القميص الأسود VS البيت الأبيض

يسيل حبر كثير في معرض تحليل تداعيات حادثة مقتل المواطن الاميركي الاسود جورج فلويد في مينيابوليس بولاية مينيسوتا. إحتدمت المعركة الانتخابية الرئاسية بين الديمقراطيين والجمهوريين وفتحت الباب واسعاً أما خطاب عنصري متعدد العناوين والإتجاهات، كما ألهبت تغريدات الرئيس الاميركي دونالد ترامب وتعليقاته الشارع الأميركي.

كان لافتاً للإنتباه تلويح دونالد ترامب باستخدام القوة العسكرية عندما قال “جيشنا جاهز ومستعد وقادر.. يمكن أن يتواجد جيشنا هناك سريعًا جدًا”، وهذا التهديد الذي إعتبره الكثير من المعلقين، بمثابة تهديد بالحرب الأهلية، جعل احد قادة الشرطة الاميركية يتوجه إلى ترامب بالقول “اذا لم يكن لديك شيء بناء لتقوله، فإصمت ولا تقله وحان الوقت كي تكون رئيساً”.

غير أن ترامب لم يقرر أن يكون رئيساً، في لحظة تاريخية مفصلية في التاريخ الأميركي، بل سارع إلى إتهام المحتجين بانتمائهم إلى منظمة “انتيفا” اليسارية الراديكالية المناهضة للفاشية والنازية وكل أشكال التمييز العرقي والجنسي، مُلوحاً بتصنيف “أنتيفا” بأنها “منظمة إرهابية”. سبقه  وزير العدل ويليام بار بتحميله منظمي الإحتجاجات المناهضين للفاشية مسؤولية الفوضى التي أعقبت وفاة جورج فلويد. وانضم مستشار الأمن القومي، روبرت أوبرايان، إلى الجوقة إياها، واصفاً “أنتيفا” بأنها “قوة راديكالية مدمرة، لا أعلم إن كان يمكننا أن نسميهم يساريين. مهما كانوا، إنهم مسلحون يأتون ويحرقون مدننا، وسنصل إلى الحقيقة”.

بدوره، ذهب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري ماركو روبيو ابعد من الآخرين، بقوله “قصة كبيرة يتم تغييبها وهي أنه في مدينة تلو الأخرى، لدينا إرهابيون من جماعات من أنتيفا حتى بوغالو يشجعون على العنف ويرتكبون أعمال عنف”، وأردف هؤلاء الأفراد يريدون “هدم النظام بالكامل حتى وإن تطلب ذلك خوض حرب أهلية جديدة”.

من هي منظمة “أنتيفا”؟

يُعيد بعض أعضاء “أنتيفا” أصول حركتهم إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، خلال مواجهة الفاشية الأوروبية الصاعدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. غير أن التسمية إستخدمت للمرة الأولى في العام 1946، حيث تمت إستعارتها من عبارة ألمانية معارضة للنازية. ووفق قاموس ميريام وبستر الإنكليزي، يتكون اسم “أنتيفا” من شقين مضمونهما “العداء” (ANTI ) و”الفاشية” (FA). وقد شهدت الحركة ولادتها الأولى في الولايات المتحدة خلال ثمانينيات القرن الماضي ضمن مجموعة تُدعى “العمل ضد العنصرية”، ثم نامت نحو ربع قرن، إلى أن شهدت إقبالاً مفاجئاً للانضمام إليها بعد انتخاب الرئيس دونالد ترمب في العام 2016.

تعد “أنتيفا” منظمة يسارية مناهضة للأفكار الرأسمالية والنيوليبرالية، وتعادي الأفكار الفاشية والنازية والعنصرية وتعارض السياسات القومية التي تستهدف المهاجرين والمسلمين. كما نظم الناشطون في الحركة حملات ضد رهاب المثلية وكل أشكال التمييز الجنسي.

ومن أوائل المجموعات التي بدأت استخدام اسم “أنتيفا” في الولايات المتحدة مجموعة “أنتيفا روز سيتي”، التي تأسست في العام 2017 في مدينة بورتلند بولاية أوريغن. وما أكسب الحركة الشهرة هجوم أعضاء فيها بالضرب على عضو بارز من اليمين المتطرف وإلغاء اجتماع للترحيب بكاتب يميني في جامعة “كاليفورنيا” في بيركلي، ومواجهة المتظاهرين من القوميين البيض في مدينة شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا، في العام 2017، ما أدى إلى اندلاع عنف ومقتل شخص وإصابة آخرين.

من الصعب تحديد عدد الافراد المنتمين إلى جماعة “أنتيفا” التي ليس لديها زعماء رسميون أو هيكلية تنظيمية مركزية محددة، وهي تنشط عبر خلايا محلية مستقلة تدير نفسها ذاتياً، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”.

وفي الشكل، يتميز اعضاء “انتيفا” بلباسهم الاسود واخفاء وجوههم كملثمين، ويشارك كثيرون في اشكال سلمية من التنظيم المجتمعي لكنهم يؤمنون بان استخدام العنف مبرر بسبب مواقفهم التي ترى انه اذا سمح للجماعات العنصرية او الفاشية بالتنظيم بحرية فإن “ذلك سيؤدي من دون شك إلى عنف ضد المجتمعات المهمشة” بحسب ما صرح مارك بريي، أستاذ التاريخ المحاضر ومؤلف كتاب “أنتيفا، الكتاب المناهض للفاشية”.

وتوجد مجموعات أخرى يسارية أبرزها “الأناركية” التي تتقاسم العديد من القيم مع “أنتيفا”، وفي المقابل، ثمة مجموعات يمينية أبرزها “إفروبا” و”المسرِّعون” (قوميون بيض يؤمنون بتفوق العرق الأبيض). ويشير موقع “بيلنغكات” إلى أنه وثّق تورط حركة يمينية متطرفة تسمى “بوغالو” يتوقع قادتها، أن يجلب الطقس الأكثر دفئاً مواجهات مسلحة مع قوات تنفيذ القانون، بما يعزز الزخم نحو اندلاع حرب أهلية جديدة في الولايات المتحدة.

في خضم الحملة الانتخابية بين مرشح الجمهوريين الرئيس ترامب وبين المرشح الديمقراطي جو بايدن، يبدو أن الصراع سيحتدم بين من يتهمون بانهم الفاشيون الجدد اي اتباع الترامبية وبين “انتيفا”، اي المجموعات الفوضوية المناهضة للفاشية وبعضها أقرب إلى قاعدة الحزب الديمقراطي.

قبل ستة اشهر من الانتخابات الرئاسية الاميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وبعد ازمة فيروس كورونا التي لا تزال تداعياتها ماثلة أمام الاميركيين، هل يكون اصحاب “القمصان السود” هم من يحدد هوية ساكن البيت الابيض للسنوات الاربع المقبلة؟

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course