كتاب بيرغمان عن “الإغتيالات”: نافورة دماء من رأس ويلكين (3)

"إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية" عنوان كتاب أصدره الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان باللغة الإنكليزية عام 2018 في الولايات المتحدة. الكتاب ومن خلال سرده عمليات الاغتيال، بالأسماء والأماكن والتواريخ، يؤرخ قصة نشوء الكيان الصهيوني بالدم والبارود.

ينطلق رونين بيرغمان في سرده من تأسيس بريطانيا لاول لواء عسكري من يهود العالم لمساعدتها في الحرب العالمية الثانية، تحوّل عناصره وضباطه لاحقاً حتى يكونوا نواة المنظمات الصهيونية الارهابية التي لاحقت الضباط النازيين وقامت بتصفيتهم في جميع أرجاء أوروبا والعالم، وخلال عملياتها هذه ـ يقول الكاتب ـ إن العشرات من الأبرياء قتلوا، إما للشبهة وإما كأضرار جانبية لعمليات الإغتيال.

يعود بيرغمان بالتاريخ إلى العام 1896، عندما نشر الصحافي اليهودي النمساوي تيودور هيرتزل كتابه “الدولة اليهودية”، فيقول إن الاخير ناقش معاداة السامية التي كانت معشعشة في عمق الثقافة الاوروبية وأن “الشعب اليهودي يمكنه تحقيق الحرية الحقيقية والأمان فقط في دولته الخاصة”. ولكن معظم أبناء النخبة اليهودية في أوروبا الغربية والتي كانت تعيش حياة مريحة، رفضت فكرة هيرتزل، يقول بيرغمان، لكن جمهور الفقراء والعمال اليهود في أوروبا الشرقية، رحبوا بهذه الأفكار وتبنوها على نطاق واسع، كونهم كانوا يعانون من قمع دموي جعل الكثيرين منهم ينضمون إلى مجموعات وإنتفاضات يسارية في البلدان التي كانوا يعيشون فيها، على حد قول الكاتب.

ويقول بيرغمان إن هيرتزل نفسه رأى في فلسطين، أرض أجداد اليهود، المكان المثالي لإقامة الدولة اليهودية في المستقبل، لكنه كان يعتقد أن أي إستيطان في تلك الأرض، يجب أن يتم بهدوء وروية وعبر القنوات الدبلوماسية وبدعم دولي، كي تتمكن هذه الدولة من العيش بسلام. وبذلك يكون هيرتزل قد أسّس ما عُرف لاحقاً بنظرية “الصهيونية السياسية”.

اللواء اليهودي

خلال الحرب العالمية الثانية، تطوع نحو 38 ألفاً من يهود فلسطين لمساعدة الجيش البريطاني والخدمة في صفوفه، ولم يعرف البريطانيون في البداية ماذا يفعلون بهذه الأعداد من المتطوعين، فنظموهم في إطار ما أسموه “اللواء اليهودي”، وارسلوهم للتدريب في إحدى القواعد العسكرية البريطانية في مصر، ومن ثم عادوا وأرسلوهم إلى أوروبا للقتال إلى جانب قوات الحلفاء، وبصورة أساسية في كل من إيطاليا والنمسا، فرأى ضباط وجنود هذا اللواء بأم العين رعب “الهولوكوست”، وأرسلوا تقارير إلى القيادات اليهودية في فلسطين، ومن بين هؤلاء الجنود، كان موردخاي غيشون، وهو من مواليد برلين عام 1922 لأب روسي وأم يهودية ألمانية كان أخوها الحاخام ليو بايخ زعيم حزب “اليهود الألمان الأحرار”، وهو حزب إصلاحي، وكان على غيشون أداء التحية النازية وإنشاد النشيد النازي في المدرسة الألمانية التي كان يتعلم فيها قبل الهجرة مع عائلته إلى فلسطين في العام 1933، لكنه عاد إلى أوروبا في إطار “اللواء اليهودي”، ليجد أن المجتمع اليهودي قد دُمّر بالكامل على أيدي النازيين، وينقل بيرغمان عن غيشون قوله “لقد آن الاوان للإنتقام، لقد كنت أحلم بأن أحد أشكال الانتقام تتضمن قتل صديق ألماني عزيز عليّ جداً يدعى ديتليف، فقط لأن والده كان ضابطاً في الشرطة الألمانية، بهذه الطريقة فقط نستطيع إستعادة الكرامة اليهودية المهدورة”. موردخاي الذي يحمل كل هذا الحقد والكراهية، أصبح لاحقاً أحد مؤسسي الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

يقول بيرغمان إن ويلكين كان يعرف أن منظمة “ليهي” الارهابية تستهدفه لأنها حاولت عام 1942 إغتياله مع رئيسه البريطاني جيفري مورتون في أوائل عمليات الإغتيال التي نفذتها

يقفز بيرغمان في سرده التاريخي من الأقدم إلى الأحدث وبالعكس، فيروي بطريقة لا تخلو من التشويق، وقائع عملية إغتيال رئيس مكتب التحقيق الجنائي البريطاني في فلسطين توم ويلكين في 24 أيلول/سبتمبر عام 1944 على أيدي نشطاء من منظمة “ليهي” (“المحاربون من أجل حرية إسرائيل”) الصهيونية السرية التي كانت تحارب الإنتداب البريطاني في فلسطين في أوائل أربعينيات القرن العشرين، والتي كانت تعتبرها سلطات الإنتداب منظمة إرهابية، وتطلق عليها تسمية “عصابة شتيرن”، تيمناً باسم مؤسسها القومي المتطرف ابراهام شتيرن، وقد كان قائد هذه المنظمة الارهابية اسحاق شامير (الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء “دولة اسرائيل”)، ويقول شامير نفسه إن المنظمة نفّذت الكثير من عمليات الإغتيال والقتل المتعمد والتفجير في إطار حملة “الإرهاب الشخصي”.

مكتب التحقيق و”ليهي”

ويبرر بيرغمان قرار إغتيال توم ويلكين بالقول إن الاخير كان رئيس الوحدة اليهودية في مكتب التحقيق الجنائي في فلسطين (سي اي دي)، وكان يقوم بعمله بصورة ممتازة، لا سيما في خرق المنظمات الصهيونية السرية بعملائه وتمكنهم من وقف الكثير من انشطتها وعملياتها، وكان بعد 13 عاماً من الخدمة في فلسطين، يتكلم العبرية بطلاقة وباتت لديه شبكة واسعة من المخبرين الذين بفضلهم تمكن ويلكين من اعتقال العديد من النشطاء السريين ومصادرة كميات كبيرة من الاسلحة، ناهيك بإحباطه الكثير من العمليات التي كانت تهدف إلى إكراه البريطانيين على مغادرة فلسطين.

يقول بيرغمان إن ويلكين كان يعرف أن منظمة “ليهي” الارهابية تستهدفه لأنها حاولت عام 1942 إغتياله مع رئيسه البريطاني جيفري مورتون في أوائل عمليات الإغتيال التي نفذتها، ففي 20 كانون الثاني/يناير من ذلك العام، زرع أعضاء المنظمة عبوات ناسفة على سطح أحد الطوابق داخل مبنى يقع في شارع يائيل ثمانية في تل أبيب، ولكن إنفجار العبوات أدى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة، إثنان منهم يهود والثالث إنكليزي. وغادر مورتون فلسطين بعد محاولة إغتيال أخرى أدت الى إصابته بجروح اثر مقتل مؤسس “ليهي” ابراهام شتيرن في صدام مسلح مع الـ”سي اي دي”.

في تلك الليلة، كمن ديفيد شومرون ورفيقه ياكوف باناي (اسمه الحركي “مازال” اي “الحظ”) لتوم ويلكين قرب أحد مقرات الـ”سي اي دي” في شارع السان جورج في القدس، غير آبهين بأن للمستهدف عائلة وأقارب، بل كل ما يعنيهم، أنه يشكّل هدفاً ذات قيمة فقط، بحسب قول شومرون نفسه بعد عقود من تلك العملية. قرار الإغتيال أصدره رئيس المنظمة اسحاق شامير نفسه. في تلك الليلة، تزود شومرون وباناي بمسدسات وقنابل يدوية فيما كانت مجموعة الدعم تننتشر في المكان، متنكرة ببدلات رسمية وقبعات على النسق الأنكليزي. عندما خرج ويلكين من مقر إقامته، متجهاً سيراً على الأقدام الى مباني الـ”سي اي دي”، حيث كانت تجري التحقيقات مع عناصر المنظمات الارهابية الصهيونية، وما ان مرّ من زاوية تقاطع شارعي السان جورج وميا شيريم، حتى نهض فتى في محل بقالة على مقربة من الزاوية ورمى قبعته بالأرض، هذه كانت الإشارة للبدء بتنفيذ العملية، مر شومرون وباناي من أمام ويلكين وتأكدا من انه الهدف المحدد فعلاً (عرفاه من خلال صور اعطيت لهم مسبقاً)، وتجادلا من يطلق النار أولاً حيث “ان باناي كان يريد ان يفعل ذلك ولكن ما ان استدرنا معاً نحوه لم أتمالك نفسي وأطلقت النار أولاً”، يقول شومرون ويضيف، “من بين 14 طلقة أطلقناها، أصيب ويلكين بـ11 طلقة علما أنه بعد الطلقات الأولى، تمكن من سحب مسدسه، ليرد علينا لكنه تهاوى ووقع ووجهه الى الارض ونافورة دماء تنبع من رأسه”.

شومرون: كنا نؤمن أنه كلما زاد عدد التوابيت التي تعود الى لندن كلما اقترب موعد يوم الحرية

اسحق بنزافي

وعلى الفور، غادر شومرون وباناي نحو ظلال الأبنية، حيث كانت في إنتظارهم سيارة تاكسي يقودها أحد أعضاء منظمة “ليهي”. يقول شومرون عن العملية “إن الشيء الوحيد الذي أسفت عليه هو أني لم آخذ حقيبة يد ويلكين التي كانت بالتأكيد تحوي الكثير من الوثائق، باستثناء ذلك، لم يتمالكني أي شعور ولو ضئيل بالذنب، لأننا كنا نؤمن أنه كلما زاد عدد التوابيت التي تعود الى لندن كلما اقترب موعد يوم الحرية”.

يقول بيرغمان ان استراتيجية استخدام القوة كطريق وحيد لاعادة الشعب اليهودي الى “ارض اسرائيل” لم تكن صنيعة منظمة “ليهي” ولم يخترعها شتيرن بل تعود جذورها إلى ثمانية رجال إجتمعوا في شقة عبارة عن غرفة واحدة تطل على حقل برتقال في مدينة يافا في 29 أيلول/سبتمبر 1907، أي بالتحديد قبل سبعة وثلاثين عاماً من نافورة الدماء التي إنطلقت من رأس ويلكين. حينذاك، كانت فلسطين لا تزال جزءاً من الأمبراطورية العثمانية، وكان قد استأجر تلك الغرفة مهاجر روسي يدعى اسحق بنزافي جاء الى فلسطين شأنه شأن باقي زملائه السبعة الآخرين في الغرفة الذين كانوا قد غادروا هم ايضا الأمبراطورية الروسية، وكانوا جميعاً صهاينة ملتزمين تبنوا فكرة “الصهيونية السياسية” لهيرتزل وزادوا عليها “بدلاً من إنتظار أن يعطينا العالم وطناً يجب أن نعمل على بناء وطننا بأنفسنا عبر العودة الى فلسطين والعمل في الأرض وجعل الصحراء تزهر وذلك كحق تاريخي لنا والدفاع عن هذا الحق بكل قوة”.

 ويضيف بيرغمان أن هذه الإستراتيجية وضعت الصهاينة الملتزمين في مواجهة مباشرة مع معظم اليهود الذين كانوا أساساً يعيشون في فلسطين كأقلية صغيرة في الأرض العربية، وكانوا بمعظمهم يعملون كباعة متجولين أو طلبة مدارس دينية أو موظفين في الإدارة العثمانية، وكان هؤلاء قانعين بما هم عليه من حياة عبر التذلل والرشوة والتسويات التي كانت تعطيهم نسبة عالية من السلام والأمن في حياتهم.

ويتابع الكاتب، لم ترق تلك الحياة لبنزافي وللقادمين الجدد لأنهم وجدوا أن الكثير من اليهود كانوا يعيشون في العوز، ولا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم، وبطبيعة الحال كانوا تحت رحمة الغالبية العربية ومزاجية المسؤولين العثمانيين الفاسدين، وما وجده بنزافي وصحبه أسوأ الأمور، هو إعتماد اليهود على حراس عرب لحماية مستوطناتهم، وهؤلاء كانوا بدورهم يتواطأون مع مجموعات عربية لمهاجمة المستوطنات. وقد اعتبر بنزافي وصحبه أن هذا الأمر غير مقبول ولا يحتمل، وقد كان بعض صحبه أعضاء في حركات ثورية يسارية روسية قبل القدوم الى فلسطين. إحدى هذه الحركات كانت “نارودنيا فوليا” أي “ارادة الشعب”، وهي منظمة سرية متطرفة ضد القيصر في روسيا وتعتمد تكتيكات الإرهاب ومن ضمنها الإغتيال. وقد أدى فشل الثورة في روسيا عام 1905 إلى إحباط العديد من الثوريين والديمقراطيين الإشتراكيين والليبراليين، ما جعلهم ينزحون الى فلسطين لـ”إعادة” بناء الدولة اليهودية.

بنزافي وصحبه السبعة القادمين من روسيا القيصرية، كانوا فقراء للغاية بالكاد يحصلون على قوت يومهم عبر العمل المضني في الحقول وبساتين الليمون، وغالباً ما يناموا جائعين، ولكنهم كانوا فخورين بكونهم صهاينة، وكانوا يؤمنون أنه لبناء دولتهم يجب أن يبدأوا بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، وهكذا فقد سار هؤلاء إفرادياً أو كل اثنين معاً، ليلاً في شوارع يافا، وتوجهوا الى تلك الغرفة في 29 أيلول/سبتمبر 1907 لتأسيس أول مجموعة يهودية محاربة في التاريخ الحديث، وتعاهدوا في ما بينهم أنه “لن يبقى اليهودي في صورة الضعيف والمضطهد في أي مكان في العالم، ووحدهم اليهود سيدافعون عن اليهود”. وأطلقوا على مجموعتهم إسم “بار غيورا” تيمناً باسم قائد ثورة اليهود ضد الامبراطورية الرومانية في القرن الأول بعد الميلاد وتبنوا شعار “بالنار والدم سقطت يهودا وبالنار والدم ستنهض يهودا”.

ويختم رونين بيرغمان هذا الفصل بالقول “صحيح أن يهودا ستنهض وسيصبح بنزافي يوماً ما الرئيس الثاني لدولة إسرائيل، ولكن قبل ذلك، سيكون هناك الكثير من النيران والكثير من الدماء”.

-الحلقة الأولى، “إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية”:

https://180post.com/archives/11024       

-الحلقة الثانية، كتاب بيرغمن عن إغتيالات الموساد.. تغيير مجرى التاريخ:

https://180post.com/archives/11134

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course