الوجه الآخر لقانون قيصر.. عودة داعش!

يكشف "قانون قيصر" المزمع وضعه موضع التنفيذ في السابع عشر من الشهر الحالي مدى تناقض السياسة الأميركية وتضارب أهدافها بين مزاعم مكافحة الإرهاب من جهة والعمل على إعادة ترتيب المنطقة وفق صيغ لامركزية تهدد وحدة الدول وسيادتها من جهة ثانية.  وفيما يسعى الكونغرس إلى وضع ركبة عقوبات "قيصر" على عنق الدولة السورية في مشهد مأساوي عام يكرر مأساة جورج فلويد الفردية، فإنه من المتوقع أن يعطي ذلك لتنظيم "داعش" مساحة جديدة من التنفس والانتعاش على أنقاض معاناة السوريين وسعيهم للدفاع عن مصيرهم.

يأتي موعد تنفيذ قانون قيصر متزامناً مع تطورات داخلية وخارجية في غاية الخطورة من شأنها أن تعيد المشهد السوري برمته إلى مربع الفوضى بعدما أخفقت جميع محاولات جرّه إلى سكة الحل السياسي جراء تناقض مصالح اللاعبين المؤثرين فيه، وعدم قدرتهم على إيجاد صيغة توافقية لإنهائه أو على الأقل تجميده.

وتتلخص التطورات الداخلية في التحديات الاقتصادية التي تواجهها الحكومة السورية جراء الهزات العنيفة التي يتعرض لها سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار وتذهب به صعوداً وهبوطاً في فترات متقاربة ومن دون أسباب منطقية، وهو ما انعكس عملياً في تفشي الخوف في الأسواق وغلاء الأسعار وانحدار القدرة الشرائية للمواطنين إلى أدنى مستوياتها بحيث كادت تقارب الصفر لدى شرائح واسعة من العاملين في الدولة ممن أصبحت رواتبهم لا تعادل سوى 20 دولاراً فقط.

وقد يكون من منعكسات ذلك خروج احتجاجات في بعض المناطق خلطت – عن قصد أو عن غير قصد – بين المطالب المعيشية المحقّة وبعض الأهداف السياسية التي تعود بصيغتها وشعاراتها إلى بدايات اشتعال الأزمة السورية عام 2011.

كما أن ملف منطقة خفض التصعيد في إدلب عاد مجدداً إلى دائرة التسخين بعدما نجح اتفاق الخامس من آذار/مارس بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في تبريده وتهدئته.

وتشي التطورات الميدانية في إدلب والتحشيدات العسكرية التي تقوم بها القوات التركية وإلى جانبها مقاتلو الفصائل المسلحة، وتلك التي تقوم بها القوات السورية والقوات الرديفة بأن الجبهات في المنطقة تستعد لجولة جديدة من القتال بهدف حل موضوع الطريق الدولي M4 عسكرياً بعدما أخفقت مساعي أنقرة لحله سلمياً.

أما على صعيد التطورات الخارجية، فقد برز بشكل خاص الانجاز التركي في الميدان الليبي متمثلاً في نجاح قوات حكومة فائز السراج في طرد قوات اللواء خليفة حفتر من كامل الغرب الليبي وصولاً إلى مشارف مدينة سرت الاستراتيجية. وقد ساعد هذا الإنجاز في تضخيم الدور التركي على الصعيد الإقليمي، وإبراز أنقرة كلاعب رئيسي لا يتوانى عن تحيّن الفرص مهما بلغت درجة المخاطرة. وثمة مخاوف بدأ يعبر عنها بعض المراقبين من أن تؤدي النشوة التركية في ليبيا إلى محاولة تكرار المشهد في الميدان السوري، برغم الفوارق التي لا تخفى على أحد وأهمها حضور روسيا القوي في سوريا بعكس حضورها “المستتر” في ليبيا.

ثمة مخاوف بدأ يعبر عنها بعض المراقبين من أن تؤدي النشوة التركية في ليبيا إلى محاولة تكرار المشهد في الميدان السوري

في ظل هذه الظروف المعقدة والشائكة، والتي يمكن أن يضاف إليها جمود عملية التسوية السياسية وتعثر اجتماعات اللجنة الدستورية، يأتي موعد تنفيذ قانون قيصر الأميركي ليصب الزيت على نار المشهد السوري.

وبرغم الخلافات التي تسود بين أركان الإدارة الأميركية حول الملف السوري وكيفية التعامل معه، يمكن القول مبدئياً أن تطبيق قانون قيصر في هذه المرحلة ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية والتوصيات التي وضعتها “مجموعة دراسة سوريا” التابعة للكونغرس الأميركي في تقريرها الصادر في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي. وقد ذكر التقرير مجمل التهديدات التي من شأنها أن تدفع الولايات المتحدة للتدخل في سوريا بأنها “تهديد الارهاب الذي يستهدف الولايات المتحدة ومصالحها وشركائها، وتمكين إيران، ونفوذ روسيا، وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين والمشردين وغيرها من الكوارث الانسانية”، مع تأكيد التقرير أن “الحرب السورية” أبعد ما تكون عن النهاية، وشدد على أنها دخلت “مرحلة جديدة”.

وأوصى التقرير بعدم انسحاب القوات الأميركية من سوريا، واختبار مدى استعداد روسيا لدعم التسويات السياسية التي تحظى بموافقة الولايات المتحدة، ومواصلة التركيز على طرد القوات الايرانية، والبحث عن مجالات للتعاون مع تركيا، والسعي لتجنب وقوع كارثة إنسانية في إدلب.

وأوصى التقرير كذلك بـ”حرمان نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد ومؤيديه من جميع سبل التطبيع وذلك من خلال فرض العزلة الدبلوماسية وفرض بنية عقوبات صارمة.

ويأتي هذا التشدد الأميركي إزاء دمشق، برغم إقرار واضعي تقرير “مجموعة دراسة سوريا” بأن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) قد “بدأ في الظهور مجدداً كحركة تمرد ومن المحتمل أن يحاول استعادة السيطرة على أراض في كل من سوريا والعراق”، مع تأكيدهم أن “إيديولوجية التنظيم لا تزال تحظى بجاذبية عالمية” وأن لديه القدرة والوسائل على شن عمليات ضد مصالح الولايات المتحدة.

ويتبدّى التناقض الأميركي بشكل خاص، في طريقة التعاطي مع الجانب العراقي بخصوص التعاون معه لمنع ظهور داعش أو تشكيل جماعة جديدة على أنقاضه، حيث يؤكد التقرير المكون من حوالي ثمانين صفحة، أنه “ستنعدم إمكانية هزيمة تنظيم الدولة في سوريا في حال تشكلت الجماعة من جديد في العراق” لذلك يجدر بالولايات المتحدة منح الأولوية للشراكة العراقية للحفاظ على تواجد عسكري أميركي” و مواصلة “مدّ القوات الأمن العراقية (الشرعية) بالدعم العسكري”.

ومن الصعب تفكيك شفرة هذه المعادلة التي وضعها تقرير “مجموعة دراسة سوريا”، فهل يعني ذلك أن انتعاش تنظيم “داعش” في سوريا اصبح أمراً لا مفر منه، وأن المطلوب هو إجهاض مساعيه للتجدد والعودة في العراق من أجل هزيمته في سوريا؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تهزم “داعش” في سوريا، بينما هي تحاصر الدولة التي تعمل على قتاله وتمنع وصول اي دعم مادي أو عسكري لها، بل وتعاقب أي جهة تفكر في دعمها؟

والمفارقة أن راسمي الاستراتيجية الأميركية يعون تماماً مخاطر تنظيم “داعش” في سوريا، بشكل خاص، حيث وصف التقرير وضع التنظيم حالياً بأنه “شبكة تتسم بقدرة هائلة على الصمود في وضعٍ يمكنها من الاستفادة من أي توقف مؤقت أو تقلّص في حجم عمليات مكافحة الإرهاب”. وهم مدركون تمام الإدراك مدى استفادة التنظيم من اي حالة فوضى أو عدم استقرار من أجل استغلالها في تجنيد مقاتلين جدد ورص صفوفه.

وفي لفتة هامة أشار التقرير إلى استغلال التنظيم لما أسماه “المظالم السنية العربية التي تتجذر في تنامي شعورهم بالضعف في ظل الحكم الكردي”، مضيفاً “أن المجتمعات العربية الساخطة في المناطق المحررة من قبضة تنظيم الدولة، توفّر بيئة عمل مواتيةً لتجنيد المزيد من العناصر الجدد”.

ولا يخفى أن الولايات المتحدة هي التي تقف وراء هذا المشهد السوداوي وهي التي ترسم حدوده وضوابطه وتفرضها على “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد)، وبالتالي ينبغي أن تكون واشنطن مسؤولة عن جميع تبعاته وتداعياته.

فإذا كان الأمر كذلك في المناطق التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، بما تستبطنه من مخاطر عودة “داعش” وإمكانية استغلاله للظروف القاسية التي تمر بها المجتمعات هناك من أجل الاستقطاب والتجنيد وتجديد بنيته، ماذا يمكن القول عن المناطق المحررة من تنظيم “داعش” والخاضعة لسيطرة الدولة السورية وحلفائها؟ وسيكون لهذا التساؤل طابعاً خاصاً في ظل سعي الولايات المتحدة لتطبيق قانون قيصر وفرض عقوباته على الحكومة السورية وجيشها وقوى أمنها وكل من يتعامل أو يتعاون معها؟ أليست الولايات المتحدة بذلك تخلق البيئة المناسبة لعودة “داعش” ثم تدّعي تنشيط جهودها للقضاء عليه؟

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course