شُكراً أيّها الرّب: حُكّامُنا يسندون السماء بجرائمهم!

 كان يا ما كان في قديم الزمان، أبحرت سفينة كبيرة في عباب البحر، وعلى متنها بضائع وركّاب كثيرون. فإذا برياحٍ عاتية تهبّ على هذه السفينة فتقلبها رأساً على عقب، وتُغرِقها مع حمولتها. لكنّ ناجياً وحيداً خرج من بين المنكوبين. لقد قذفته الأمواج إلى جزيرةٍ مهجورة. وما أن أفاق هذا الرجل من غيبوبته والتقط أنفاسه، حتى جثا على ركبتيْه متضرِّعاً للربّ كي ينقذه من محنته. لكن، لم تُستَجَب دعواته.

دارت الأيّام، والرجل يقتات من ثمار الأشجار وصيْد الأرانب البريَّة، ويشرب من نبعٍ قريب، وينام في كوخٍ بناه من غصون الأشجار. وذات يوم، وضع طعامه لينضج على نارٍ أشعلها بأعواد الخشب، وخرج يتجوّل في الجزيرة المهجورة. حينما عاد، فوجئ بأنّ النيران التهمت كلّ شيء، حتى كوخه الصغير. فبدأ يتفجَّع ويسأل الله، “لماذا.. لماذا أنزلت بي كلّ هذا الويل؟” ونام المسكين ليلته في العراء حزيناً خائفاً جائعاً، ليستفيق صباحاً مع مفاجأة تنتظره. رأى سفينةً تقترب من الجزيرة، وتُنزِل قارب نجاة وتنقذه. صار يرقص فرحاً ويسأل البحّارة: “كيف وجدتموني؟” فأخبروه أنّهم رأوا دخاناً كثيفاً ينبعث من الجزيرة، فتوقّعوا أنّ يكون أحدهم يطلب النجدة. وهذا ما كان. إنّها حكاية المثل الشعبي القائل “رُبّ ضارّةٍ نافعة”.

حُكَّامنا في لبنان يلهجون بهذا المثل، مذْ دمّرونا بنيترات الأمونيوم. كأنّهم وجدوا في “ضارّة” الانفجار “نافعة” لهم. “يتلقّطون” به، كالطفل الذي يتلقّط بلعبته ولا يتركها. وهم يلهون بالانفجار، فعلاً، كاللعبة؛ فيقومون بتوقيفات شكليَّة على ذمّة التحقيق. ويتحاورون بسجّلاتٍ ودعاوى لرفع المسؤوليَّة عن مرتكبي الجريمة الحقيقيّين. ويتبادلون بالـ ping-pong المراسلات القضائيَّة بين الدوائر المعنيَّة. ويبدِّدون الجهد لمحو آثار الجريمة من المرفأ ومن مكاتب الوزراء والعسكريّين والقضاة. ويتلهُّون بدفْع أرجوحة أسماء المحقّقين العدليّين على خطّ وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى. ويهدرون الساعات والأيّام وأعصابنا بكلامٍ بلا معنى. هل عرف أحدٌ “المسؤول” عن جريمة العصر اللبناني؟ كلا. ولن نعرف، على الأرجح.

لكنّنا نعرف بالتأكيد، ويا ليتنا لا نعرف، أنّ حُكَّام بلدنا قَتَلة وهم “على كلّ الجرائم قادرون”. لذا، لا نثق بهم ولا بأيّ شيء يصدر عنهم. بلى، عفوكم. نثق بتفوّقهم في الفساد والإفساد. ونثق بموهبتهم في القمع والسحْل وزهْق الأرواح، بل ودفْنها حيّةً في الأرض. ونثق، كذلك، بتصميمهم العنيد على الحفر في الحضيض اللبناني. وهم اليوم، يتوسّعون في عمليّات الحفر. وباتوا يستجلبون حفّارات الأمونيوم ليحفروا القبور. ألمْ تروهم كيف نزلوا بنا 43 متراً في هذا الحضيض (وفق تقديرات خبراء فرنسيّين في الحرائق)، دفعة واحدة؟ ونسألك أيّها الربّ: لو لم يكن لدينا هكذا حُكَّام ومسؤولون، هل كان ليحصل هذا “الإنجاز” في مرفأ بيروت؟ لا جواب.

في هذه الأيّام العصيبة التي تتأسّس فيها الأوطان أو تخرب، ما زال حُكَّامنا يظنّون أنفسهم أبطالاً يسندون السماء برؤوسهم

غير أنّ مهازلهم لم تتوقّف بعد. فما شهدناه من مآثرهم، في الأيّام القليلة الماضية، وصل إلى الذروة. أي، كما يقول أصدقاؤنا الفرنسيّون العائدون إلى نجدتنا C’est le comble. فحال بلدنا الذبيح على أيدي حُكَّامه، يذكِّر برواية غابريال غارسيا ماركيز “الاستسلام الثالث”. رجلٌ ميْت لا يتوقّف عن النمو في قبره، ما يُجبر المحيطين به على قصّ شعره وحلْق ذقنه باستمرار. ويظلّون على هذا المنوال، إلى أن يذوب الميْت في إفرازات جسده العفن، بالكامل. هذا هو حالنا معهم. ومَن يعتقد أنّ شيئاً يمكن أن يتغيّر في هذا البلد بوجودهم، فهو واهمٌ ويُخطئ كثيراً.

ففي هذه الأيّام العصيبة التي تتأسّس فيها الأوطان أو تخرب، ما زال حُكَّامنا يظنّون أنفسهم أبطالاً يسندون السماء برؤوسهم! وفي هذه اللحظات المفصليَّة التي يمرّ بها البلد، يعتقدون أنّ تصريحاتٍ على شاكلة “لا أعلم” أو “لم أكن أعلم” أو “لو كنتُ أعلم”، إنّما هي منتهى الحذاقة و”التكتكة” في السياسة! أيُعقل؟ نعم.

فمع كلّ نكباتنا وخساراتنا وانتكاساتنا، ينصرف أسياد هذا النظام إلى ألاعيبهم بالأرانب. فيُخرِجون من قبّعاتهم، حِكَماً وتنبّؤاتٍ ودعابات أيضاً: “نحن لا نغطّي فاسدين”، “سنرفع الغطاء عن هذا الوزير وذاك الموظّف”، “مَن يجد فاسداً في صفوفنا فليدلّنا عليه”، “اكتشفنا مؤامرات للإطاحة بالمجلس النيابي”، “إنّها معركة إسقاطنا”… وهكذا. هكذا هو حالهم، منذ زمنٍ طويل. وهكذا هو حالنا معهم، منذ زمنٍ طويل كذلك. لكنّ سؤالاً محيِّراً يضجّ في معظم الرؤوس اللبنانيَّة:

إذا كان أمثال حُكَّامنا لا يمرّون في العمر إلاّ مرّةً واحدة، فلماذا اختارنا الله، نحن اللبنانيّين بالذات، كي يمرّوا في عمرنا؟ خصوصاً، أنّ الأثر الوحيد الذي يتركه مرورهم في حياتنا، يقتصر على ترْكهم بصمات جرائمهم (التي يحاول فسادهم محوها). ربّما لا يعرف إخواننا العرب (وغير العرب)، أنّنا نعيش في لبنان فراغاً سلطويّاً مدويّاً ومستداماً. بالمختصر، لا سلطة في بلادنا ولا سلطات. لكنّ الغريب، أنّنا لا نشعر بأيّ فراغ. فلا الشغور الرئاسي أشعرنا يوماً بحاجتنا إلى رئيس. ولا الفراغ الحكومي أشعرنا يوماً بحاجتنا إلى رئيس حكومة. ولا تعطيل البرلمان حرّك فينا يوماً الشوق للنواب، أو لرئيس مجلس النواب (الذي لا يترك لشوقنا متنفَّساً). في هذا اللاشعور حيال هذه الفراغات تكمن المفارقة العظمى التي تملؤنا حبوراً. ويتساءل المرء: ما هي هذه السلطة التي لا يحتاجها أيّ لبناني؟ إنّها المعجزة بذاتها! لكن، على ماذا يصرف مَن وُلّوا أمرنا الوقت والمال؟

إنّما للأمانة، نحن نبحث عنهم، دائماً، وعن وقتنا ومالنا المهدوريْن. نبحث عن “حُكَّام”، فلا نجد إلاّ قُطّاع طرق منتشرين على مفارق الحكم. نبحث عن “مسؤولين”، فلا نجد إلاّ عاجزين تُغرِقهم “شتوة” صغيرة في قعر بحر الأزمات، وكما يقول جورج برنارد شو الكاتب والفنان الإيرلندي الشهير “إنّ مأساة العالم تقع عندما تستقرّ السلطة في أيدي العاجزين”. ونستأنف بحثنا. نبحث عن “حكماء”، فلا نجد إلاّ تافهين يرتعون في كلّ المؤسّسات والمرافق والدوائر. نبحث عن “القضاء” فلا نجده، وإذا وجدناه نجده قد وضع نفسه ووضعوه في موقع الشبهة. نطالب بتحقيقٍ دولي، فنتذكّر أنّه تضييعٌ للوقت. نطالب بتحقيق الدولة، فنوقن أنّه تضييعٌ للأدلّة! نبحث عن “الإعلام” أداةً لطلب العدالة، فإذا بمعظمه يتحوّل إلى أداةٍ للثأر!

ثمّة مهازل يا أصدقاء، يرتكبها سياسيّونا في الحكم وخارجه. مهازل ستُبكينا دماً إذا لم تتوقّف أو نوقفها، بأسرع وقتٍ ممكن! هل هذا ممكن؟

لماذا تقسو علينا الحياة إلى هذا الحدّ؟ فإذا كانت هكذا هي حياتنا، فكيف سيكون موتنا، إذن؟ يسأل اللبنانيون ولا من مجيب على سؤالهم. وفجأة يتناهى إليهم صوتٌ من بعيد. في هذا الصوت نبرةُ ابتهال يشكر الربّ على هديَّة الأمونيوم ويقول: “رُبّ ضارّةٍ نافعة لنا”. اسمعوا حُكَّامنا في أوكارهم يبتهلون:

شكراً لك يا الله على عطاياك؛ فرُبّ جريمةٍ بهذه الجسامة ستخفي جرائمنا الصغيرة؛ رُبّ حريقٍ بهذه الضخامة سيتلف وثائق تُورِّطنا؛ رُبّ دخانٍ بهذه الكثافة سيحجب ملفاتٍ هدّدونا بفتحها (تُسمّى عادةً “الملفات القذرة”)؛ رُبّ دمارٍ بهذا الحجم سيطمر مخالفاتٍ قمنا بها مباشرةً أو بواسطة الأيدي التي تصفِّق لنا في كلّ المناسبات؛ رُبّ موتٍ بهذا الهول سيحبط كلّ مَن يُظهِر لنا العداء؛ رُبّ دماءٍ بهذه الغزارة ستجرف معها كلّ مطالَبةٍ بمحاسبتنا؛ رُبّ فوضى بهذا الزخم ستسوِّغ فرض حالة الطوارئ والقمع في البلاد؛ رُبّ حقدٍ بهذه الحدّة سيوفِّر فرصةً للعسكر والأمن كي يبطشوا بالثوّار؛ رُبّ ترويعٍ للمحتجِّين سيفتح الساحات أمام القمصان السود كي تزيد الترويع ترويعاً؛ رُبّ شائعاتٍ عن تفجيراتٍ ضخمة مقبلة ستخيف الناس وتجبرهم على ملازمة بيوتهم؛ رُبّ هلعٍ نزرعه في النفوس من فتنٍ ستشتعل (في حال تجرُّؤ القضاء علينا) سيردع كلّ مَن يفكِّر بمحاكمتنا أو حتى مساءلتنا؛ رُبّ تضخيمٍ لآثار زلزال بيروت الكارثيَّة على اقتصادنا ونظامنا السياسي سيعيد الاهتمام العربي والدولي بدعمنا مالياً؛ رُبّ تيئيسٍ بهذا العمق لأهل بيروت سيجبر أصحاب البيوت المتضرِّرة على بيع سماسرتنا لبيوتهم لنعمِّر مكانها “سوليديرات” جديدة؛ رُبّ إطاحةٍ بحكومة حسان دياب (حكومتنا) ستفدينا جميعاً؛ رُبّ دورانٍ دائم في حلقة السياسة المفرغة ستنبِّه هذا الشعب لأهميَّة “حنكتنا السياسيَّة” وفرادتها في محو الدلائل والقرائن الجرميَّة لكلّ جريمةٍ من جرائمنا! هل من “رُبّات” أخرى؟ ربّما سنعرف في القادم من الأيّام.

بعد “نكبة آب”، يهمس محتلّو السلطة اللبنانيَّة همساً بمرادفات “رُبّ ضارّةٍ نافعة”. هم يخجلون أن يقولوها بالصوت المسموع. ويستحيون أن يرقصوا فرحاً لما حصل (مثل رجل الحكاية الذي بدأنا معه هذه السطور). ويتهيّبون من الإفصاح عن ماهيَّة منفعتهم التي انبعثت مع دخان بيروت الأسود. لكنّ رئيس بلادنا ألمح إلى بعضها، من دون أن يقول. ألم يقلْ عندما استفاق بعد يوميْن على مفاجأة المساعدات العربيَّة والغربيَّة (مثل سفينة إنقاذ رجل الحكاية إيّاها)، ها هي طائرات الإنقاذ تأتي إلينا وتفكّ حصارنا؟ بلى، قالها. وهذا، على كلٍّ،  كلّ ما فهمه رئيسنا، من “شيفرة” رسالة المساعدات الآتيَّة إلى المنكوبين. لذا، نصحه مستشاروه بأن يبرِّئ نفسه سريعاً أمام الشعب. فدعا حشداً من الصحافيّين إلى القصر، وفعل ما نصحوه أن يفعل. أي أن يقول أمامهم للمواطنين ما مفاده، “رُبّ ضارّةٍ نافعة”. بمعنى أدقّ، “رُبّ ضارّةٍ لكم نافعة لعهدي”. وكأنّني أسمعه يصرخ بجملته هذه، بوجه شعب لبنان العظيم، مثلما كان يصرخ صرخته الشهيرة ذات زمن. يا إلهي، لم نعُد نحتمل هذا النوع من الصراخ! كيف سنتحمّلهم؟ وكيف سنستطيع هضْم هذا الكمّ من ذكاء حُكَّامنا الذي نبتلعه، يوميّاً، مع كلّ وجبة طعام؟ ما العمل؟ نحتاج إلى مَن ينتشلنا من هذه الوحول.

كلمة أخيرة. بوجود حُكَّامه، لبنان مُرشَّح إلى قدْرٍ كبير من التأزُّم السياسي. ونستطيع رؤية نُذُر هذا التأزُّم بسهولة. ليس هو التأزُّم الروتيني الخاصّ بعلاقات الرؤساء. ولا هو ذاك المرتبط بالسياسات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في البلاد. ولا يرتبط التأزُّم الحالي بدهاليز القرارات أو بقضايا التعيينات. كلّ ذلك تراجع بعد فاجعة بيروت، ليتقدّم ما له علاقة بتجدُّد “انفتاح” لبنان على التجاذبات الدوليَّة والإقليميَّة مع كلّ المهازل التي ترافقها. فثمّة مهازل يا أصدقاء، يرتكبها سياسيّونا في الحكم وخارجه. مهازل ستُبكينا دماً إذا لم تتوقّف أو نوقفها، بأسرع وقتٍ ممكن! هل هذا ممكن؟ إقتضى السؤال.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course