إبراهيم رئيسي.. أبرز قادة “الجمهورية الثالثة” في إيران

يُعتبر إبراهيم رئيسي أحد الفاعلين على مستوى منظومة الحكم الإيرانية المقبلة، إن لم يكن على رأس هذه المنظومة في السنوات المقبلة.

راهن كثيرون، داخل إيران وخارجها، على نجاح إبراهيم رئيسي في انتخابات الرئاسة الأخيرة في العام 2017، لاعتبارات تتعلق بسيرة رجل الدين القادم من ميادين الثورة قبل 40 عامًا. لكن فوز حسن روحاني المفاجئ بولاية ثانية شكلّ صدمة لمن كان يظن أنه يفهم النظام الإيراني وديناميات الحكم فيه.

تحكي قصة صعود إبراهيم رئيسي إلى مراكز القرار الإيراني الكثير عن ديناميات الحكم وآلية إتخاذ القرار في بلد تتفاعل فيه المطالب الشعبية التي تضع الناس في مواجهة النظام مع إستنفار كل القدرات الشعبية لمواجهة “مؤامرات وأعداء الخارج”، كما يحلو لأحد السياسيين الإيرانيين إختصار المشهد.

وتؤشر معظم المحطات المفصلية في سيرة إبراهيم رئيسي السياسية و”الثورية” إلى أنه “مرشحٌ فوق العادة للقيادة”.

قبيل الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، تردد اسم رئيسي في صحف عالمية مرموقة، كما في الصالونات السياسية الحليفة لطهران، باعتباره احد المرشحين الجديين للعب دور المرشد الأعلى المقبل، أي خليفة المرشد الحالي السيد علي خامنئي، غير أن فشل رئيسي في حصد نسبة أصوات كافية في الإنتخابات الرئاسية، ترك الكثيرين في حيرةٍ من أمرهم. هل يمكن لشخصية فشلت في الرئاسة أن تدخل في دائرة المرشحين لشغل دور المرشد الأعلى في المستقبل؟ هل يمكن لمنظومة الحكم الإيرانية أن تغفل توجه الشعب نحو مزيد من الإنفتاح، على الطريقة “الروحانية”؟

محاولة الإجابة على هذين السؤالين لا تعني مستقبل إبراهيم رئيسي ودوره فقط، بل هي تتعلق بالشكل الذي ستكون عليه “الجمهورية الإسلامية الثالثة”، بعد عهدي الخميني وخامنئي.

ثائر مؤتمن على أموال “علي الرضا”

بعد نجاح الثورة الإسلامية في العام 1979، تم تعيين إبراهيم رئيسي في منصب المدّعي العام في “كرج” غرب طهران، وأمضى هناك خمس سنوات حاز خلالها على ثقة الإمام الخميني فتم نقله إلى العاصمة ليشغل منصب نائب المدعي العام. بعد ثلاث سنوات فقط، تم تكليفه بالحُكم في قضايا الأحزاب المعارضة للثورة، كجماعة “مجاهدي خلق” وحزب “توده”. كانت تلك المهمة البالغة الحساسية مؤشرًا على إعتماد النظام عليه، بعد أن شارك في الحرب الإيرانية العراقية ونجح في إثبات نفسه في ثالوث “الدين والعسكر والقضاء”.

بنى الكثير من المراقبين توقعاتهم بتحضير رئيسي لقيادة إيران، وذلك غداة تعيينه “سادنًا” للمرقد الرضوي في مدينة مشهد في العام 2016، بتكليف مباشر من خامنئي الذي كتب له يومها رسالة بليغة تؤشر إلى ثقة غير عادية بهذا الرجل

بعد وفاة الإمام الخميني في العام 1989، تم تعيين إبراهيم رئيسي في منصب المدّعي العام لطهران لمدة خمسة أعوام، قبل أن ينتقل ليشغل رئاسة دائرة التفتيش العامة في كل ايران لمدة عشرة أعوام.

هذه الأدوار القضائية التي تعكس الثقة بنزاهته، رفّعته إلى منصب النائب الأول لرئيس السلطة القضائية منذ العام 2004 وحتى العام 2014، تحت رئاسة آية الله هاشمي شاهرودي ومن ثم آية الله صادق لاريجاني.

وبين هاتين المرحلتين، ترأس رجل الدين المقرب من المرشد علي خامنئي المحكمة الخاصة بمحاكمة رجال الدين في العام 2012. أيضًا بات، منذ العام 2007، واحدًا من بضعة أعضاء في مجلس خبراء القيادة المسؤول عن تعيين المرشد الأعلى.

بنى الكثير من المراقبين توقعاتهم بتحضير رئيسي لقيادة إيران، وذلك غداة تعيينه “سادنًا” للمرقد الرضوي في مدينة مشهد في العام 2016، بتكليف مباشر من خامنئي الذي كتب له يومها رسالة بليغة تؤشر إلى ثقة غير عادية بهذا الرجل.

ويتولى “سادن” المرقد الديني للإمام الثامن عند المسلمين الشيعة (علي الرضا) مهمة إدارة واحدة من أثرى المؤسسات الدينية في العالم، إذ يدّر المرقد وتوابعه مئات مليارات الدولارات التي تبقى تحت إشراف مباشر من المرشد ولا تدخل في ميزانية الدولة الرسمية. علمًا أن نمو مدخول هذه المؤسسة يخضع لخطط إقتصادية مستقلة لا تتأثر بعقوبات أو بحصار.

وبالإضافة الى هذا المنصب الرفيع الذي جعله محط أنظار مختلف التيارات الإيرانية، بات رئيسي مدعيًا عامًا لكل إيران ما بين العامين 2015 و2017.

مرشح رئاسي خاسر.. ولكن!

في نيسان/أبريل من العام 2017، أعلن إبراهيم رئيسي ترشحه رسميًا للرئاسة الإيرانية باعتبارها “مسؤولية دينية وثورية”، رافعًا شعار مكافحة الفقر والفساد. بدا الحرس الثوري أبرز داعمي ترشيح رئيسي. حتى أن المرشح الآخر القادم من التيار المحافظ نفسه، أي محمد باقر قاليباف، أعلن انسحابه لمصلحة إبراهيم رئيسي. ما الذي حصل إذا؟ وكيف يمكن تفسير سقوط خيار الحرس الثوري الأول في انتخابات الرئاسة؟

خامنئي كان من المحذرين من “المكر” الأميركي وفي طليعة الدّاعين إلى عدم التعويل على إلتزاماتهم، وذلك على مسافة ساعات قليلة من توقيع الاتفاق النووي

لا يعلم كثيرون أن خامنئي نفسه كان من أشدّ الفرحين لفوز حسن روحاني بولاية ثانية. حماسة مرشد النظام لتلك النتيجة تنبع من الظروف الدولية، لا الداخلية. فقد كانت حكومة روحاني قد خرجت للتّو من انتصار دبلوماسي عالمي بتوصلها إلى إتفاق نووي أرهق الأميركيين. وما بعد الاتفاق النووي، يحتاج إلى مراكمة المسار الدبلوماسي الذي بدأه فريق روحاني نفسه. وبالتالي، فإن أي تغيير على مستوى الرئاسة والحكومة كان من شأنه فتح سجال داخلي إيراني “لا فائدة منه” بشأن الإلتزام بالإتفاق النووي، خاصة وأن المرشد خامنئي كان من المحذرين من “المكر” الأميركي وفي طليعة الدّاعين إلى عدم التعويل على إلتزاماتهم، وذلك على مسافة ساعات قليلة من توقيع الاتفاق النووي.

وللمفارقة، فإنّ ما فعله دونالد ترامب لاحقًا، وصولاً إلى إستهداف قائد فيلق القدس قاسم سليماني، يثبت صحة رأي المرشد الإيراني.

هل هي مشكلة توقيت إذا في ترشيح رئيسي؟

لا يمكن الركون إلى هذا الإستنتاج، بل يُحسب للنظام الإيراني أنه رضخ لإرادة الغالبية الشعبية، لا لميول أركانه العسكرية والأمنية. أما في ما يخص رئيسي نفسه، فقد كانت الخسارة درسًا للمستقبل لا يمكنها بأي حال أن تنال من رصيده، علمًا أنه حاز على 16 مليون صوت تقريبًا، في مقابل 23 مليون صوت لروحاني، وهو فارق مفهوم ولا يُعدّ سلبيًا بالنسبة للأول، في لحظة الحماسة الشعبية للإنجاز النووي لحكومة الأخير.

في العام 2019، تابع إبراهيم رئيسي مسيرته نحو الأعلى، فتم تعيينه رئيسًا للسلطة القضائية الإيرانية بدلًا من المخضرم صادق لاريجاني، بتكليف مباشر من خامنئي الذي يرفع شعار “الاقتصاد المقاوم” منذ عقد على الأقلّ، ويميل أكثر نحو استيعاب مطالب الشعب لناحية الحدّ من الفوارق الاجتماعية ومكافحة الفساد؛ الأمر الذي يتطلب سلطة قضائية نزيهة و”ثورية”.

بناءً على ذلك كله، تفصلنا حوالي السنة عن الإنتخابات الرئاسية في إيران (21 ايار/مايو 2021)، وخلال هذا الفاصل الزمني، لا بد من رصد المسارات الداخلية والخارجية التي ستتضافر في تحديد هوية الرئيس الإيراني المقبل، ولعل رئيسي هو أحد المرشحين سواء لرئاسة الجمهورية أو لخلافة خامنئي، وفي كلا الحالتين، سيكون له دوره الفاعل في منظومة الحكم والقرار في إيران في السنوات المقبلة.

Avatar

كاتب في مسائل التكنولوجيا

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course