مئوية لبنان الكبير تستحق الإحتفال أم الجنازة؟
A picture taken on September 14, 2016 shows a commemorative plaque at the french ambassador's residency in the Lebanese capital Beirut, also known as the Pine Residency or the Palace of the Pines on September 14, 2016. - The palace holds a particular historical importance since French General Henri Gouraud declared the creation of the state of Greater Lebanon on September 1, 1920 from its porch. The Pine Residency will be open to public on September 18, as part of France's Heritage Day. (Photo by PATRICK BAZ / AFP) (Photo by PATRICK BAZ/AFP via Getty Images)

إنتهت الدورة المئوية الأولى للبنان الكبير. مئوية تطرح علينا سؤالاً لا مفر منه: سؤال الصيغة اللبنانية الجديدة أو العقد الإجتماعي الناظم في السنوات أو العقود أو المئوية الثانية الآتية. هذه الدراسة تسلط الضوء على أبرز مفاصل الدولة التي أورثنا إياها الإستعمار الفرنسي ولم تبن لنا دولة حتى الآن.

بعد مرور مئة عام على ولادة لبنان الكبير، يستذكر بعض اللبنانيين تلك الولادة وما تلاها بحنين لافتْ، ولهفة أقلّ ما يقال فيها: إنَّها متسرعة، وتدل على حالة العجز التاريخي الذي أنتجتها الميثولوجيا المتخيلة، والأساطير المؤسسة للكيان اللبناني، والتي هيمنت على الثقافة والتربية والإعلام اللبناني طوال عقود، ولم تنجح في تركيب وعيّ جمعي شامل على أساسها (مواطنة)، لأنّ نظام دولة لبنان الكبير وما تلاه من تعديلات شكلية بين 1926 و1989، حافظ على الجوهر الطائفي في تركيبته السياسية – الاجتماعية، والجوهر الخدماتي – الريعي في تركيبته الإقتصادية، فجرى فيها اختزال أدوار أساسية لمكونات لبنانية أصيلة لمصلحة التركيبة الطائفية التي تأسست مع لبنان المتصرفية الصغير وجرى تنظيمها وتشريعها مع لبنان الكبير، ثم بدأت خطوات مشروعيتها مع الجمهورية الأولى 1926 وصولا إلى الصيغة والميثاق واستقلال 1943.

هذا الحدث على أهميته التاريخية، يستدعي منّا قراءة متأنية ولو متأخرة مئة عام، عربون وفاء لآمال أسلافنا الذين سبقونا إلى هذه الأرض، وعملوا بصدق للحفاظ على هويتها وواقعها المستلب، ولم تكن تلك الدولة لتجسّد أمانيهم، بل فُرضت عليهم فرضا بالحديد والنار، ثمّ صبروا على سردياتها المملة المتخيلة والتي تصور لبنان “قطعة من السما”، فدفعوا ضريبة القهر ثم التهميش، حتى وصلوا إلى ثمن الشراكة المتكافئة لا الإلحاق، وثمن القوّة لا الإذلال، لوطن تتعدى فيه النسبية من قانون الانتخاب إلى الوطنية والحقيقة والحقّ.. وليس ذلك بغريب في ظلّ ما نعيشه من وقائع ونشهده من أحداث متسارعة، على اعتاب الفصل الأخير من العشرية الثانية للقرن الحادي والعشرين..

فلا تقتصر مهمة المؤرخ على تدوين الأحداث وتسجيلها والتحقق منها، بل تتعداه إلى تكوين الوعي التاريخي لدى الفرد والجماعة، الوعي بالهوية والحق والعدالة، الذي يعمل العدو على الدوام إلى كيّه ونسفه وتركيب وعي يتناسب ومخططاته.

فالتسرع الذي دفع الآباء المؤسسين لدولة لبنان الكبير، ليغنموا وطناً بقياسات خاصة، ولفرض أمر واقع بتوسل قوة خارجية، وتركيب وعيّ هشّ أوقع اللبنانيين في تناقض محكم، عكست بعضه سرديات التكوين في المفاصل التاريخية التي عايشها اللبنانيون في ظلّ القرارات الإنتدابية ودستور 1926 ثم ما تلاه من تعديلات عام 1943، وأحداث 1958 وصولا إلى الحرب اللبنانية 1975 وما تلاها من إتفاقيات وأزمات ما تزال تردداتها تصمّ أذاننا وتجعل حلمنا بوطن قويّ، حرّ، ومستقل في خانة الإمكان لا الواقع..

مؤتمر سان ريمو كلّف فرنسا بانتداب سوريا من دون أن يأتي على ذكر لبنان ككيان سياسي مستقل، كما ينقل إدمون رباط في كتابه:”التكوين التاريخي للبنان السياسيّ والدستوري”

 دولة لبنان الكبير

هي الدولة التي أعلن الجنرال الفرنسي هنري غورو تأسيسها في احتفال قصر الصنوبر في بيروت وذلك في الأول من أيلول/سبتمبر 1920، انسجاما مع القرار 318 الذي اتخذه قبلها بيوم واحد والقاضي بتوسيع الحدود الجغرافية لمتصرفية جبل لبنان لتضم الأقضية الأربعة التابعة لولاية دمشق بعد فصلها عنها: حاصبيا، راشيا، البقاع وبعلبك، وأراضي ولاية بيروت والمدن الساحلية في الجنوب والشمال التابعة لها، تلبية لرغبات وآماني اللبنانيين التي حملتها الوفود اللبنانية الثلاثة إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، علما بأنّ مؤتمر سان ريمو كلّف فرنسا بانتداب سوريا من دون أن يأتي على ذكر لبنان ككيان سياسي مستقل، كما ينقل إدمون رباط في كتابه:”التكوين التاريخي للبنان السياسيّ والدستوري”، لذلك، كانت المرة الأولى التي ذكر فيها لبنان ككيان مستقل عن سوريا من خلال وثيقة ديبلوماسية دولية هي بيان الانتداب عام 1922.

وفي خضم الولادة الميمونة، عمل غورو على تقسيم سوريا إلى دويلات متعددة، معتمدا على الركيزة الطائفية، التي من شأنها اختراق النسيج الاجتماعي الموحد وجعله متعددا، ما يسهل التحكم والسيطرة ويخلق تناقضات جديدة تخدم السياسة التوسعية الفرنسية، الأمر الذي استدعى شجبا من الوطنيين في الداخل السوري واللبناني، وتعداه ليصل إلى  رئيس لجنة الانتدابات في جنيف، كما أشار محضر الدورة الخامسة والعشرين، متهما فرنسا بتسعير الانقسامات والخلافات في سوريا بدل ان تعمل على زيادة الروابط الوثيقة من الناحية السياسية والاقتصادية تحقيقا للهدف الأساسي من الانتداب.

ولم تتوقف السياسة الفرنسية الماضية في فرض الانتداب على سكان تلك المناطق ترغيبا وترهيبا بل عملت بقوّة لصالح الإتجاهات الإنفصالية وزودتها بكل الإمكانات للبروز، وأعطتها إمتيازا في السياسة والإدارة والقضاء والاقتصاد، ما جعل التطبيع مع المحتل الجديد، يتخذ أبعادا اتصفت بالواقعية والمقبولية في لبنان، بينما شكّل اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925، عاملا مسرعا نحو وضع الدستور وانبثاق ما عرف بالجمهورية الأولى عام 1926 في لبنان، وفتح الباب أمام سوريا للسير باتجاه جمهوريتها الأولى عام 1932، واستعادة وحدتها في أيلول/سبتمبر 1936 بانضمام دولة العلويين ودولة جبل الدروز.

قد لا يعرف جيل اليوم، أنّ دولة لبنان الكبير لم تنشأ على أسس ديموقراطية تنسجم مع مبادئ الثورة الفرنسية، التي ترتكز على الحرية والعدالة والمساواة، ولم يستفتَ سكان جبل لبنان ومدن الساحل والأقضية الأربعة حول فكرة الانضمام أو الانفصال، كما حصل في تلك الحقبة في بعض أقاليم أوروبا المنفصلة عن ألمانيا المهزومة، بل تم ّ الاكتفاء بشرعية القوة، والتي أصبغت عليها عصبة الأمم غطاء دوليا تحت ستار الانتداب، الأمر الذي جعل الفرنسيين يحكمون لبنان بقبضة حديدية، مستندين إلى الضعف والتشتت الذي أصاب الفكرة الوحدوية بعد تبخر الدولة العربية في دمشق، والدعم الذي قدمته الكنيسة المارونية، وبرجوازية الحرير والاستيراد والتصدير، المتمثلة في غالبية زعماء جبل لبنان وعائلات المكانة و”الإلتزام” في المناطق المختلفة، وقد حرص الفرنسيون على تكرار إلتزامهم بأماني ورغبات  السكان اللبنانيين في جبل لبنان، من دون أن يلتفتوا إلى أماني ورغبات سائر سكان المناطق الأخرى، في الشمال، الجنوب وبيروت.

جاءت دولة لبنان الكبير استجابة استراتيجية، تضمن لفرنسا الاستحواذ على الجغرافية السياسية بما يخدم مصالحها الإقتصادية والسياسية الظرفية والسريعة في لبنان والمنطقة

أظهرت الوقائع لاحقاً أن سياسة الانتداب عكست “تقاطعا مصلحيا حول شبكة من المصالح الاقتصادية بين رأسمالية فرنسية ساعية إلى تأمين حضور فاعل في السوق العربية المشرقية، من جهة، وبين برجوازية لبنانية – برجوازية الحرير- الآخذة بالاندماج المتزايد مع الرأسمال الأوروبي ولا سيّما الفرنسي”، من جهة أخرى، فجاءت دولة لبنان الكبير استجابة استراتيجية، تضمن لفرنسا الاستحواذ على الجغرافية السياسية بما يخدم مصالحها الإقتصادية والسياسية الظرفية والسريعة في لبنان والمنطقة، كما تؤمن مصالح بعض اللبنانيين الذين يريدون وطنا مغايرا عن المحيط الجغرافي، وبعضهم الآخر الذي يريد ديمومة في سلطته الإقطاعية أياً كان الحاكم أو المحتلّ،  فسمح ذلك  لفرنسا الإمساك بتلابيب الحكم على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومنحها القدرة على التحكم في المفاصل والأماني المستقبلية بما ينسجم مع مصالحها العليا، ودخل لبنان من وقتها في لعبة المزايدات الدولية على حساب بناء الدولة القادرة والقوية.

تم تشكيل بنية الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما ينسجم مع سياسة الامتيازات والسمسرة الداخلية والخارجية، وتمّ اختصار الشعوب اللبنانية بزعامة طائفية وثقافة غربية تطورت مع الأيام لتصبح وجه لبنان المثالي، ما أفقد الوطن طوال العقود التي تلت الجلاء العسكري الفرنسي عن لبنان، الاستقرار نتيجة افتقاد نظامه لسلامة التمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية ـ الاقتصادية، وإفتقاره إلى سياسة خارجية تمنع تدخل الخارج وعبثه في شؤونه، وهكذا ومع كل أزمة سياسية كانت الدولة تتحول إلى مزرعة طائفية، والمساحة الجغرافية الممتدة إلى ساحة للجنون والعبث اللامحدود.

منطق الاستبداد والقوّة

ترافقت السيطرة الفرنسية مع مجموعة من القرارات التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية في لبنان والمنطقة السورية، وفقا لمصالح فرنسا العليا، ووفقا للوعد الذي منحه “كليمنصو” للبطريرك إلياس الحويك، فبعد قرار الثالث من آب/أغسطس 1920 الذي حمل الرقم 299 والذي بموجبه فصلت الأقضية الأربعة عن ولاية دمشق، أعقب ذلك حزمة قرارات كان أكثرها أهمية القرار 318 في الحادي والثلاثين من آب/أغسطس 1920 الذي تحددت بموجبه حدود دولة لبنان الكبير والمناطق التي يتألف منها، والتي حرص “غورو” على تقديمها بالقول: “بما أن فرنسا لم تقصد بمجيئها إلى سوريا إلا تمكين أهالي سوريا ولبنان من تحقيق أصدق أمانيهم من حرية واستقلال، وبما أنه يقتضي لتلك الغاية أن ترد إلى لبنان حدوده الطبيعية كما عينها ممثلوه وأجمعت عليها رغائب عموم أهاليه”، لكن سرعان ما اكتشف اللبنانيون زيف تلك الإدعاءات، ويروي الرئيس صائب سلام كلاما سمعه والده سليم علي سلام من البطريرك حويك أمام وفد إسلامي – مسيحي مشترك، حيث أبدى بطريرك الموارنة استيائه من السياسة الفرنسية في لبنان، فبادره أحد أعضاء الوفد، ولماذا صاحب الغبطة أيدتم احتلالها للبنان؟ فقال البطريرك: “يا ابني وجدنا فرنسا مثل النار، كنا من بعيد نتدفأ على حرارة عاطفتها، أما اليوم، وقد أصبحت قريبة منّا، فقد أخذت هذه النار تحرقنا..”.

وعند قراءتنا للجدول المرفق أعلاه، تتأكد لدينا الهيمنة الفرنسية والإستبداد الذي مارسته على الحياة السياسية والإدارية فضلا عن الهيمنة الاقتصادية والثقافية، ويمكن تلخيصها على الشكل التالي:

  • غالبية الأسماء الواردة في الجدول إن لم تكن باكملها، كانت على علاقة ممتازة بالفرنسين، خصوصا على مستوى رؤساء الجمهورية، والوزراء، وأمناء سرّ الدولة، إضافة إلى مدراء المصالح العامة الذين كانوا في مرات عديدة يهيمنون على  صلاحيات الوزارات، ويدارون بإشراف المفوّض السامي الفرنسي، الذي كان له التوقيع الحاسم في تعيينهم. فالرؤساء شارل دباس وبشارة الخوري وإميل إده كانوا موظفين كبارا في الإدارة الفرنسية للبنان، قبل أن يتقلدوا مناصب سياسية، وحبيب باشا السعد وبرغم قبوله لمنصب رئيس الحكومة العربية في جبل لبنان لأيام معدودة، ما لبث أن أصبح من رجالات العهد الانتدابيّ. وكذلك الشخصيات الإسلامية كانت معروفة بولائها للإنتداب الفرنسي، كخير الدين الأحدب، عبد الله بيهم، عبدالله اليافي، خالد شهاب.
  • يلاحظ أن الانتداب الفرنسي اعتمد على رؤساء جمهورية من الموارنة أكثر من الطوائف المسيحية الأخرى، فضلا عن كون جميع رؤساء الجمهورية من  بيروت وجبل لبنان، ما يؤشر إلى الأهمية التي كانت توليها فرنسا لتلك المنطقتين، وجُلهم من العائلات البرجوازية والنخب المدينية، وعلى الرغم من وجود ثلاثة رؤساء من غير الموارنة، فإنّ غالبية الرؤساء كانوا من الموارنة واستمر ذلك بعد الاستقلال.
  • إنّ رؤساء الحكومات من بداية عهد الجمهورية 1926 ولغاية 1934 لم يكونوا من الطائفة الإسلامية والمذهب السنيّ تحديدا. في العام 1934، تمّ تعيين عبدالله بيهم أمينا لسرّ الدولة، والذي كان بمثابة رئيس الوزراء آنذاك، وفي عهد الرئيس إميل إده تم تعيين خير الدين الأحدب رئيساً للوزراء.
  • بلغ عدد الحكومات التي تعاقبت على الحكم في ظل الانتداب الفرنسي 19 وزارة، تميزت بقلة مقاعدها، فلم نشهد مجلس وزراء بعشرة مقاعد، سوى مرة واحدة في العام 1941 برئاسة أحمد الداعوق، بينما كانت الحكومات الأخرى، تتراوح أعدادها بين ثلاثة، خمسة، إلى سبعة وزراء فقط. وهذه السياسة الفرنسية كانت تهدف إلى حصر النفقات من جهة، وضبط عملية التوزير بمن يثق الانتداب بتوجهاته السياسية الموالية، من جهة ثانية، ما يمنح الأعداد الضئيلة ميزة تجعلها أكثر سهولة في التحكم بتوجهاتها.
  • الوزراء الموارنة هم الأكثر عددا في كل الوزارات (31 وزيرا)، إضافة لعدم غيابهم عن الوزارة سوى مرة واحدة في وزارة أيوب ثابت في عهد الرئيس ألفريد نقاش، بينما الوزراء السنة بلغوا 21 وزيرا، دون احتساب لرئاسة الوزراء وأمين سر الدولة، ولم يغيبوا عن جميع الحكومات التي تشكلت في عهد الانتداب، وأما الوزراء الشيعة فبلغوا 17 وزيرا وغابوا بالكامل عن أربع حكومات.

لمناسبة مئوية لبنان، يُطرح السؤال: هل نحن أمام نظام لبناني قديم أفل وهجهُ وأضحى في أيامه الأخيرة؟ وهل الباب مفتوح بقوة للتغيير واجتراح نظام جديد؟

لم يستطع دستور 1926 العبور بالجمهورية اللبنانية الوليدة إلى الاستقلال والسيادة والحريّة، فقد خطا بها خطوة إلى الأمام، دون أن يكفّ التدخل والتحكم الفرنسي في مفاصل السلطتين التشريعية والتنفيذية فضلا عن القضائية، وكانت النتيجة أن سيطرت السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، بدعم من الانتداب بشخص المفوّض السامي، فالدستور العتيد جعل من رئيس الجمهورية وما يمثل من سلطة تنفيذية موظفا هو ومعاونيه – من أمين سرّ الدولة، مرورا بالوزراء، وصولا إلى مدراء المصالح العامة –  أمام المفوّض السامي الفرنسي، الذي يقوم بتعيينهم وصرفهم متى شاء، بإشراف من المستشارين الفرنسيين، الذين يراقبون عمل هؤلاء ويصادقون عليه، واستمر لبنان بسلطاته يخضع للإملاءات الفرنسية في مدّ وجزر بصرف النظر عن المصلحة الوطنية، وجاء وعد الاستقلال الذي تعهد به الجنرال كاترو قبيل حملة الحلفاء على لبنان وسوريا عام 1941، مع ما لحقه من مماطلة وتسويف، ليُشعِر اللبنانيين – الموالين لفرنسا قبل غيرهم –  أن فرنسا ليست قدرا، وأن ضمانتها لاستقلال لبنان يعتريه كثير من الشكّ، فجاء الدور الإنكليزي ليضيف إلى تلك العمارة لبنة تلاقٍ، ليس حبا بلبنان وإنما بغضا لفرنسا وتقويضا لمصالحها،  ودفع باتجاه حوار بين الاتجاه الوحدوي الذي كان يمثله رياض الصلح، والاتجاه اللبناني الوسطي الذي كان يمثله بشارة الخوري، ثمّ سرّع الإتجاه المذكور اجتماع بكركي في 25 كانون الأول/ديسمبر 1941، ليجمع اللبنانيين على مختلف طوائفهم ومناطقهم على قضية واحدة، للمرة الأولى منذ بداية الانتداب.

لقد شكّل ذلك دفعا قويا باتجاه الوفاق  اللبناني الذي تجسد في الميثاق الوطني ومعركة الاستقلال في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1943، ليتحق الإستقلال السياسي عن فرنسا، وتبدأ مرحلة جديدة من النزاع الداخلي وإعادة إنتاج السلطة بما ينسجم مع المتغيرات الخارجية والتي أرخت بظلها القاتم بعد نكبة 1948 وإنكشاف المنطقة العربية على صراعات إتخذت طابعا قوميا، عنوانه فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ بات موقع لبنان الإقليمي عنوان تجاذب داخلي بين المكونات السياسية الطائفية والإمتيازات الإقتصادية.

خلاصة

لمناسبة مئوية لبنان، يُطرح السؤال: هل نحن أمام نظام لبناني قديم أفل وهجهُ وأضحى في أيامه الأخيرة؟ وهل الباب مفتوح بقوة للتغيير واجتراح نظام جديد؟ هل صحيح القول، إنّ آمال وآماني الشعوب اللبنانية “المشتبكة” يكمن في الحياد والوصاية الدولية الجديدة؟ ماذا عن الأخطار المحدقة بنا، في ظلّ تهديد وجوديّ جاثم على حدودنا الجنوبية، وماذا عن صفقات القرن المشبوهة التي تريد تغيير وجه المنطقة وخياراتها، وماذا عن اللعبة الطائفية الكبرى التي تهبّ في الإقليم لتقسيم المقسّم، هل ستتركنا وشأننا؟ هل مئوية لبنان الكبير تستحق الإحتفال أم الجنازة؟ هل نرغب بتكرار الهيمنة والتبعية على قرارنا ووجودنا.

إن كان لا بدّ من احتفال، علينا أن ننتظر مئوية استقلالنا عن فرنسا في العام 2043 . لعلّ وعسى أن يكون منجزاً في ذلك الحين.

(*) النص الكامل للدراسة: 180post.com/archives/12670

طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy course download free