روسيا وتركيا وآيا صوفيا.. الدين وأشياء أخرى

نعم، إن قرار تحويل متحف آيا صوفيا، الذي كان كاتدرائية، إلى مسجد، يحمل في طياته معانيَ تخالف القيم الإنسانية التي يحترمها الدين الإسلامي، والتي أسس لها العرب والمسلمون جذوراً راسخة في ثقافتهم، التي تدعي تركيا أنها أحد رعاتها اليوم. نعم، إن قراراً كهذا يتيح المجال للكيان الصهيوني بأن يستبيح المقدسات الاسلامية والمسيحية في فلسطين بحجة حقوق الدولة التي تخص المباني على أراضيها.

القرار أحدث شرخاً “جديداً” بين أبناء الديانات السماوية على هذه البسيطة، فرغم أن العقود الماضية شهدت تقدماً علمياً، إلا أنها شهدت أيضاً ردة نحو الأديان، بطريقة لا تملأ الروح بقيم الخير والمحبة، بقدر ما تفيض بقيم الأنانية والتملك والكراهية.

هكذا، فرح المسلمون البسطاء، ممن لا يمتلكون أدوات النقد والتحليل، بأنهم أضافوا مسجداً جديداً إلى مساجدهم التي لا تعد ولاتحصى.

لكن السياسة لا تعترف بالأديان وإن اتخذتها أداة لها، وكلمة الفصل هنا دائماً للمصالح.

تركيا واليونان، هل تكون كلمة الفصل لروسيا؟

تحاول وسائل إعلام عديدة تسليط الضوء على الخلافات بين روسيا وتركيا في الآونة الأخيرة، ولعل قضية آيا صوفيا كانت دليلا لدى البعض على ذلك، اذ رأى الجميع أن ثمة شرخاً بين روسيا وتركيا بسبب القرار التركي، خصوصاً أن في روسيا أكبر عدد من المسيحيين الأرثوذوكس، وهي ترى نفسها راعية الأرثوذوكس في العالم.

لكن رد الفعل الروسي على الخطوة التركية الأخيرة جاء مغايراً، وهو تمثل في إعلان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين بأن قرار أنقرة بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو شأن داخلي لتركيا، في ما يناقض رد الفعل اليوناني الرافض، إذ صرح وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس بأنه من “الخطر” اعتبار تحويل “آيا صوفيا” في إسطنبول إلى مسجد.

ما سبق يجعلنا نشتم رائحة الغاز الطبيعي في هذا الصراع الذي تبدو ملامحه دينية، لكن ساحته وإن بدت للعيان بأنها ردهات آيا صوفيا، إلا أنها في الواقع تشتد على ضفاف المتوسط.

على صفحات البحر المتوسط تمتد وستمتد صراعات عديدة، عنوانها وهدفها الأول والأخير هو الغاز الطبيعي، وقد تكون الأديان إحدى الواجهات لهذه الصراعات.

لا بد من الإشارة إلى أنه وبعد صمود سوريا بمعونة حلفائها تمت حماية مصالح روسيا عبر منع مد أنبوب الغاز الطبيعي من الدول العربية عبر سوريا إلى أوروبا، لتتجه روسيا نحو البحر الأبيض المتوسط الذي بات يشكل مطمعاً وتحديداً لتحالف إسرائيل واليونان وقبرص، وإن هذا التحالف بالدرجة الأولى يهدد مصالح روسيا، إذ تتطلع الدول الثلاث إلى إنشاء خط غاز من اسرائيل وحتى قبرص ومن ثم اليونان ليتم إيصاله أخيرا الى أوروبا، ما يهدد مصالح الدب الروسي.

“ما محبة إلا من بعد عداوة”

 

ينطبق هذا المثل الشعبي على العلاقات الروسية التركية في العشر سنوات الأخيرة، ولعل العلامة الفارقة لهذه العلاقة كانت الانقلاب الفاشل في تركيا صيف العام 2016. لقد وجدت تركيا – راعية جماعة الإخوان المسلمين وهم أعداء سوريا، وأعداء الاتحاد السوفياتي أمس، وأعداء روسيا اليوم – وجدت نفسها محاطة بحماية ودعم حلفاء سوريا حينها.

امتدت التناقضات التي حملتها الأزمة السورية في رحمها، حتى تجذرت في علاقات الحلفاء والأعداء، وهذا هو شأن السياسة، فهل فعلاً يرى رجب طيب أردوغان نفسه فعلاً كما يراه البُسطاء العرب، راعياً للإسلام وخليفتهم الحالي؟ حتماً هو يرى الواقع كما هو وليس مزيناً بتُقْيَة الأديان، وهو يعلم جيداً أن بيده ورقة رابحة تتمثل في بلاده التي تعدّ جسراً بين روسيا وأوروبا، ولقد قطف القيصر بوتين هذا “الكارت” في مطلع هذا العام عندما دشن هو وأردوغان خط “السيل التركي” ما مكن روسيا من تقليص دور أوكرانيا كممر لا بد منه للغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا.

يأتي ذلك في وقت موسكو تتطلع لذلك اليوم الذي تبتعد فيه تركيا عن حلف الناتو وتغرق في حضن الدب الروسي أكثر فأكثر.

تعامل روسيا الهادئ نسبياً مع قضية آيا صوفيا، وحنق اليونان على ذلك مؤشر يحمل أبعاداً اقتصادية تكاد تكون أهم من الأبعاد الدينية

وهذه المحبة التي تلت كل تلك العداوات، تفتح الباب على تساؤلات عديدة على رأسها، ما هو مصير الإسلام السياسي الذي ترعاه تركيا متمثلاً بجماعة الإخوان المسلمين التي احتفظت بعداء سافر ودائم سواء للاتحاد السوفيتي بالأمس أو لروسيا بوتين اليوم؟ وماهو مصير الملفات السياسية المتناثرة في أرجاء الاقليم، إذ نجد تركيا في ليبيا وفي شمال سوريا؟

من يعتقد ان تركيا تناقض المصالح الروسية في ليبيا فهو مخطئ، إذ أن مصلحة روسيا ليست مع أي طرف ليبي، لكنها مع عدم تقسيم ليبيا، وبتوازن القوى فيها للتوصل الى الحل السياسي، إذ تشكل ليبيا مصدر خطر لمصالح روسيا الاقتصادية إن تعرضت للتقسيم، وهناك يشتد الصراع بحجم حاجة الغربيين لمصادر غاز وطاقة تغنيهم عن روسيا، وتشتد الصراعات كذلك بحجم حرص الدب الروسي إلى تغيير قواعد اللعبة بما يضمن شدّ كل الأطراف وضمها إلى حضنه هو فقط.

بالتالي فإن الحجم الطبيعي لخليفة المسلمين أردوغان، إنما هو حجر شطرنج رابح بيد قيصر روسيا، لا أكثر ولا أقل، وإن سعادة المتطرفين المسلمين البسطاء بأن مساجدهم إزدادت واحداً ستكون منقوصة، إذا تمكنوا من رؤية الجانب الآخر من الصراع.

هل تغرق تركيا في حضن الدب الروسي؟

في دراسة إسرائيلية صادرة عن “معهد بيغن والسادات” تحمل عنوان “خمسة أسباب توضح لماذا سيخسر الغرب تركيا”، يشير الباحث فيها إلى أن “أنقرة التي كُنّا نعرفها سابقاً لم تعد موجودة”، ويشرح “على الرغم من اعتراضات الناتو وتحذيرات الولايات المتحدة، فقد حصلت أنقرة على النظام المضاد للطائرات المتقدم S-400 من روسيا، ورداً على ذلك ألغت واشنطن المشاركة التركية في برنامج F-35″، ويضيف أنه “في الحلقة الأخيرة من سلسلة هذه الملحمة، حكمت المحكمة التركية على موظف في قنصلية الولايات المتحدة الأميركية بالسجن لمدة تسع سنوات تقريباً لمساعدته حركة غولين. وتصرف الرئيس أردوغان بطريقة فيها تهديد حيال الاتحاد الأوروبي، عبر تسليح اللاجئين المسلمين والمهاجرين. كما أرسل تهديدات مباشرة إلى اليونان بالاضافة إلى العداء المتوالي لإسرائيل”.

وقبل أن يستعرض الباحث الأسباب الخمسة، فإنه يلجأ إلى الخلفية التاريخية في السياسة الأميركية التي تقوم على متلازمة “من أضاع تلك البلد؟”، إذ يقول الباحث “وطَرْحُ هذا التساؤل بدأ مع إدارة ترومان، التي فشلت في منع سيطرة الشيوعيين على الصين عام 1949. ثم تم لوم الرئيس كينيدي على نصر فيديل كاسترو في كوبا عام 1959. وشهدت إدارة نيسكون انهيار جنوب فيتنام في عام 1975، ولم يتمكن الرئيس كارتر من حماية شاه إيران من الثورة الإيرانية”.

وأمام تلك الحقائق التاريخية، يُلمح الباحث إلى احتمالية ضياع تركيا من يد الولايات المتحدة عندما يقول “إن العديد من صناع السياسة الجمهوريين والديمقراطيين الأميركيين على حد سواء يرفضون قبول هذا الأمر الواضح وهو أن تركيا تتأرجح بعيداً عن الغرب”.

ومن أبرز الأسباب التي عرضتها الدراسة أن “تركيا ترى أنها غير مضطرة لاتباع مسار مؤيد للغرب في ظل عالم ترامب المتمثل بالانحياز التكتيكي وعدم اليقين الاستراتيجي، وذلك في ظل الانحسار التدريجي للولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط وعودة روسيا مجدداً، غيرت ديناميكيات الأمن الاقليمي”.

كما تعتبر الدراسة أن العلاقات التركية المتنامية مع روسيا ليست تكتيكية ولا عرضية. وتبين الدراسة أن تركيا قد لا تتوجس من القوة العسكرية الروسية، موضحة بأنه “محتّمٌ على روسيا التركيز على منطقة القطب الشمالي. وذلك بسبب التغير المناخي”، بالتالي فإن “موسكو ليست بحاجة للوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط. وقد سمّى بوتين القطب الشمالي بأنه (المنطقة الأهم لإقامة مستقبل روسيا)”.

ولا بد من التوقف عند الفكرة الأخيرة التي توردها الدراسة، إذ أن موسكو التي لا تتطلع للوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط إلا أنه وفي ضوء كل الوقائع السياسية لن تسمح بوجود تهديد لاقتصادها عبر هذا البحر. لذا فإن الدراسة الاسرائيلية تسوّق للغرب الحل الأمثل للتصدي لخطر ابتعاد تركيا عن الغرب إذ تقول بأنه لا بد “من التحضير للسيناريو الأسوأ، في حال اختارت تركيا التحالف المناهض للغرب في المستقبل القريب، لحسن الحظ، هنالك ثلاث دول في شرق المتوسط يمكنها أن تعمل كمعقل للديمقراطية والقيم الغربية. اليونان، إسرائيل وجمهورية قبرص ولدى أميركا فرصة جيدة للاحتفاظ بنفوذها في الإقليم”.

كل ما سبق يجعل من تعامل روسيا الهادئ نسبياً مع قضية آيا صوفيا، وحنق اليونان على ذلك مؤشراً يحمل أبعادا اقتصادية تكاد تكون أهم من الأبعاد الدينية.

رانية الجعبري

صحافية وقاصة من الاردن

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free