ما أنتم فاعلون؟

يأتينا التحرير، بسنويته العشرين. فنستعيد معه عبق لحظات تاريخية. يأتينا العيد فتتجدد الأسئلة والهواجس.

عندما “حَورَبَت” الشعوب العربية في العام 1948 لفلسطين “بأن جيناكي”، وحشدت لتظاهرات عمّت كلّ ما بين المحيط والخليج في حوادث جِسام كعدوان العام 1956، وعندما تفاعلت عاطفة وروحاً مع نكبات الأمة في صراعها مع العدو الإسرائيلي، ونَزَلت بكل دموعها رفضاً لاستقالة الزعيم جمال عبد الناصر، وجلّلت رؤوسها بالسواد حزناً على وفاته، وأيّدَت وانتصرت للفدائي الفلسطيني بكوفيته الرمز. وعندما أعربت عن إعجابها بالهزيمة التي ألحقها السيد حسن نصرالله ورجال المقاومة في لبنان بجيش إسرائيل الذي كان إلى ما قبل العام 2000 لا يُقهر، وعندما.. وعندما.. وعندما…

سؤالنا حول “عندما” ليس ساذجاً، وليس مُغرِضاً، إنما هو من قهر السؤال الدائم: ما التغيير الذي أحدثته تلك الشعوب إثر تلك الوقائع سواء رداً على هزائمها نُصرَةً لكرامة الأمة، أو تقليداً لانتصار- نموذج حصل على أرض لبنان كي يُصار إلى استنساخه على باقي الأرض العربية المحتلة إعلاءً لتحريرها؟  أو ما الذي غيّرته تلك الوقائع بهذه الشعوب؟ ولماذا تُضاف سنوات إلى السبعين على مرور نكبة فلسطين؟

سؤالنا ينطلق من الطنين السنوي الذي يَحُوم على مسامعنا ـ وتحديداً بعد وقوع ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي- حول عزوف الشعب العربي عن تأييده للمقاومة في لبنان، وعن انخفاض منسوب هذا الإعجاب، لا بل أن حالات من  “التبرُّم” قائمة تجاه بيئتها الحاضنة.

 نحن لا نطرح المسألة من زاوية عدم الاعتراف بالاختلاف بالآراء والانتماءات والخ، ولكن نحن نثير الموضوع من زاوية الميزان الفاصل بين الحق والباطل، بين عدو جاثم، واحتمالات أعداء تقتضي المصلحة ربط النزاعات معهم، مع الضرورة التي تقتضي ترتيب هؤلاء الأعداء وفقاً للأولويات والرؤى الاستراتيجية، وأزلية العنصر الجيو-سياسي.

إذا كانت النظريات في كافة المجالات من علوم طبيعية إلى علوم إنسانية تُقاس بِمَدَيات تحّقُقِها، وتُقاس ردود الأفعال في التجمعات البشرية بِمَدَيات ترجمة هذه الردود، فإن أحدثت تغييراً فلا بد أنها تدخل في مصنفات التاريخ بأنها حدث تاريخي ومفصلي واستراتيجي، وإن اقتصرت في ردودها على الخيبة، فتكون مجرد صرخات، وتشقُّق حناجر، ورصيداً هائلاً من الأغنيات العاطفية – الشعاراتية. وفي الحالين يُكرم المرء أو يُهان، أو “لا يغير الله ما بقوم”، وعندها  تتفاوت حال هذه التجمعات البشرية بين نكوص نحو رتابة حياة يومية بطيئة وبليدة “تتغرغر” بواقعها وحالها وأمجادها، وبين تلك التي تفرض بصماتها على مسار التاريخ، وحقباته من قرون الزمن.

في قولة الحق ألا تنهَى عن أمرٍ وتأتي مثله، وفي قولة تحرير الأرض ورفع ظلم المحتل، علينا أن نأتي بما حققته المقاومة وأنجزته، وكرّسته أنموذجاً تقتضي كرامة  أي معترض على أنموذجها أن يأتي بما هو أكثر وأقدر وأفعل مما فعلت كي يُبنى على الشيئ مقتضاه، ويكون للاعتراض وزناً لا طنيناً. وتكون قضية فلسطين مصداقاً لأصحاب الطنين، لا أن يكتفوا بإشهار “وزوزاتهم”. فما أنتم فاعلون؟

منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course