معركة سرت: الخرائط تختلط بالطموحات الليبية… والدولية

تحولت مدينة سرت الليبية إلى محور لصراع يتجاوز الأرض الليبية، ومن شأنه أن يعيد خلط أوراق اللعبة الجيوسياسية الأوسع نطاقاً على خطوط متقاطعة ممتدة من موسكو وأنقرة إلى القاهرة وابو ظبي.

المتغيرات المتسارعة في الميدان الليبي تترافق مع حراك سياسي من المبكر حتى الآن رسم معالم واضحة لمخرجاته، في ظل حالة التشنج السائدة في عواصم القرار الاقليمية والدولية، وإن كان ظاهرها يشي بمحاولة رسم خطوط حمراء مستحدثة على جبهة سرت، المدينة الاستراتيجية، التي لا تقتصر أهميتها على حقولها ومصافيها النفطية بل لكونها تمثل الخط الفاصل بين شرق ليبيا وغربها.

هذا التشنج تبدى بالأمس، في لغز الزيارة التي جرى الحديث عنها خلال اليومين الماضيين لرئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج إلى روسيا. ما حدث كان معبّراً جداً: عبر أحد تطبيقات حركة الملاحة الجوية، رُصدت طائرة السراج في طريقها إلى تركيا، باعتبارها محطة في رحلة كان يفترض، بحسب ما تسرّب اعلامياً، أن تقوده إلى روسيا… لكن ما حدث  هو أن الطائرة استدارت في اسطنبول وعادت ادراجها إلى ليبيا.

وبعدما حفلت المواقع الاخبارية الروسية بأنباء عن زيارة مرتقبة لرئيس حكومة الوفاق إلى موسكو، يوم أمس، كان الكرملين يعلن، بعبارات مقتضبة، أن جدول أعمال فلاديمير بوتين لا يتضمن اليوم لقاءً مع السراج، ما يعني في أدبيات الرئاسة الروسية أمراً من اثنين: إما أن الأنباء عن الزيارة كانت مجرّد شائعات، وإما أن الزيارة كانت قائمة أصلاً لكنها ألغيت في اللحظة الأخيرة نتيجة لتطوّر ما.

الملفت للانتباه أن الكرملين أعلن، بموازاة ذلك، عن اتصال بين فلاديمير بوتين ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي لمناقشة الاجتماع الذي عقده الأخير مع كل من قائد “الجيش الوطني الليبي” خليفة حفتر ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، وأن روسيا تنظر بإيجابية إلى “إعلان القاهرة” الذي تضمن مبادرة مصرية لحل الصراع في ليبيا.

حتى الآن، لم يصدر من أنقرة ما يشي برفض المبادرة المصرية أو قبولها، بإستثناء رد أنقرة الرسمي على الاتهام المصري لتركيا بالتدخل في الشؤون الليبية. لكنّ ما يجري على جبهة سرت قد يحمل إشارات مشوّشة في هذا الشأن، فحكومة الوفاق الوطني اكدت استمرار المعارك لاستعادة المدينة الاستراتيجية، ولكن مجريات الأمور على الأرض باتت مناقضة للطموحات التي تجعل السراج يسعى، على أقل تقدير، للعب في الوقت الضائع لتحقيق مكاسب ميدانية يمكن استثمارها حين يصبح القرار متخذاً في أروقة التفاوض السياسية بدلاً من جبهات القتال العسكرية.

ثمة تفسيران في ما يتصل بتعثر هجوم قوات حكومة الوفاق الوطني على سرت، الأول، هو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس راضياً عن اعلان السراج استمرار الهجوم على قوات حفتر للسيطرة على سرت والجفرة، إدراكاً منه بوجود خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في الميدان الليبي، وإما أن الجهات الداعمة للمشير الليبي قررت فرض ترسيم هذه الخطوط بالحديد والنار.

معطيات الميدان تبدو مثيرة للاهتمام: قوات حفتر تبدو مصممة على القتال حتى آخر نفس  في سرت، التي تمّ تعزيزها بمظلة دفاع جوي بسرعة فائقة، وسط أنباء عن بدء استخدام مقاتلات “ميغ-29” و”سوخوي-24″، وقد تردد ان احداها تمكنت من اسقاط الطائرة المسيّرة الأسطورة التركية “بيرقدار” (وهي انباء تم تدعيمها بلقطات مصوّرة).

في الوقت ذاته، تتحدث مصادر حكومة السراج عن تعزيز جبهة الجفرة بنحو ثلاثة آلاف من “المرتزقة” الروس من جهة، وبأن موسكو تزيد دورها السياسي بشكل مكثف، عبر اتصالات مع كافة أطراف النزاع الليبيمن جهة ثانية.

علاوة على سبق، أثارت لقطات انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر طوابير من المدرعات وأسراب من الطوافات المصرية في طريقها إلى الحدود مع ليبيا، تساؤلات حول ما إذا كانت مصر على عتبة اتخاذ قرار حساس بالتدخل المباشر لدعم قوات حفتر، وهو أمر قد يندرج في إطار التكهنات المبالغ فيها – أقله في الوقت الراهن – خصوصاً أن ما ظهر في اللقطات لا يعني بالضرورة انخراطاً مصرياً مباشراً في المعارك الدائرة (مع الإشارة إلى ان معظمها التقط في مرسى مطروح)، ذلك أن مصر تدرك، كما باقي الأطراف، المحاذير المترتبة على خيار من هذا القبيل.

ومع ذلك، فإنّ التعزيزات العسكرية قد تكون رسالة مباشرة إلى أن مصر مستعدة للتعامل بحزم مع اي انتهاك للخطوط الحمراء من جانت تركيا، خصوصاً أن تغيير موازين القوى على النحو الذي تريده حكومة السراج، ينطوي على مخاطر تمس الأمن القومي المصري، من قبيل استعادة الشرق الليبي لمكانته كخزّان للإرهابيين العابرين لحدود مصر الغربية، ناهيك عن المخاطر التي تكتسب طابعاً استراتجياً من قبيل تثبيت تركيا أقدامها في الغرب الليبي بما يشمل اقامة قاعدة جوية أو ربما قاعدة بحرية.

برغم الضباب الكثيف الذي يحوم حول التحركات المقبلة لأطراف الصراع الليبي، الداخليين والخارجيين على حد سواء، فإنّ ثمة أمراً وحيداً يتسم بالوضوح، وهو أن الكل يحاول اللعب حالياً في الوقت المستقطع بين “شوطين” يتأرجح فيهما هذا الصراع بين سيناريوهي التصعيد والتسوية.

الكل يحاول اللعب في الوقت المستقطع بين “شوطين” يتأرجح فيهما هذا الصراع بين التصعيد والتسوية

كل شيء يبقى رهناً بمخرجات الاتصالات السياسية، لا سيما على خط موسكو – تركيا، المتأرجح بدوره بين مؤشرات متضاربة أحدثها بالأمس اثنان، الأول هو اعلان تركي رسمي اتفاق مبدئي مع الجانب الروسي لشراء الدفعة الثانية من منظومة “أس-400” للدفاع الجوي، والثاني هو التصعيد الذي قام به مسلحو إدلب، والذي تمثل خلال هجوم على موقع للجيش السوري في سهل الغاب (سرعان ما تم صده بهجوم جوي روسي مضاد)، ضمن سلسلة من الاستفزازات التي من شأنها أن تضغط باتجاه الذهاب نحو عملية عسكرية جنوب الطريق السريع M4، وإن كان ثمة من يعتقد أن روسيا ما زالت قادرة على تأجيل هذا الخيار العسكري إلى الحد الذي يسمح بالتوصل إلى تفاهمات جديدة مع تركيا، سواء في سوريا أو في ليبيا، أو في كليهما معاً.

التصريحات الرسمية الصادرة من انقرة وموسكو تشي بأن الوقت ما زال مبكراً للتوصل إلى تفاهمات حول الوضع في ليبيا، وإن كان البيان الصادر عقب الاتصال الهاتفي بين بوتين واردوغان قد تضمن إشارة دبلوماسية فضفاضة إلى أن الرجلين اتفقا على “مواصلة العمل على تحقيق السلام في ليبيا”.

لكن الملفت للاهتمام، أن العبارة الفضفاضة التي وردت في البيان الآنف الذكر، ترافقت مع مواقف مستجدة للرئيس التركي أعقبت محادثة هاتفية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وألمح فيها إلى فتح صفحة جديدة في التنسيق التركي-الأميركي في الملف الليبي.

من المؤكد أن هذه الصفحة الجديدة ستشكل مصدر قلق قائماً بالفعل في موسكو من التوجهات السياسية لأردوغان، خصوصاً اذا ما ذهبت الأمور نحو ترتيبات اميركية تتجاوز الميدان الليبي، لتشمل توزيع “كعكة” الغاز الطبيعي، بما يشمل احتمالية الضغط على قبرص واليونان ومصر لضم تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط، في ما يعد انتكاسة خطيرة لروسيا، التي ستواجه معضلة كسر احتكارها لإمدادات الطاقة إلى أوروبا، باعتبار أن المشروع الغربي سيتمتع في هذه الحالة بخيار نقل الامدادات عبر خط “ايست ميد” أو من البوابة التركية التي من شأنها أن تكسب اردوغان نفوذاً هائلاً في سياسته الخارجية، بما يمكنه من مساومة الأوروبيين من موقع القوة.

“الصفحة الجديدة” بين اردوغان وترامب ستشكل مصدر قلق قائماً بالفعل في موسكو تجاه تركيا

مع ذلك، فإنّ ما قاله أردوغان قد يكون مجرّد جس نبض، ويندرج في إطار المناورات السياسية المعروفة، خصوصاً أن دون صفقة كهذه عقبات كثيرة، على رأسها أن أي “سلام أميركي” في منطقة شرق المتوسط، لا بد أن يقترن بضمانات حاسمة من قبل الولايات المتحدة لمصر بشأن المطامع الجيوسياسية لتركيا، خصوصاً أن القاهرة تنظر إلى المسألة من منظارين متوازيين: الاقتصاد من جهة، والامن القومي من جهة ثانية.

في هذا السياق، قد تكتسب المبادرة المصرية زخماً إضافياً في الحراك السياسي المتصل بالأزمة الليبية – وأولى المؤشرات على ذلك الموقف الروسي الإيجابي منها – لا سيما أن جوهرها يتمثل في ضمان أكثر الطرق واقعية لتحقيق توازن قوى ثلاثي في ليبيا بين الشرق والغرب والجنوب، بما يراعي هواجس كافة الأطراف الخارجية المنخرطة في الصراع الليبي، على قاعدة “لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم”…. وإن كانت هذه القاعدة تبدو اليوم مجرّد مقاربة طوباوية في ظل صراع دولي يزداد ضراوة يوماً بعد يوم، ويجعل الطريق إلى التسويات الشاملة معبّداً بحقول ألغام شاسعة.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course