حكومة “القرصة الأخيرة”.. والوجع الاكبر

"السياسة هي اقتصادٌ مكثّف"(لينين).  من لا يفهم في الإقتصاد، عليه أن يستقيل من السياسة. من لا يقيم إعتباراً للعلاقة بين الإقتصاد والسياسة فهو مراهق في أدائه السياسيّ.

السياسيون المصدومون من الوقائع الإقتصادية والمالية لم يقاربوا الواقع في يوم من الأيام إلا من زاوية البقاء في السلطة. جُنّٰ جنونهم يوم أحسّوا أن ما كسبوه في الانتخابات، قد يخسرونه بسهولة في الشارع. هذا جلّ تفكيرهم. ما أدركوا يوماً أنهم عاجزون، وبحكم الواقع، عن تحمل أية مسؤولية. وما أدركوا أنّٰ بقاءهم في سلطةٍ عاجزة تكوينياً عن تقديم حلول في هذه المرحلة العصيبة، لن يورّثهم خسران مجد السلطة واكتساب اللعنات في الحاضر فحسب.. بل سيلبسهم تاريخاً من العار ستدوّنه الكتب. والأنكى، سيبرئ خصومهم نوعاً ما من أية مسؤولية عن الإنهيار.. وها نحن نراهم اليوم خارج السور يحاضرون في العفة!

ينحصر التفكير حول علاقة الإقتصاد بالسياسة عند كثيرين بفكرةٍ بسيطة عامة، وهي أن حروب الدول قد تتخذ أشكالاً اقتصادية. ترى هؤلاء ضليعون مثلاً في الكلام عن الربط ما بين تواجد النفط والحروب العسكرية. ما بين العقوبات الاقتصادية والمواقف السياسيّة. لكنّهم قلّما يقيمون وزناً للترابط العميق ما بين الاقتصاد والسياسة داخل دولهم. بل على العكس، كرّسوا الفكرة البديلة التي توحي بأن الإقتصاد تخصص رياضيّ لا بد من تعزيز غربة الناس به! وقد بذلوا جهداً في سبيل تكريس فكرة قوامها أنّ الإقتصاد هو إقتصادٌ صرف، لا هو بالسياسيّ، ولا هو بالإجتماعيّ. في حين أن الاقتصاد هو على العكس من ذلك تماماً، وأنّٰ النّظريّات الإقتصادية هي في طبيعتها نظريّات سياسيّة إجتماعية.. وقد عمل البعض على تعزيز مبدأ أن النيوليبرالية هي نظرية تهدف إلى إبعاد تدخّلات الدّولة عن الإقتصاد بغية تكريس السوق الحرة، غير أن تتبُّع تطبيقات النيوليبرالية يجعلنا نكتشف وبسهولة أن ما يحدث هو عكس ذلك تماماً.

إكتشفت أحزابٌ بعينها راهناً أن الإقتصاد عاملٌ مهم في السياسة الداخلية. نعم، اليوم إكتشفت ذلك، بعد أن كانت مقتنعة أن الاقتصاد من “إختصاص” المصارف والهيئات الإقتصادية. أحزاب كانت غريبة عن هذا الفاعل الأساس داخلياً، في حين كانت ولما تزل تحدّث عنه وتقيم له الإعتبار كفاعل في السياسات الخارجية للدول.

منذ سنوات عدة، كتب الأستاذ نصري الصايغ في جريدة “السفير” الجملة الآتية: “الخارج موجود دائماً، إنما الأولوية دائماً للداخل. إهماله يعمي البصر وتعظيم الخارج يعمي البصيرة”. لقد عميت الأبصار والبصائر عن هذه العلاقة ما بين الإقتصاد والسياسة بسبب إعمال الداخل لصالح الخارج. وإلى حد اليوم، ما يزال كثيرون يعمّمون كلاماً واحداً قوامه أن أميركا هي المسؤولة عما يحدث في لبنان (الحصار الأميركي طبعاً يزيد الطين بلة ويفاقم الأزمة، لكن المسؤولية والأسباب لبنانية بإمتياز)، وهم بهذه الطريقة يخدمون حجة المناهضين لسلاح حزب الله، الذين باتوا يعتقدون أن سلاحه هو السبب في كل ما يحدث على الساحة اللبنانية، وهم يقفزون عن حقيقة راسخة أن الزعماء الذين يوالونهم منذ عقود، ومعظمهم من أركان النظام، يتحملون المسؤولية الكبرى عما آل إليه النظام الإقتصادي والمالي والنقدي من حائط مسدود.

السبب الأساس في خوف بعض الزعماء اليوم يتأتى من إدراكهم أنهم لن يستطيعوا إطعام محازّبيهم ومناصريهم بعد فترة. وهنا، سيكون المسرح مفتوحاً على خطابات قيمية لا مثيل لها. سيصبح الزعيمُ شيخاً صوفيا يبشر بقيم الزّهد، والصبر، والتكافل

هكذا، يصرّ السياسيون على أن يهربوا من أصل الأزمة، عبر إفتعال ساحة أزمة جديدة يعتقدون أنه بمقدورهم أن يلعبوا فيها ببراعة.. وهي ساحة تحويل الأزمات ذات العناوين التفصيلية الخاصة إلى كونها مواد صراعات مرتبطة بتوازنات خارجية عامة.. بهذه الطريقة وحدها يستطيع الواحد منهم أن يسجل إنتصاراً على الآخر، وأن يؤجج عنصر الإنقسام بين اللبنانيين، لتغدو مشكلة “الخوف من الإقتتال – أي الأمن” أقوى من أية مشكلة أخرى، كتحسين الوضع الإقتصادي والحؤول دون الإنهيار التام. وبهذه الطريقة يتم إلهاء المواطن عن واقعه. والإلهاء قد يكون أفضل وسيلة للتجهيل.. تجهيل الناس عن واقع مستقبلهم وما هم مقبلون عليه، وتحويل جل همهم ألا يجوعوا وألا يفرط البلد بين أيديهم، أي معادلة الأمن والأكل فقط لا غير!

وهنا سيسجل الزعماء “إنتصاراً جديداً”، عندما يعمل كل زعيم من أجل إطعام جماعته ليعزز الولاءات والعصبيات. ولعل السبب الأساس في خوف بعض الزعماء اليوم يتأتى من إدراكهم أنهم لن يستطيعوا إطعام محازّبيهم ومناصريهم بعد فترة. وهنا، سيكون المسرح مفتوحاً على خطابات قيمية لا مثيل لها. سيصبح الزعيمُ شيخاً صوفياً يبشر بقيم الزّهد، والصبر، والتكافل، ويبيع لشعبه مخدراتٍ على شكل نصائح دينية، ومن سيموت جوعاً سيترحمون عليه ويحسبونه شهيداً في سبيل الله، ومن يصبر، سيقولون له أنه نجح في إمتحان “الجهاد الأكبر”. لا بل إنهم سيبدعون في خطاب اللغة الإيجابية على طريقة الدكتور إبراهيم الفقي. ربما سيشاهدونه كثيراً في هذه المرحلة، حتى يتعلموا منه فنون “التنمية البشرية” الخطابية.. (تعويم لغة الإيجابيات وتقزيم لغة السلبيات).

“كذب الظّنّ لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء”. قالها أبو العلاء المعري يوماً.. عندنا، وبرغم العوامل الداخلية (فشل النظام برمته) والخارجية (إستخدام لبنان ساحة رسائل وإشتباكات)، فإن ذلك لم يحفّز أهل السلطة أن يستخدموا العقل صبح مساء، وأن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية تجاه شعبهم. ثمة من كان ينبّه كل المعنيين، منذ سنوات، إلى ما سيحدث، لكنّهم أغمضوا عيونهم، ليركزوا على كيفية حماية مناصبهم وزعامتهم.. الكل في لبنان تنطح بشعار مكافحة الفساد. بعضهم قال “حاولنا لكن ما خلونا”. بعضهم قال لبنان هو هو لن يتغير.

يقول الشهيد االفلسطيني غسان كنفاني “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغيّر القضيّة”. بلى. إذا كانت قضية محاربة الفساد تفشل دائماً بحجة الصيغة اللبنانية الكيانية ونظام المحاصصة، فإن القضية التي يجب أن تبقى، أي قضية محاربة الفساد، ولا بدّ، وفق معادلة كنفاني، تغيير أدواتها. وهذا التغيير مقدور عليه طبعاً متى توافق اللبنانيون على عقد إجتماعي جديد..

علينا، في هذا الظرف التاريخيّ، أن نعترف أن لبنان الميثاق الوطني كان كذبة كبيرة، وأن نخترع حاضراً جديدا لنؤسس لمستقبل جديد.. أو لنقرر بكامل وعينا أن نبقى مجرد بيادق في لعبة الأمم، وأشخاصا يعيشون في الكهوف التاريخية، لا شغل لهم سوى التذمّر والبكاء وإلقاء اللوم على الآخرين ولعب دور الضحية.

لا مفر من البحث عن صيغة جديدة، وحسناً أن يفعلها اللبنانيون “على البارد” بدل إنتظار خارج لا يقيم وزناً للبنان حالياً… أو ربما يكون قد إحترق البلد عندما يقرروا وضعه على جدول أعمالهم.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download