“أسطورة” فيروز.. و”هروب” ماكرون!

لفيروز أن تكون أيقونة عند عشاقها، وهم جمهور لبناني وعربي، ولفيروز، خاصة عندما تقف في الصورة قبالة إيمانويل ماكرون، أن توضع على مشرحة النقد.

ليس في وارد هذا التعليق، الحديث عن فن فيروز في حدّ ذاته، إلا ما كان منهُ لِماماً، ذلك أنّ المسألة متروكة لنقاش النقّاد الموسيقيين على ندرتهم في بلادنا، شريطة أن يتفلّتوا من عقال السائد وتأثيرات “الأسطرة”، وزخم الخلط الكبير بين وطنٍ محبوبٍ وشخصٍ موهوب! هذا “الخلط” تأدّى عنهُ استهانة غير مقصودة ببلادٍ فيها من كل شيّء، وفنٍ فيه من شيّء واحدٍ فحسب، تكاد مغنّيتهُ أن لا تأتي بجديدٍ يخرجُ عن نطاق المتوقّع لتخوم فنّها وحدوده المنظورة، إذ يستلهمُ هذا الفن في جزءٍ منهُ، ألحاناً غربيّة ذائعة، ويستخدمها في كلماتٍ تحكي قصصاً ريفيّة في غالبها الأعمّ، فبدا اللحن، على غرار ذلك، مركزياً بينما تراءى الكلام طرفياً. قد يقع ما تقدّم، في دائرة الرهان الصعب الذي نجحت فيروز والرحابنة في تجسيده واجتيازه، وربما أيضاً، يفرض السؤال حول ثلث الألحان المقتبسة التي تتّكئ  فيروز على توفّرها سلفاً، ثم إعادة قولبتها في الكثير من أغانيّها تالياً.

***

في نهاية ثمانينيات القرن المنطوي، كتبَ كمال النجمي، وهو أكبر الصحفيين الذين كتبوا عن أم كلثوم وعُرفوا بأنّهم أرّخوا للغناء المصري والعربي، وكان صندوق أسرار أم كلثوم وجمال عبد الناصر وكل تلك الحقبة.. مقالاً في مجلة “الجيل”، ضمّنهُ حقيقة مفادها؛ أنّ الملحنين المصريين في أوّل الأمر إعتبروا صوت فيروز لا يناسب ألحانهم العربيّة. وربما تذّرعوا بأنّ صوتها ليس فيه مساحات مختلفة تستوعب مقامات متغيّرة؛ رهانها استطالة الوقت وامتحانها لياقة الصوت، لكن ولسببٍ يتعلّق بإيمان محمـد عبد الوهاب بضرورة تحديث الأغنية العربيّة، بدأ في إبداء نوعٍ من الإعجاب مع التحفظ في أوائل الستينيات، حيث لحّن لها أغنية “سهار بعد سهار” (1961)، ثم لحّن لها رياض السنباطي في نهاية السبعينيات ثلاث أغانٍ، رفضت فيروز تقديمها لأسبابٍ قيل أنّها “عائليّة”، فيما يُرجّح أغلب التوثيق، أنّ فيروز بعد السنباطي لم تقدّم ألحانهُ، كما يحبُ ويريد، كون السنباطي ملحنٌ “اشتراطي”، يقدّم الألحان المشروطة، ويفرض على المغنّي أن ينوّع مساحات صوته، وهو ما لا تتوفّر عليه فيروز، فإذا كانت ألحان زكريا أحمد، ملحن أغنية “أنا في انتظارك”، وهو من هو في رصيد الغناء العربي، تُعتبر “طقاطيق”، فماذا نعتبر المساحات التي يمكنُ لفيروز أنّ تجد فيها صوتها، المُعتاد على أغانٍ سريعة؟

فضلاً عن أنّ فيروز حسب رواية البعض كانت تخشى أن تبدو في صورة أم كلثوم، فيما هي تدرك جيداً بأنّه من الأفضل أن لا تكون مادةً للتناول حين تجعل نفسها على سويّة مشابهة (..).
لسنا بوارد هذا، وهو غيض من فيض، نتركهُ للناقد المتخصّص، الذي يتولّى ذلك غير هيّاب بما سيحدث، على أمل أن يكون شجاعاً بشكلٍ كافٍ.

***

يسعى رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون بشكل كبير إلى تلميع صورته خارجياً بكافة الطرق، بعد أنّ ساءت علاقته بالداخل الفرنسي، نتيجة إيلائهِ الأثرياء مكانة عليا على  حساب الطبقة الوسطى، وهي عموم الشعب الفرنسي، ثم سوء إدارته الأمنيّة في أعقاب القمع الذي تعرّضت لهُ “السترات الصفر”، لدرجة أنّ زعيم اليسار إعتبر الشرطة: “ميليشيات ماكرون”!

زدْ على ذلك شعور ماكرون بالحرج السياسي بعد التحالف الذي حدث مؤخراً بين الخضر واليسار. حزب الخضر هؤلاء، هم الذين أوقعوا هزيمة ثقيلة بحزب “الجمهوريّة إلى الأمام” الذي يتزعمهُ ماكرون في الإنتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في حزيران/يونيو (2020) الفائت، ثم فشله في إنتزاع عمادة باريس من الاشتراكيّة آنّ إيدالغو، بلّ إنّ مرشحة ماكرون السيدة آنييس بوزين حلّت ثالثة بعد مرشحة اليمين السيدة رشيدة داتي ذات الأصول “المغربيّة”! وكانت النقطة التي إعتبرها الإعلام العربي “مشرقة”، هي فوز رئيس وزرائه إدوارد فيليب برئاسة بلدية لو هافر، في حين أنّها تخفي ثلاثة أبعادٍ تقع في نقيض هذا “الإشراق” التقديري، من الضروري ذكرها على النحو الآتي:
أولاً: زيادة شعبيّة إدوارد فيليب في الوقت الذي انخفضت فيه شعبية ماكرون، حيث أجرى مؤخراً معهد “إيفوب” إستطلاعاً قبل الإنتخابات المحلية، خلصتْ نتائجه إلى التالي:
1- 60 في المائة من الفرنسيين يعتبرون أنفسهم ساخطين على سياسة رئيسهم، مقابل 39 في المائة من الشعب الفرنسي يعتبرون أنفسهم راضين عن سياسته.
2-  إرتفاع نسبة تأييد إدوارد فيليب (رئيس وزرائه وقتها) حيث نال 49 في المائة من أصوات المستفتين، قالوا بأنّهم راضون عن الأداء الحكومي فقط.
ثانياً: ترشّح إدوارد فيليب بوصفه حرّاً لبلدية لو هافر، ولأنّها مسقط رأسه، يُفترض بأنّه على يقين بالفوز تحت لافتة الحزب أو من دونها، مع ذلك، رفض أنّ يترشّح باسم “الجمهوريّة إلى الأمام”، برغم أنّه الموظف الأوّل الذي وقع إختياره من قبل رئيس حزب “الجمهوريّة إلى الأمام” لأرفع منصب بعد رئاسة الجمهوريّة في البلاد!
ثالثاً: لم يعد خافياً وجود طموحات في الرئاسة لدى إدوارد فيليب، فقد ظهر مناظراً لزعيم كتلة “فرنسا العصيّة” جون لوك ميلانشون تلفزيونياً، مستفيداً من شهرة ميلانشون في الجدل، والوقوف نظيراً لهُ في ذلك، وفي الوقت نفسه، أبان الرجل عن صيغ جديدة للعمل الفردي في الحكومة، فضلاً عن أنّه إختار الهروب من التعيين في رئاسة الوزراء إلى رئاسة بلدية بالإنتخاب، وظهر ذلك جلياً عند تفضيله الإستقالة على اتخاذ موقف مكلّفٍ لهُ في بلدية لو هافر.

كان طبيعياً جداً أن يدخل ماكرون في نوعٍ من المساومة الحميدة بين الداخل والخارج، ويتّخذ من كل بلدٍ تذكرة عبور إلى قلوب أهله، وهو ما حدث في لبنان تماماً، عندما أراد أن يستولي على أفئدة اللبنانيين من خلال فيروز، كما إختار سابقاً أن يلج إلى قلوب الجزائريين من جماجم شهدائهم

كان طبيعياً جداً بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يتّسم بذكاءٍ حاد وثقافة واسعة، أنّ يحاول الاستعاضة عن الداخل بالخارج، ويتخذ هذا الخارج توطئة ثانية للولوج إلى الداخل، خاصة بعد أن خسر الأغلبية المطلقة في برلمانٍ تُعرف عنهُ الشراسة، ثمّ تكبّده لاحقاً لطلاقٍ بإرادة منفردة، أدّى إلى “انشقاق” 17 نائباً من كتلته، شكّلوا كتلة جديدة أطلقوا عليها تكتل “بيئة – ديمقراطية – تضامن”، لذلك كان متوقّعاً جداً لمخيال رجلٍ نالَ أوّل منصبٍ لهُ كمفتّش مالي في بنك روتشيلد سنة 2008، وبقي فيه ثماني سنوات، ثم ترقّى فأصبح وزيراً للاقتصاد في زمن الرئيس السابق فرنسوا أولاند، لم يعمّر فيه إلا عامين وأربعة أيام، ثم بعدها بعامٍ واحدٍ فقط، صار رئيساً للجمهوريّة! أن يدخل في نوعٍ من المساومة الحميدة بين الداخل والخارج، ويتّخذ من كل بلدٍ تذكرة عبور إلى قلوب أهله، وهو ما حدث في لبنان تماماً، عندما أراد أن يستولي على أفئدة اللبنانيين من خلال فيروز، كما إختار سابقاً أن يلج إلى قلوب الجزائريين من جماجم شهدائهم، بموافقته على إعادة رفات 24 شهيدا من رموز المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر إلى بلادهم!

***

يصعب على غير اللبنانيين تفهّم الحالة التي فرضتها فيروز على نفسها، ثم جاءت ابنتها (ريما)، وداومت على إحاطة والدتها بسياجٍ غير شفافٍ، لا يرى منهُ معجبٌ أيّ رسمٍ أو أثر. وربما سوف يقف ماكرون، وهو تلميذ الفيلسوف الفرنسي الشهير بول ريكور، مندهشاً أمام هذا الهالة الملتفّة حول شخصيّة غير سماويّة! فهو قادم من قيم العلمانيّة، التي تستهدف “دنيوة” المقدّس، مهما كان مقامه ومقاله تمهيداً لنقده، إذ إنّك لن تستطيع نقد أيّ مادةٍ كانت، بشريّة أو لاهوتيّة، ما لم تقم أولاً بعمل “الدنيوة” هذا، أيّ جعلها دنيويّة.
ماكرون القريب من تاريخ بلده حتماً، حيث كانت إديت بياف تلتقي معجبيّها، وتحرص على الإستعانة بجمل صديقها المفضل الشاعر جان كوكتو الذي كانت تصفهُ بـ “رونسار العصر الحديث”، في مخاطبتها حتى لأبسط الناس حين تلتقيهم في شوارع باريس، وتركن سيارتها قريبة منهم، وهي في أوجّ شهرتها العالميّة حتى تحيّيهم و”تطبطب” على أحزانهم إنْ كانوا ثكلى.
وكان موقفها الشهير معروفاً، حين غنّت للنازيين عندما دخلوا إلى باريس، ولمّا سُئلت عن سبب ذلك بعد تحرير باريس، قالت بأنّ الغرض من ذلك إلهاءهم عن مواجهة الباريسيين والتفطّن إلى فرق المقاومة التي كانت في طور التشكّل.

ماكرون هو القادم من بلاد المغنّي والشاعر والإنسان ليو فري، الذي أيّد الثورة الجزائريّة علناً في فرنسا، وقابل ثوّارها سرّاً، ووصف بلده بـ”الاستعماري”، وغنّى للمتألّمين من ثقل الخيبة

ماكرون هو المولع بأغاني جاك بريل الذي كان يستميّت في الدفاع عن الطبقات المسحوقة، ولا يخفي مزاجهُ اليساري جداً، ويحرص أن يُعايش عمّال المناجم وعتّاليّ الموانئ بنفسه، حتى يغنّي لهم ويمسرح حديثهم وهم في أوجّ الشعور بالإرهاق، يترنّحون من السُكر في آخر يومٍ طبقيّ يعجّ بقسوة البشر.
ماكرون هو الذي أحيا جنازة مطرب فرنسا الدائم شارل أزنافور، الذي دأب على أن يُعرب في كلّ لقاء عن قبوله بمساعدة أيّ فنانٍ صغير مهما كان. فنّان لا ينيّ عن مجالسة الناس في المقاهي والحديث إليهم والتعمّق معهم في طرح تصوّراتهِ حول واقع الأغنية وعلاقة اللغة بالموسيقى، وكأنّه أمام خبراء وفلاسفة وأدباء.. ولا يرى أيّ خصوصيّة للفنان أمام شعبه، كالذي يراهُ اللبنانيون في فيروز.
ماكرون هو القادم من بلاد المغنّي والشاعر والإنسان ليو فري، الذي أيّد الثورة الجزائريّة علناً في فرنسا، وقابل ثوّارها سرّاً، ووصف بلده بـ”الاستعماري”، وغنّى للمتألّمين من ثقل الخيبة، و”رصد ذئاب الليل وهي تلمع في ظلام الحياة الأبدي”، و”لمس ذاكرة البحر بأصابع مبتورة”.
فجأةً، يجد ماكرون نفسه أمام سيناريو مغاير، قوامهُ روائع راجت بين محبيّها أكثر من أغانيّها الجميلة، من قبيل “تعا ولا تجيّ واكذب عليّي”، و”أمي نامت عَ بكير وسكر بييّ البوّابة، وأنا هربت من الشباك وجيت لعيّد العزابة”، و”هالسيارة مش عم تمشي، بدنا حدا يدفشها دفشة، يحكو عن ورشة تصليح، وما عرفنا وين هي الورشة”. فوق هذا، تتخذ لنفسها سادرٌ دينيّ، يتفوّق على عزلة المسيح وحبه للناس.

***

لعل اللبنانيين بحاجة إلى فيروز أكثر من أيّ وقتٍ مضى، كإنسان تلتفّ حولهُ كل الطوائف، ويخلع قليلاً من القداسة من يحب سماعها صبحاً أو مساءً، أو في كل وقتٍ كما يحلو لمعجبيّها أن يقسّموا زمن الله على صوت البشر. ربما يرغب الأغلبية في لبنان ممّن فُجعوا بتفجيّر بلغت مساحة تأثيره 15 كلم، أيّ أنّه لو حدث في المنامة مثلاً لذهب بنصفها ذهاباً تاماً، في أنْ توجّه لهم هذه الفنانة الشهيرة والمحبوبة والعابرة للطوائف، كلمةً مباشرة من دون صلاةٍ، تبلّط فيها قلوبهم الكسيرة بكلام البشر، وتمنح بعض الأمان لأفئدتهم المكلومة من دون “أنجلة” لغويّة.. لا سيما أنّها مع الرحابنة وغيرهم ساهموا في تكريس الوطنيّة اللبنانيّة، وردّ لها اللبنانيون الجميل بمثله، حين قالوا بأنّها “سفيرتنا إلى النجوم”، لكن ولقسوة القدر وسخرية الحياة ومرارة الحظّ، حضرت النجوم في المرفأ.. وغابت سفيرته في أنطلياس.

(*) راجع مقالة جهاد بزي: فيروز ليست لبنان

 180post.com/archives/12635

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course