قضية نافالني.. “فقاعة” في البرلمان الأوروبي
This handout picture posted on September 15, 2020 on the Instagram account of @navalny shows Russian opposition leader Alexei Navalny posing for a selfie picture with his family at Berlin's Charite hospital. (Photo by Handout / Instagram account @navalny / AFP) / RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO / Instagram account @navalny / handout" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS --- NO ARCHIVE --- (Photo by HANDOUT/Instagram account @navalny/AFP via Getty Images)

اعتمد البرلمان الأوروبي قبل يومين قراراً يتضمن انتقادات حادة لروسيا في ما يتعلق بقضية تسميم المعارض المعارض أليكسي نافالني، بما يشمل عدداً من المقترحات، لم تقتصر على العلاقات الأوروبية-الروسية "نوردستريم-2"، بل تعدّتها إلى شؤون تتصل بالنظام السياسي في روسيا، بما في ذلك التعديلات الدستورية الأخيرة.

صحيح أن الوثيقة الصادرة عن البرلمانيين الأوروبيين، يوم الخميس الماضي، تحمل طبيعة توصية، ذلك أن القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية لا تزال تتخذ من قبل قادة ووزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلا أن القرار البرلماني يحمل الكثير من المؤشرات السياسية، منها اللهجة المتصاعدة في العلاقات الروسية-الأوروبية، واندفاعة تيارات أوروبية تسعى إلى تأجيج التوتر مع موسكو.

في اليوم الأخير من الجلسة الكاملة التي استمرت أربعة أيام للبرلمان الأوروبي، صوت النواب على القرار المتصل بروسيا. المثير في الأمر أن  نتائج التصويت أظهرت عدم وجود اختلافات كبيرة في الرأي تجاه روسيا، فمن بين 688 عضواً حضروا الجلسة البرلمانية (من أصل 705) صوّت 532 عضواً لصالح القرار، وهي نسبة تتجاوز الثلثين، في حين عارضه 84 عضواً، وامتنع 72 آخرون عن التصويت.

بعد حادثة “تسميم” نافالني، توافق النواب الأوروبيون على إجراء مناقشة حول هذه القضية، وكان حزب الشعب الأوروبي أول المتطوعين لإعداد مشروع القرار، الذي نوقشت مسودته بين الأحزاب الأوروبية قبل تبنيها بصيغة “أخف قليلاً” من النص الأصلي، ومن بعض ما اقترحه عدد من النواب الأوروبيين، بحسب ما صرّح رئيس وزراء ليتوانيا السابق والمقرر الخاص لشؤون روسيا في البرلمان الأوروبي أندريوس كوبيليوس لصحيفة “كومرسانت” الروسية.

الجزء التمهيدي للقرار الأوروبي تضمن ما وصفته صحيفة “فزغلياد” الروسية بـ”الأساطير” حول نافالني والوضع السياسي الداخلي في روسيا بشكل عام.

القرار الأوروبي ذكّر بدايةً بالمواقف السابقة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية السبع ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والسلطات الألمانية، وأعاد بإيجاز قضية أليكسي نافالني، الذي وُصف بأنه “أحد القادة القلائل الفعالين للمعارضة الروسية”، مشيراً إلى أن “محاولة اغتياله” جاءت عشية الانتخابات المحلية والإقليمية في روسيا التي جرت في 13 أيلول/سبتمبر الحالي.

في الجزء الرئيسي من القرار، أدان النواب الأوروبيون “تسميم” نافالني، داعين إلى إجراء تحقيق دولي فوري في الحادث بمشاركة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس أوروبا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مشيرين إلى أنهم ينتظرون من روسيا إجابة فورية على أسئلة المجتمع الدولي، بالإضافة إلى الكشف الكامل والفوري عن برنامج تطوير غاز “نوفيتشوك”.

الملفت للانتباه أن القرار لم يقتصر على قضية نافالني، فالقائمة الطويلة من الحكايات الخرافية المتصلة بالناشط الروسي المعارض، استتبعت بفقرة تشير إلى انه “لم يعد من الممكن اعتبار روسيا شريكاً استراتيجياً بسبب سياستها الخارجية العدائية”، بما في ذلك “التدخل العسكري والاحتلال غير القانوني في دول ثالثة”.

علاوة على ذلك، بدا أن ثمة ميلاً لدى البرلمانيين الأوروبيين للتدخل في الشؤون الداخلية الروسية، عبر الدعوة إلى “وقف المضايقة والترهيب والعنف والقمع ضد المعارضين السياسيين”، والتي “أودت بالفعل بحياة العديد من الصحافيين والناشطين الحقوقيين والمعارصين”، وفق نص القرار.

ومع ذلك، فإن الاقتراح الأكثر إثارة للاهتمام كان التشديد على ضرورة أن “يطالب الاتحاد الأوروبي روسيا بإلغاء جميع القوانين التي تتعارض مع المعايير الدولية، بما في ذلك التعديلات غير القانونية التي أدخلت مؤخراً على دستور روسيا الاتحادية”، متجاهلين في ذلك أن التعديلات الدستورية المذكورة قد تمّ التصويت عليها في استفتاء شعبي، وهو ما يعيد إلى الأذهان، وفق صحيفة “فزغلياد”، تدخل الغربيين لفرض صياغات محددة على الدستور الروسي في العام 1993.

الوثيقة الأوروبية احتوت أيضاً على دعوة لتغيير منهجي في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، وتضمنت مخططاً لمقترحات بشأن ما يمكن أن تكون عليه هذه السياسة، وفقاً لستة مبادئ هي:

أولاً، تطوير استراتيجية شاملة جديدة للعلاقات مع روسيا يعتمد تنفيذها على العملية الديمقراطية وامتثال السلطات الروسية لمبادئ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

ثانياً، الحفاظ على “عزلة روسيا” في المحافل الدولية مثل مجموعة السبع.

ثالثًاً، اعتماد آلية لفرض عقوبات على الجرائم في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، على غرار قانون ماغنيتسكي الأميركي.

رابعاً، تعليق مشروع “نوردستريم 2” لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا.

خامساً، تطوير استراتيجية لدعم المنشقين والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام في روسيا، وجذب الطلاب الروس للدراسة في أوروبا وإنشاء “جامعة روسية في المنفى”.

سادساً، البدء الفوري في إعداد استراتيجية لـ”العلاقات المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا الديموقراطية”.

رد الفعل الروسي على القرار الأوروبي جاء بارداً بعض الشيء. صحيح أن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا وصفته، في مقابلة ضمن برنامج “60 دقيقة” على قناة “روسيا-1″، بأنه “يستهدف توجيه ضربة لعلاقات روسيا مع الاتحاد الأوروبي”، إلا أن ثمة من وضع الخطوة في سياقات أقل خطورة.

على سبيل المثال، رأى الممثل الدائم لروسيا لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيزوف، في مداخلة عبر قناة “روسيا-24″، أن القرار “تم إعداده على عجل”، مشيراً إلى أن البرلمانيين الأوروبيين لم يأخذوا كل الملابسات المتصلة بقضية نفالني في الاعتبار، حتى أن الأمر اختلط عليهم في الحديث عن مدينة تومسك، حيث كان يقيم نافالني، ومدينة أومسك التي نقل إلى أحد مستشفياتها حين ظهرت عليه عوارض التسميم المفترض.

البرلمان الأوروبي يترجم بلغة الدبلوماسية الروسية باعتباره منصة يجتمع فيها الأشخاص غير المسؤولين عن أي شيء!

في السياق ذاته، قلل رئيس الوفد الروسي إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بيتر تولستوي من أهمية ما صدر عن البرلمانيين الأوروبيين، إذ قال، في مقابلة مع قناة “360”، إن “روسيا لن ترد بأي شكل من الأشكال على قرار البرلمان الأوروبي لأنه مجرّد توصية وليس ملزماً حتى لقيادة الاتحاد الأوروبي”، ذلك أن البرلمان الأوروبي يترجم بلغة الدبلوماسية الروسية بأنه عبارة عن منصة يجتمع فيها الأشخاص غير المسؤولين عن أي شيء!

ومع ذلك، ثمة من نظر إلى قرار البرلمان الأوروبي من زاوية تضمنه فقرات تدعمها موسكو بالكامل، من قبيل المطالبة “ببدء تحقيق دولي على الفور في ما حدث بمشاركة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس أوروبا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية”.

هذا الأمر يتطلب الاستجابة لمطالب روسية محددة، والإجابة على تساؤلات عدّة قدمها الجانب الروسي، ومن بينها: لماذا لم يمت نافالني بسبب غاز يفترض أنه مصمم للقتل السريع؟ ولماذا لم يمت كل من كان على اتصال مع نافالني كما يفترض أن تكون الحال بالنسبة إلى مادة مثل “نوفيتشوك”.

على هذا الأساس سيتعيّن على ألمانيا، بموجب التحقيق الدولي، أن تثبت استنتاجاتها حول استخدام غاز “نوفيتشوك” عبر أدلة واضحة، على شكل عينات، يفترض أن يكون لروسيا، بوصفها عضواً في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، الحق في الوصول الكامل إليها.. وعندئذٍ من المؤكد أنه ستكون هناك عشرات الأسئلة التي يتوجب على الأوروبيين تقديم الاجابات عليها قبل الروس.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free