روسيا تتحسب لـ”الأطفال الانتحاريين”.. ماذا بعد تطوير “بانتسير”؟

كان ملفتاً للانتباه التعديل الجديد على منظومة "بانتسير"، الذي كشفت روسيا النقاب عنه في العرض العسكري الأخير في الساحة الحمراء لمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين للنصر على الفاشية. أهمية هذا التعديل بالذات، قياساً الى كل الأسلحة الجديدة والمحدثة التي سُيّرت في الساحة الحمراء، تكمن في كونه خطوة أساسية في معركة متعددة المستويات بات الطائرات المسيّرة (الدرونز) تحتل فيها موقع الصدارة، وهو ما تبدى مؤخراً بشكل واضح في ليبيا وسوريا، ما سمعة "بانتسير"، والأسلحة الروسية عموماً، موضع تساؤل.

لا شك في أن التقارير التي ملأت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة حول ما اعتبر “نكسة” – أو حتى “هزيمة” – لمنظومة “بانتسير” الدفاعية في ليبيا أمام الجيل الجديد من الطائرات المسيّرة التركية، وأهمها طائرة “بيرقدار”، درة الصناعات العسكرية التركية، وقبل ذلك في سوريا، سواء تعلق الأمر بالمسيرات التركية نفسها أو بالطائرات الإسرائيلية المماثلة، كانت مثيرة للقلق بالنسبة إلى الصناعات العسكرية الروسية.

وبصرف النظر عن التفاصيل التقنية التي جهد من خلالها المحللون العسكريون الروس في التقليل من أهمية الدعاية التركية، ومن بينها التمييز بين النسخ المختلفة من “بانتسير” لا سيما التي تم بيعها للإمارات على سبيل المثال في التسعينيات، وبين النسخ الأكثر حداثة، إلا أن مجرد التشكيك في نجاحات المنظومة الدفاعية الروسية يمثل ضربة، ولو معنوية، لسمعة السلاح الروسي، ويطرح في الوقت ذاته تحديات عملانية في ظل التحولات الهائلة التي تشهدها التكنولوجيات العسكرية في العالم.

في تقرير نشرته صحيفة “فزغلياد” الروسية مؤخراً، تم توضيح بعض الجوانب التقنية المتصلة بمنظومة “بانتسير”، والأهمية الكبرى في تحديثها بغرض مواجهة تحدي الطائرات المسيّرة.

تذكر الصحيفة الروسية بأن مهمة “بانتسير” الأساسية تتمثل في كونها منظومة مخصصة للمشاركة في الدفاع الجوي، أي أنها وسيلة لتغطية المنظومات الدفاعية التي تقوم بالعمل الرئيسي، وظيفتها، تبعاً لذلك، هي إطلاق صواريخ عالية السرعة وصغيرة الحجم لاسقاط الصواريخ أو الطائرات التي تستهدف احدى انظمة الدفاع الجوي، مثل “اس-300″ و”اس-400” وغيرهما، أو حتى حماية المنشآت العسكرية، كما هي الحال مع صدها للهجمات المتعددة بالطائرات المسيرة التي تستهدف من وقت الى آخر قاعدة حميميم العسكرية في سوريا.

عند هذا الحد، كان أداء “بانتسير” يبدو مثالياً لدرجة كبيرة. ولكن ثمة مشكلة بدأت تظهر في ظروف عملانية معينة،  كما حصل على سبيل المثال عام 2007، حين تجاوز الإسرائيليون المنظومة الروسية وقاموا بهجومهم الشهير لتدمير المفاعل النووي السوري. يمكن تفسير ما حدث بسهولة: يمكن لرادار الطائرة الحربية المتطورة أن يكتشف “بانتسير” أسرع مما يمكن لرادار المنظومة الدفاعية اكتشاف الطائرة المعادية، ما يمنح الأخيرة فرصة أكبر لتعطيل الدفاعات عن طريق التداخل.

بهذا المعنى لم تكن ما جرى في سوريا حينها نتيجة لخطأ “بانتسير” وإنما بسبب التنظيم الخاطئ للدفاع الجوي السوري ككل، كما يقول الخبراء العسكريون، فهجوم من هذا النوع كان يفترض أن تتصدى له منظومات أخرى تتولى “بانتسير” حمايتها وليس العكس.

علاوة على ذلك، فإن “بانتسير” السورية والليبية لم تكن مكتملة، بمعنى أن المنظومة الدفاعية كانت تفتقد إلى عنصر أساسي يتمثل في آلية الربط بين بطارياتها والرادار المخصص لها ومركز القيادة.

ما تكشف في الحرب السورية من نقاط ضعف لـ”بانتسير” لم يكن مُدركاً في السابق، فالأجهزة والبرمجة الخاصة بالمنظومة لم تكن مصممة بغرض التصدي للأهداف المنخفضة السرعة، وهذا ما يفسر سهولة تمكن الإسرائيليين من تدمير منظومة دفاعية سورية أطلقت النار على طائراتهم القتالية.

ونتيجة لذلك، جاءت التحديثات الأولية لـ “بانتسير” – وهذه التحديثات لم تكن قائمة على سبيل المثال حين تم بيعها للإمارات التي بدورها زودت قوات المشير الليبي خليفة حفتر بها – حيث تم تصميم راداراتها للتعرف على الأهداف الصغيرة غير الواضحة، وبذلك تمكنت المنظومة الروسية، التي تدافع عن قاعدة حميميم الجوية، من اسقاط عشرات الطائرات من دون طيار، موفرة مظلة حماية حديدية لمركز العمليات العسكرية الروسية في سوريا.

ما سبق لم يكن كافياً لجعل “بانتسير” سلاحاً فائقاً، ذلك أن الرادار الخاص به كان لا يزال من الممكن اكتشافه من مسافة بعيدة والتشويش عليه أو حتى تدميره اذا لزم الأمر، وإن كان التطوير السابق قد سمح باسقاط الطائرات من دون طيار، بصرف النظر عن سرعة تحركها.

في العرض العسكري الأخير في موسكو تم تقديم أحدث تطوير لمنظومة “بانتسير”، بعدما تم تجهيزها بهوائي للتشويش، ما يجعل من الصعب اكتشافها بعد الآن، ما يعني أنها ستشكل مفاجأة للطائرات المهاجمة.

بالإضافة إلى ذلك، يتم العمل على زيادة عدد  الصواريخ الصغيرة الموجهة التي تحويها المنظومة، بجانب مضاعفة المدى الذي يمكن من خلاله اكتشاف الأهداف الجوية.

ووفقاً لموقع “رفيزدا يجيدنيفنيك” الروسي المتخصص في الشؤون الدفاعية، فإنّ الرادار المحدّث لـ”بانتسير” سيسمح بزيادة نطاق الكشف عن الهدف من 40 إلى 75 كيلومتراً، وبذلك ستتضاعف الحدود البعيدة لإصابة الهدف من 20 إلى 40 كيلومتراً، بجانب مضاعفة سرعة الصاروخ. وبفضل الصواريخ الجديدة ستتاح للنظام الدفاعي الفرصة لتدمير المركبات التي تحلق بسرعات 3000 متر في الثانية، مقارنة بـ1000 متر في الثانية حالياً.

 الاستنتاج من كل ما سبق هو أن “بانتسير” لا يزال نظاماً فعالاً،  خاصة بعد تعديله الأخير، ولكن فعاليته لا تزال ترتبط بشرط أساسي، وهو استخدامه بالشكل الصحيح، أي بالاقتران مع الأنظمة الأخرى، بدلاً من تركه وحيداً في الميدان.

يطرح ذلك سؤالاً أساسياً، ينطلق من تقييم ما جرى بالفعل مع “بانتسير” في سوريا وليبيا، ومن ثم تحديد الآفاق المستقبلية للطائرات من دون طيار، وكيفية التعامل مع مخاطرها.

بحسب الدعاية الإعلامية التركية، فإنّ الطائرات المسيّرة دمرت عدداً كبيراً من منظومات “بانتسير” في كل من إدلب وليبيا، وهو أمر يقابل بتشكيك من جانب الخبراء الروس، الذين يبدون واثقين من أن الأعداد المعلن عنها مبالغ فيها حتماً، مشددين على أن الأتراك لا يستطيعون اثبات أنهم دمروا بالفعل أكثر من اثنتين أو ثلاث على أبعد تقدير.

من جانب آخر، يركز الخبراء العسكريون الروس على ظروف استخدام “بانتسير” في معارك ليبيا: الأعداد صغيرة، النسخ القديمة، والاستخدامات الخاطئة.

في هذا السياق، تتساءل صحيفة “فزغلياد”: هل يمكن القول إن الأتراك كذبوا بشأن مدى فعالية تقنيتهم ​​ضد “بانتسير”؟ قطعا نعم… ولكن هل يمكن القول إن الطائرات التركية من دون طيار لم تثبت جدارتها؟ هنا علينا الإجابة بـ”لا”.

ثمة اجماع دولي على أن الأتراك نجحوا منذ فترة في إطلاق “ثورة” في عالم الطائرات من دون طيار، متقدمين ليس فقط على روسيا، ولكن أيضاً على “العمالقة” مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (راجع مقال: “البطل” بيرقدار صانع عصر المسيرات التركية)، وبجانب أنظمة التشويش التركية “كورال” والطائرات المسيّرة “أنكا” (العنقاء)، لعبت الطائرات المسيّرة من طراز “بيرقدار” الدور الأساسي في المعارك في إدلب وليبيا.

بشكل عام، يمكن للتحديث الجديد لـ”بانتسير” أن يوفر الحماية من هذا النوع من الطائرات المسيرة التركية، وشقيقاتها، ولكن الأتراك ما زال بامكانهم إرباك الموقف من خلال ورقة رابحة، تتمثل بطائرات من دون طيار الرباعية المروحيات من طراز “كارغو”.

قد يبدو هذا الطراز تافهاً إذا ما نظر إليه باعتباره مجرد طائرة صغيرة بطيئة ذات نطاق قصير، لكن خطورتها تكمن من أنها طائرة “انتحارية” يمكن الدفع بالعشرات أو ربما المئات منها في المعركة، وهي رخيصة بما يكفي لانتاج الآلاف منها. هذا الواقع يلقي بتحديات كبيرة على المنظومات الدفاعية القائمة، بما في ذلك “بانتسير”، وفق معادلة بسيطة:  اذا كان الدفاعات الجوية قادرة على القاء مئة صاروخ، يمكن في هذه الحالة اطلاق 150 طائرة مسيرة انتحارية في الهجوم، أو على سبيل المقارنة إذا كان من الممكن ضرب طائرة “كبيرة” مثل “بيرقدار” بعشرات الصواريخ، فإنّ ضرب “الأطفال الانتحاريين” على شاكلة “كارغو” بالمئات لاسقاطها.

حتى الآن، لا يمثل هؤلاء “الأطفال” خطراً داهماً، ولكن الأمر قد يختلف في المستقبل القريب، في ظل الطفرة الهائلة التي تشهدها صناعة الطائرات من دون طيار، سواء في تركيا أو غيرها من الدول، ما يستدعي التعامل مع الموقف بدمج منظومات دفاعية جديدة مع تلك القائمة، من قبيل منظومة “ديريفاتسايا – 2أس38” التي كشفت روسيا عن نماذج لها في العرض العسكري الأخير، وهي مركبة ذاتية الدفع مزودة بمدفع آلي عيار 57 ملم ومعدات استطلاع وتتبع للهدف، وقد صممت لإسقاط المركبات الجوية من دون طيار والمروحيات وصواريخ “كروز”، ومجهزة بنظام تصوير حراري وأجهزة ليزر لتحديد المدى وكنظام توجيه.

ما سبق يشي بأن العالم قد دخل في مرحلة سباق عسكري من نوع جديد – تكنولوجي هذه المرة. هذا ما كشف عنه على الأقل العرض العسكري الأخير في موسكو، الذي كان أبرز نجومه تلك المنظومات الدفاعية المصممة لمواجهة اللاعبين الجدد في ميادين الحروب: الطائرات المسيّرة سواء المنتمية إلى فئة “البالغين” أو فئة “الأطفال”.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course