives/8075 )

وبرغم فداحة الأخطاء التي اقترفها حجي عبد الناصر وجسامة التداعيات التي ترتبت عليها وكان أشدها خطراً أنها هددت زعامة البغدادي للتنظيم، فإن الأخير لم يتخذ أي إجراء تأديبي أو عقابي بحقه بل اكتفى بعزله من منصبه. ويرد ذلك إلى أن حجي عبد الناصر كان من الحجاج الأوائل الذين أسسوا التنظيم ويمسكون بزمام قيادته بغض النظر عن طبيعة المناصب التي تعطى لهم بشكل رسمي وذلك نتيجة نفوذهم المعنوي الواسع.

كشف عن وجود البغدادي في إدلب واعترافات مثيرة

في إحدى التحقيقات التي أجرتها قوات “قسد” مع حجي عبد الناصر، كشف الرجل بكل صراحة عن قناعته بأن أبو بكر البغدادي موجود في إدلب، وذلك رداً على سؤال عن المناطق التي يحتمل أن يكون البغدادي قد اختبأ فيها. ومما قاله في التحقيق الذي لم يكشف تاريخه لكنه لم ينشر إلا بعد أيام من مقتل البغدادي “قد يذهب إلى الصحراء العراقية من أجل إعادة تأسيس داعش.. لكن الدعم المقدم من جميع المناطق في الصحراء للحكومة العراقية في الفترة الأخيرة وتحركات الحشد الشعبي قد تشكل تهديداً للبغدادي. لهذا السبب لا أعتقد بأنه سيختار الصحراء العراقية. في إدلب هناك الكثير من المجموعات المسلحة والتعرف عليه هناك أصعب. قد يبقى في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية من إدلب. وتلك هي المنطقة الأنسب للبغدادي. لكن المناطق الخاضعة لسيطرة الجولاني خطرة بالنسبة له”. وفيما ذهبت أجهزة الأمن العراقية إلى تسليط الضوء على دور أبي زيد العيثاوي في الكشف عن مكان البغدادي وذلك في إطار مساعيها لإبراز دورها في عملية اغتياله، فإن اعترافات عبد الناصر تبدو أكثر قدرة على الربط بينها وبين مقتل البغدادي خصوصاً أن صاحب الاعترافات كان معتقلاً عند حلفاء الأميركيين الذين تولوا تنفيذ عملية الاغتيال.

ومن الاعترافات الأخرى التي أفاد بها حجي عبد الناصر أنه كان هو صاحب الاقتراح بتسمية التنظيم باسم “دولة الاسلام في العراق والشام” بعد قرار البغدادي الكشف عن علاقته بجبهة النصرة وذهابه إلى دمجها مع دولة العراق الاسلامية في نيسان/ابريل 2013.

كما كشف عن دور أنقرة في توجيه التنظيم للهجوم على مدينة كوباني مؤكداً أن البغدادي استفرد بقرار الهجوم برغم معارضة القيادات الأخرى له. ومما قاله في اعترافاته: “كنا نحضر أنفسنا للحرب لكن وجهتنا لم تكن كوباني بل دمشق. لكن البغدادي طلب الهجوم على كوباني. وقد اعترضنا على ذلك لكنه لم يقبل بالأمر. وقد عانينا الكثير من الخسائر في كوباني. وبعد ذلك فهمنا أن سبب تغيير البغدادي لوجهتنا إلى كوباني خلال ليلة واحدة كان إصرار الأتراك. فقد أراد الأتراك أن نهاجم كوباني. وأصر أردوغان على ذلك. وبعد ذلك بطبيعة الحال أرسل أبو ياسر العراقي من أجل إسكاته إلى العراق وهو كان قائد هذه الحرب. حيث كان أبو ياسر قد فهم الوضع”.

الجدير ذكره أن بعض الموقوفين حالياً لدى المخابرات العراقية قللوا كثيراً من قيمة عبد الناصر حجي، وإعتبروا أن دوره هو مجرد فقاعة إعلامية في الآونة الأخيرة.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy course