أركون أو “المنهجيّة الحفريّة” في التّراث العربي-الإسلامي (7)

بعد الحديث عن المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ومفهوم "الأبستيميه" (أو "الحقبة المعرفيّة") عنده، نصل إلى بعض جوانب منهجيّة المفكر العربي البروفسور محمد أركون بشكل مباشر أكثر.

بدايةً، لا بد من التّشديد على نقطة فائقة الأهمّيّة ألا وهي مسألة التّراث المكتوب والتّراث غير المكتوب (الإشاري والشفوي والرمزي وما إلى ذلك). بالطّبع، من المعروف أنّ محمد أركون قد شدّد على ضرورة العمل على دراسة التراث المكتوب والشفوي والرمزي على السواء، ولو أنّه لم يستطع، لأسباب لوجستيّة بيّنة، أن يحيط بالجانب الثاني – أي غير المكتوب – بشكل كامل (ولوحده). في حين أنّ المفكر البروفسور محمد عابد الجابري قد شدّد قبل أي شيء على دراسة التّراث المكتوب[1].

من الواضح أنّ ما نطرحه من منهجيّة عامّة يمكن أن يشمل التّراثَين (أو الخطابَين) بسهولة، إذ نتحدّث عن منهجيّة عامّة لبناء المفاهيم ضمن عمليّة تأويليّة قد سبق وعرّفنا أهم نقاط انطلاقها، لكنّنا شدّدنا على الجانب المكتوب للتبسيط قبل أي شيء آخر، وبسبب غلبة الطّابع النّصي المكتوب على الثقافة الإسلاميّة كما سبق وأشرنا. على أنّه من السّهل جدّاً، كما تفعل المدارس المعاصرة في العلوم الاجتماعيّة لا سيّما المدرسة الفَهميّة-التأويليّة، تطبيق المنهجيّة هذه على ما هو مكتوب وما هو غير مكتوب (هناك طرقٌ متعدّدة ومتنوّعة للقيام بذلك بين النّص المكتوب والجوانب غير المكتوبة[2]).

وقبل الولوج في الحديث عن منهجيّتي أركون ثمّ الجابري، نذكّر بأنّ عملنا “نقديٌّ” بالمعنى الذي شرحناه سابقاً: أي بلا أحكام قيَميّة ولا أهداف دينيّة أو عقائديّة أو أيديولوجيّة أو ما إلى ذلك. هو نقد لما يمكن اعتباره ملكة أو وظيفة التأويل لدى العقل الإنساني، مطبّقٌ على التراث الإسلامي (المكتوب بشكل خاص). فنحن لا نبتغي “تجديد الفكر الإسلامي” كهدف قَبلي، ولا نقف مع التّجديد ضدّ الموقف السّلفي أو التّقليدي من زاوية أيديولوجية، وإنّما نقترح تموضعات ومنهجيّة عامّة، قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى تجديد المفاهيم المستقراة انطلاقاً من التراث الإسلامي (وهذا ما نأمله ليس كباحثين وإنْما كأشخاص)، وقد لا تؤدّي إلى ذلك بتاتاً. مجدّداً: نحن نضع بحثنا ضمن التموضع ما-بعد-الوضعي البوبري مع الأخذ بالموضوعية الكانطية-الفيبيريّة، وبالحياد الأكسيولوجي (أي العقائدي).

أركون: “ينبغي تحليل النص القرآني على مستوى المفردات وعلى مستوى صياغته الأدبيّة: أي تحليل الأساليب الأدبية التي يستخدمها لكي يشكّل وعياً دينياً. إنّ هذا الوعي الديني مختلف في رأيي عن الوعي التيولوجي [أو اللاهوتي] الذي تشكّل في ما بعد، والذي سيتخذ موقفاً مختلفاً تماماً في ما يخصّ العقل”

أركون المؤرّخ أم الفيلسوف؟

تشير الباحثة اللبنانية المتخصصة في أعمال أركون والجابري نايلة أبي نادر[3] إلى:

“إنّ أركون يعمل علناً أو ضمناً على نقد العقل الإسلامي من أجل أن يُسهم في إنتاج عقل يفهم الدّين داخل التّاريخ. اجتهد في تفكيك الخطابات الدّينيّة لكي يميّز بين ما ينتمي إلى المخيال الديني والاجتماعي وما ينتمي إلى العقل”.

مشكلة العقل هذه تتجدّد: عن أي عقل نتحدّث؟ ومن يحدّد ما هو علمي، وما هو ذاتي و/أو عقائدي-أيديولوجي في ضوء ما رأيناه في الأجزاء السابقة عن “أبيستمات” ميشال فوكو؟ لكن، بمعزل عن ذلك، قد تكون السّمة الأبرز لعمل أركون هو اعتماده على النقد التاريخي المبني بشكل خاص على مفهوم التّاريخيّة:

“كان فرع التاريخ الاقتصادي والاجتماعي قد خاض معركة كبيرة لفرض نفسه داخل إطار علم التاريخ العام. وجرت هذه المعركة ضمن ظروف فكريّة، بل وحتى أيديولوجيّة معروفة لمن يتتبعون حركة العلوم الإنسانيّة الحديثة في فرنسا. وقد استطاع هذا الاتجاه الجديد في علم التاريخ ليس فقط أن يحتل مكانته ويفرض نفسه، وإنما أن يمارس هيمنة مقلقة على بقية الاختصاصات في علم التاريخ، وبخاصة التاريخ الوقائعي، أو تاريخ الأحداث السياسيّة”[4].

ويضيف هاشم صالح[5] معقّباً على المقطع السابق لأركون (في الهوامش):

“هذا هو الانقلاب الذي أحدثته مدرسة الحوليّات الفرنسيّة Les Annales على كتابة التاريخ. فقد أخذت تعطي الأولويّة لدراسة البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة في فترة ما وتهمل تقريباً الأحداث السياسية أو الديبلوماسية التي يهتم بها عادة التاريخ التّقليدي”.

ونكمل مع محمّد أركون نفسه[6] في ما يخص العمل حول النص القرآني:

“هذه هي النّقطة الأكثر أهمية. ولكي نوضح ذلك ينبغي تحليل القرآن على مستويات عديدة كما حاولت أن أفعل ذلك بشكل مختصر جدّاً. ينبغي تحليله على مستوى المفردات التي يستخدمها، وعلى مستوى صياغته الأدبيّة: أي تحليل الأساليب الأدبية التي يستخدمها لكي يشكّل وعياً دينياً. إنّ هذا الوعي الديني مختلف في رأيي عن الوعي التيولوجي [أو اللاهوتي] الذي تشكّل في ما بعد، والذي سيتخذ موقفاً مختلفاً تماماً في ما يخصّ العقل”.

هذا المقطع يرينا بشكل واضح أنّنا أمام محاولة للقيام بما لا يمكن تسميته في نهاية الأمر، بالمصطلحات العلميّة لدراستنا، إلّا: إعادة تأويل النّص القرآني (من خلال استعمال عدة أدوات تحليليّة، معاصرة بشكل خاص). الهدف هو بلا شك: إعادة التأويل، مع موقف أيديولوجي (أو حكم قيمي)، يظهر من حين لآخر، ولا يمكن إغفاله إذا ما حافظنا على الأمانة العلميّة (بالمعاني التي سبق عرضها):

“إذا كانت قراءتي صحيحة، وإذا ما حظيت بالقبول فإنّ ذلك يطرح مشكلة حاسمة بالنسبة للفكر الإسلامي المعاصر (وبالتالي الفكر العربي) كما لا يزال يمارس حتى اليوم. أقصد بذلك ما يلي: أريد لقراءتي هذه أن تطرح مشكلة لم تطرح عمليا قط بهذا الشكل من قبل الفكر الإسلامي ألا وهي: تاريخية القرآن وتاريخية ارتباطه بلحظة زمنيّة وتاريخيّة معيّنة حيث كان العقل يمارس آليته وعمله بطريقة معيّنة ومحدّدة [الخط العريض هو في الكتاب المنقول عنه”][7].

الإشكالية المنهجية المركزية 

العقل إذن يمارس آليته وعمله “بطريقة معيّنة ومحدّدة” حسب اللحظة الزمنيّة والتّاريخيّة التي يقع فيها. إنّه، بالطبع، “عقل” فوكو ومفهوم الأبستيميه عنده: نرى تأثيرهما مجدّداً بشكل واضح على عمل أركون. فهذا الأخير يعتقد بتاريخية القرآن، ممّا يجبر الباحث عن المعنى خلف آياته على استعمال أدوات تنقيب تبدأ باللغة والألسنيات، وتمر بعلوم الرموز والسيميائيات، ولا تنتهي بالأركيولوجية التاريخية (المتأثرة بمدرسة الحوليات السالفة الذكر) والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. إنّنا في عالم التّاريخيّة والمشروطيّة (أي أنّ ولادة الأفكار مشروطة كما رأينا بالعوامل الاجتماعية كافّة، كما والنّفسيّة، وبالمعتقدات والمسلّمات اللاشعوريّة السائدة وما إلى ذلك، كما رأينا).

لا يمكن عند أركون فصل الأفكار عن المجتمعات التي ولدت فيها، وهذا أمر ينطبق على القرآن ونصوص التراث الإسلامي على اختلافها

لكي أصل إلى المعنى خلف النص القرآني، حسب أركون: عليّ أن أؤمن أوّلاً بمفهوم الأبستيميه على المستوى المعرفي؛ ثمّ عليّ أن آخذ بمفهوم “التاريخية” مع ما يترتب عليه معرفيّاً ومنهجيّاً.. قبل أن أبدأ بمحاولة استقراء هذا المعنى مستعيناً بالأدوات السابقة وأمثالها. من المهم العودة إلى هذا التسلسل المبسّط من أجل فهم أركون والفوارق بيننا وبين أركون. ونرى بوضوح كيف أنّ الإشكالية المنهجية المركزيّة ليست على مستوى الأدوات التحليلية التفصيليّة المستخدمة (الألسنيات والسيميائيات والنقد التاريخي والأنثروبولوجيا وما إلى ذلك.. وحتّى مفهوم التاريخية في بعض جوانبه)، لكن على مستوى التموضعات التي سميناها بما-قبل-المنهجيّة.

“لذلك يمكن القول بأنّ كل انتاج فكري يجب أن يدرس كنتاج “لحقيقة اجتماعية وثقافية كلّيّة”، إذ لا يجوز الفصل ما بين الفكر والمجتمع. لذلك إنّ أهم الأسس التي يرتكز عليها منهج النّقد التاريخي هي التعاطي مع الأفكار كما تجسّدت على أرض الواقع، أي من خلال مشروطيّتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسية والنّفسيّة. لذلك يدرس هذا المنهج بدقّة، مختلف البنى الاجتماعيّة والاقتصادية والديمغرافية والسياسية والسيميائية التي تظهر في مجتمع ما، بهدف التوصّل إلى فهم نوعيّة الأفكار والعقائد التي تسود فيه”[8].

قد يكون هذا المقطع السّابق المقتبس مختصر مختصرات منهجيّة أركون. علينا أن ندرس “مختلف البنى الاجتماعيّة والاقتصادية والديمغرافية والسياسية والسيميائية” (إلخ) لمجتمع معيّن لكي نستطيع فهم الأفكار والعقائد التي ظهرت فيه. بمعنى آخر: لا يمكن عند أركون فصل الأفكار عن المجتمعات التي ولدت فيها، وهذا أمر ينطبق على القرآن ونصوص التراث الإسلامي على اختلافها. والنتائج المترتّبة هي، طبعاً، خطيرة وعميقة، خصوصا في ما يخصّ عمليّة تأويل النّصوص حسب الزّمان والمكان. إذ يصبح من شبه المستحيل، بشكل عام، تأويل النّصّ بالطريقة نفسها بين حقبة أبستيمية وأخرى. لا حاجة هنا إلى تفصيل ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى المؤسّسات الدّينيّة والمدارس الدينية المسيطرة ضمن جميع المذاهب الإسلامية، ولا حاجة إلى تفصيل جرأة أركون في القيام بطرح كهذا.

ويضيف هاشم صالح[9] في هذا السياق (هوامش على محمّد أركون):

“المقصود بالتّاريخيّة هنا (وفي كل مكان) الأصل التاريخي للتّصرّفات والمعطيات والحوادث التي تقدّم وكأنّها تتجاوز كل زمان ومكان وتستعصي على التاريخ. لا يستطيع عقل المؤمن التّقليدي أن يستوعب تاريخيّة الأحداث التأسيسيّة والشخصيات الكبرى المنمذجة لأنّها تملأ عليه أقطار وعيه ويشعر نحوها برغبة التقديس، وبالتالي فلا يستطيع أن يفهم أنها مشروطة بالتاريخ وبلحظة محدّدة من لحظات التّاريخ. وهذا هو معنى المخيال أيضا (L’imaginaire)”.

مجدّداً: النتائج المترتّبة هي ذات خطورة جمّة (خطورة بالمعنى العلمي طبعاً لا الأيديولوجي أو السياسي). فهل يمكن القبول بسهولة، بعد ما سبق، بأنّ نظام الميراث القرآني (كما يظهر في المصحف الشّريف) يمكن تطبيقه في كلّ زمان ومكان، وهو الذي ظهر على قوم معيّنين وفي “لحظة محدّدة من لحظات التاريخ”؟ وكذلك في ما يخصّ التصوّرات عن التوحيد والصّفات الإلهيّة والخلق (إلخ)، وصولاً إلى أمور تشريعيّة كشؤون العائلة والزواج والميراث والحكم والمعاملات التجارية والماليّة (إلخ.). فهل يمكن القبول بسهولة أيضاً بأنّ تحريم الرّبا يشمل تحريم فائدة الائتمان المصرفي في زماننا مثلاً؟ الأسئلة المترتّبة لا تحصى وكذلك النتائج، لكن المهم أنّ مفهوم التاريخيّة هذا، المركزي عند أركون، يشكّل ثورة فكريّة محتملة ومشكلة كبرى محتملة (مع الفهم السائد للدّين) في آن معاً.

ونكمل مع نايلة أبي نادر[10] بما يلي:

“كذلك عندما انتقد [أي أركون] عقل الأنوار الذي أنتج الحداثة لم يكن بدافع الهدم والنفي وإنما حاول أن يبرز أهميّة العقلانية ودورها في تحرير الفكر من دون أن يغفل عن التذكير بعدم التقوقع داخل سجن العقل الموضوعي، وبضرورة الالتفات إلى الثقافة الشفهية وإلى كل ما له علاقة ببنية الخيال والقصص والرمز ومختلف العلامات التي يعبّر الإنسان من خلالها عن مكنوناته، هذا بالإضافة إلى تركيزه على ضرورة أخذ العامل الديني بالاعتبار، ودرس أثره في المجتمع وأثر المجتمع فيه”.

ويضيف أركون[11] نفسه:

إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام .. حقبة النبي ومشكلة المصادر (19)

“كان غاستون باشلار يتحدث عن ضرورة تدمير المعرفة الخاطئة أو تفكيكها قبل تأسيس المعرفة الصّحيحة”.   

مجدّداً، نرى أنّنا أمام فكرة “معرفة صحيحة” في مقابل “معرفة خاطئة”. لكن معرفة صحيحة لـ”ماذا”؟ هل للمعاني الحقيقيّة الأزليّة خلف النّصوص والخطاب بشكل عام؟ أم للتأويل المناسب للخطاب لكن من وجهة نظر عصرنا؟ أم للتأويل المناسب لكن من وجهة نظر عصر الرسالة؟ أو هي معرفة صحيحة للتراث بشكل عام، أو فقط لتطبيقاته المعاصرة؟

في الحقيقة، تصعب الإجابة على هذه الأسئلة ـ بشكل دقيق –  في كلّ المواضع عند أركون، خصوصاً أنّنا أمام باحث يتحدث عن تأسيس علم لاهوت جديد: فالحدود بين الموضوعيّة والحكم القيمي ليست واضحة دائما كما أسلفنا. لكنّنا سوف نحاول الولوج نحو جوهر الطّرح المنهجي الأركوني أكثر فأكثر في ما يلي.

إذ يكمل البروفسور أركون[12]:

“إنّ الدّراسات النّقديّة المجموعة في كتابي [نقد العقل الإسلامي] كانت قد كُتبت بين عامي ١٩٧٦ و١٩٨٤. وبالتالي فهي تحمل الآثار المزدوجة لمناقشات تلك الفترة ولتوجهات البحث العلمي التي كانت سائدة فيها. أقصد أنّها كانت متأثّرة بالمناقشات التي دارت آنذاك بين علماء الألسنيات، والدلالات السيميائية، والنقد الأدبي، وعلماء الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والمؤرّخين”.

ويضيف[13] متحدّثاً عن أهميّة “مشروع نقد العقل الإسلامي” ونقد الظاهرة الدينية بشكل عام:

“وهذا يتطلب إعادة التّفكير بمكانة اللغة على ضوء علم الألسنيّات العامّة المحرّرة من هيمنة المسلّمات اللاهوتيّة. ومعلوم أنّ هذه المسلّمات تعتقد بإمكانيّة وجود مكانة أنطولوجيّة خاصّة باللغة العربية دون غيرها (..). ولكن ينبغي أن نلاحظ بهذا الصّدد أنّ العلاقة بين اللغة والدّين هي معطى تاريخي ونفسي-ثقافي متغيّر بالضرورة. (…) وفي كلّ مرّة كانت تتغيّر فيها اللغة، كانت تحصل انطلاقة جديدة للشيفرة اللغوية والدلالية والثقافية. وأمّا المسلمون الذي يتّبعهم بعض المستشرقين، فيكتفون باستغلال الامتياز اللاهوتي لاستمرارية اللغة التي استخدمت لأوّل مرّة في الوحي. وهذا أكبر دليل على أنّ المشاكل الأكثر عمقاً والخاصّة بالعلاقات الكائنة بين اللغة والفكر تظلّ مرميّة في ساحة اللامفكَّر فيه، وذلك تحت الضغط المزدوج للمسلّمات اللاهوتيّة المستبطنة في الاعتقاد الجماعي، والعقائد الأكثر نشاطاً والمتعلّقة بوحدة الأمّة العربيّة [لاحظ القرب من تفكير ميشال فوكو]”.

أركون وإعادة بناء اللّاهوت الإسلامي

بخلاف محمّد عابد الجابري يُعلن محمد أركون، بوضوح متفاوت كما سبق ورأينا، أنّه في صدد تكوين لاهوت إسلامي جديد. بمصطلحاتنا وبفهمنا يعني ذلك أنّ أركون، عمليّا، يهدف إلى إعادة بناء “المفاهيم الإسلاميّة” في المواضيع كافّة انطلاقاً من (إعادة تأويل) التّراث الإسلامي. إنّها في الواقع عمليّة تأويليّة بامتياز (وذات طبيعة استقرائية طبعا). إنّها عمليّة تأويليّة، وتمرّ عمليّاً (وحُكماً برأينا) – كما نرى في مختلف أعمال أركون – بإعادة بناء “المفاهيم”. مهما اختلفت التّسميات والأدوات المستخدمة، تبقى النتيجة الضّمنيّة واحدة: يرى محمّد أركون أمامه تراثاً إسلاميّاً، وبينه وبين ذلك التّراث يرى تصوّرات-مفاهيم تقليديّة بناها العلماء والفقهاء والمنظّرون والباحثون عبر العصور. لذلك، يعتبر أنّ عليه زحزحتها ثمّ تفكيكها ثمّ تجاوزها (هي ثلاث خطوات منهجيّة ثابتة عند أركون[14]) بهدف الوصول إلى مفاهيم تعبّر عن تصوّر معاصر للمعاني المختبئة خلف هذه النّصوص وخلف هذا التّراث (والخطاب بشكل عام).

إنّنا نرى هنا مجدّداً أهمّيّة عمل أركون من جهة، ومن جهة أخرى، نرى مجدّداً أهمّيّة أن نتنبّه إلى الوزن الذي يشكّله إدخال التصوّرات الكانطيّة-الفيبيريّة (والصّدريّة: من محمد باقر الصّدر كما سنرى) حول عمليّة بناء المفاهيم.. إلى هذه الدّراسات.

هذا في المضمون الجوهري إذن. أمّا في الشّكل، وفي الأعم الأغلب، فإنّ المصطلحات التي يستخدمها أركون وطريقة صياغته لأوراقه البحثيّة، تجعل الظاهر يبتعد عن الباطن في كثير من الأحيان (ولو شكليّاً). لتفهم منهجيّة أركون باختصار، عليك أن تتخيّل أنّك أمام بروفسور في جامعة باريس-سوربون في النّصف الثّاني من القرن العشرين (لا سيّما تحت تردّدات ثورة ١٩٦٨ الطّلّابيّة وحقل تموّجاتها على جميع الصّعد)، وأمام مؤرّخ وعالم اجتماع قبل أن يكون فيلسوفاً، وأمام رجل فرنسي مهاجر من أصول أمازيغيّة-عربيّة-جزائريّة. وهو مسلمٌ لا ينفي قدسيّة النّص القرآني وقدسيّة الرّسالة المحمّديّة بشكل عام.

ولكنّه يعتبر أنّ اللاهوت الإسلامي المهيمن حاليّاً (أي: الفهم الحالي المهيمن للرّسالة الإسلاميّة) يعيش في “أبستيميه” (أو حقبة معرفيّة) “تخلّفت” عن الحداثة وما-بعد-الحداثة، وبالتالي، يتوجّب زحزحة-تفكيك-تجاوز أغلب المفاهيم السائدة في أوساط النّخبة الدّينيّة المسلمة. يؤمن أركون، بوضوح متفاوت أيضا، بوجود معانٍ أزليّة-إلهيّة خلف الخطاب القرآني، ولكنّه يعتبر أنّ تمظهرات هذه المعاني (بمصطلحنا: المفاهيم التي يمكن بناؤها حول هذه المعاني) لا يمكن أن تظلّ ثابتة عبر العصور المعرفيّة (لا الزّمنيّة). هذا من جهة الفهم الإسلامي التّقليدي، أو جهة اللاهوت الإسلامي التّقليدي.

أمّا من جهة العلوم الغربيّة الحديثة، فهو – أي أركون – يرفض بوضوح وصرامة العقليّة المهيمنة بين المستشرقين، المعتمدين برأيه بشكل رئيسي على الفيلولوجيا (أو علم فقه اللّغة) وعلم تاريخ الأفكار المرتبط به والذي يفصل عمليّاً بين الأفكار وبين المجتمعات والإنسان “كمشكلة محسوسة”. ليس عالم الأفكار منفصلاً عن المجتمع عند أركون المتأثّر إلى حدّ بعيد بأفكار ميشال فوكو كما رأينا. لا يمكن فصل الأفكار: عن المجتمع والثقافة والمسلّمات اللاشعوريّة التي أنتجت تلك الأفكار. وهو يرفض أيضاً العقليّة الوضعيّة Positiviste التّقليديّة المتطرّفة، والتي تبالغ في ابتغاء الموضوعيّة.

يحرّك البروفسور أركون “منهجيّة حفريّة” (من وحي أركيولوجيا التّاريخ والمعرفة عند فوكو)، ذات رؤوس متعدّدة ومتناسبة مع تموضعه المعرفي، وأهمّها: الألسنيّات والسّيميائيّات والنّقد التّاريخي والأنثروبولوجيا

لكي نفهم أركون علينا أن نتذكّر نظريّة “الأبستيمات” التي بلورها ميشال فوكو، ونحيط أيضاً بمفهومي التّاريخيّة والمشروطيّة السالفَي الذّكر والشّرح (والمستوحَيين إلى حدّ بعيد من مدرسة الحوليّات في علوم التّاريخ كما أشرنا). من هنا، في مقابل النّص والتّراث، يحرّك البروفسور أركون “منهجيّة حفريّة” (من وحي أركيولوجيا التّاريخ والمعرفة عند فوكو)، ذات رؤوس متعدّدة ومتناسبة مع تموضعه المعرفي، وأهمّها: الألسنيّات (إذ لا يمكن الحديث عن مشروطيّة بغير اعتبار لدور اللّغة الخطير)، والسّيميائيّات (إذ لا يمكن إغفال العلوم التي تهتمّ بتحليل الرّموز)، والنّقد التّاريخي (بالطريقة التي شرحناها)، والأنثروبولوجيا (إذ أنّ الإنسان “مشكلة محسوسة” بالنّسبة إلى الإنسان).

ويضرب البروفسور أركون بهذه “التّرسانة الأركونيّة” النُظم الفكريّة التّقليديّة السّائدة (أو الفهم اللاهوتي السائد)، بهدف زحزحة ثم تفكيك ثم تجاوز أهمّ مفاهيمها لا سيّما منها التي تشكّل عائقاً أمام تحرير العقل العربي-الإسلامي المعاصر (نحيل مجدّداً إلى ملاحظاتنا السّابقة حول الجانب الإيديولوجي في خطاب أركون). ويبقى الهدف – أو هدف الأهداف – هو، مجدّداً، الوصول إلى المعنى والحقيقة، كما تشير نايلة أبي نادر نقلاً عن المفكر اللبناني علي حرب: “إنّ المنهجيّة الحفريّة تعمل على تجاوز هذا المستوى [أي مستوى منهجيّة الجابري المسماة بالأبستمولوجية] من أجل البحث [هنا يبدأ النّقل عن علي حرب:] (عن آليات الخطاب في تشكيل المعنى أو عن ألاعيبه في إنتاج الحقيقة)[15].” الكلّ يبحث عن المعنى وعن الحقيقة كما نلاحظ، لكن لا يرى وجودهما وواقعهما بالطريقة نفسها.. ولا يرى كيفيّة الوصول إليهما بالطّريقة نفسها.

يهدف أركون – إذن، في المضمون مجدّداً – إلى البحث عن “آليات الخطاب في إنتاج المعنى والحقيقة”: أوّلاً، ليحاول فهم ماذا أراد المخاطِب (أي الله سبحانه، في نهاية الأمر، بالنّسبة إلى المؤمنين) أن يوصل من معنى إلى المخاطَب التاريخي (أي المسلمين في حقبة نزول الوحي والرّسالة). ومن ثمّ، ثانياً، ليحاول فهم (أي تأويل)، أيضاً من خلال نظرية التاريخية والمشروطيّة: ماذا يمكن أن يريد إيصاله إلينا نحن، في هذه الحقبة الحاليّة، من معنى.

هل يتغيّر المعنى الإلهي إذن بتغيّر المكان أو الزّمان أو الحقبة المعرفيّة؟ أم أنّ فهمنا هو الذي يتغيّر (وبالتالي المفاهيم التي نتصوّرها عنه بما نملك من قدرات ومعطيات مستجدّة)؟

نرى مجدّداً أهميّة “الثورة الكوبرنيكيّة” (على حدّ تعبير عمانوئيل كانط) المرجوّة وأهميّة تحديد معالمها: وهي في جوهرها تُعنى، كما رأينا، بالعلاقة ما بين ملكات العقل المفكّر وما بين المعاني في ذواتها. نعود مجدّداً إلى كانط والثّورة (شبه) الكانطيّة التي نطرحها. ولا لزوم للعودة إلى نقاط ضعف العمل الكبير للبروفسور أركون من وجهة نظر مقاربتنا (أهمّها: تحديد التموضعات الأنطولوجيّة والمعرفيّة بدقّة أكبر خصوصاً على ضوء النظريتين الكانطيّة والفيبريّة؛ جانب الحكم القيَمي المتواجد في الخطاب الأركوني؛ غياب العمل على منهجيّة واضحة وعامّة على مستوى “بناء المفاهيم”).(يتبع)

 المصادر والمراجع:

[1] توثّق هذه الجوانب دراسةُ نايلة أبي نادر المذكورة، بشكل دقيق، من أوّل الأطروحة إلى آخرها.

[2] راجع: بيريه، ف.، سيفيل، م.، ٢٠٠٣، مصدر مذكور. التّقنيات عديدة ومتنوّعة في هذا الإطار.

[3] أبي نادر، نايلة، ٢٠٠٨، مصدر مذكور، ص. ٤٦٦.

[4] أركون، محمد، ٢٠٠٩، مصدر مذكور، ص. ١٠٤.

[5]  نفس المصدر.

[6]  أركون، محمد، ١٩٩٦، الفكر الإسلامي: قراءة علميّة، ترجمة هاشم صالح، ط.٢، بيروت: مركز الإنماء القومي، ص. ٢١١-٢١٣.

[7]  نفس المصدر.

[8]  أبي نادر، نايلة، ٢٠٠٨، مصدر مذكور، ص. ٨٢-٨٣.

[9]  أركون، محمد، ١٩٩٦، مصدر مذكور، ص. ٢٠ (في الهامش).

[10]  أبي نادر، نايلة، ٢٠٠٨، مصدر سابق، ص. ٤٦٦.

[11]  أركون، محمد، ٢٠٠٩، مصدر سابق، ص. ٢٥.

[12]  نفس المصدر، ص. ٣٤.

[13]  نفس المصدر، ص. ٤١.

[14] أبي نادر، نايلة، ٢٠٠٨، مصدر سابق، ص. ٤٥٩.

[15]  مصدر سابق، ص. ٤٦٠.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

باحث، خبير مالي وإقتصادي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  قره باخ...عندما داسَ أردوغان على لغم ستالين