الطائف الجديد.. هل يُؤكل هذا الطبقُ بارداً؟

إنفجار نيترات الأمونيوم في 4 اب/أغسطس، لم يدمّر فقط مرفأ بيروت وعنابره وإهراءاته والأحياء السكنية المحاذية له، بل دمّر آخر أساسات نظام سياسي ينازع منذ زمن طويل.

لكأن صيغة 1943، بنسختها الأولى أو تلك المعدلة في الطائف (1989)، لم تعد مجدية، لا بل صارت عبئاً على لبنان واللبنانيين، ولم يعد في امكان الطبقة الحاكمة التي تنعمت حتى التخمة من نعم الطائفية والمحاصصة، طوال عقود من الزمن، ان تتستر على العيوب والارتكابات. لا النصوص أو القوانين أو الاعراف أو التفاهمات أو التسويات، المعيبة والمذلة، المضحكة والمبكية، قادرة على تمديد حياة صيغة إنتهت مدتها.

إستطاع اتفاق الطائف، أن يوقف مؤقتاً حروب اللبنانيين، كما حروب غيرهم على أرضهم. كان مأمولاً دمج الميليشيويون والميليشيات بالدولة، علّهم يتغيرون ويصبحون على صورتها، لكنهم لم يتغيروا، بل حولوا الدولة إلى عصابات ومافيات ميليشيوية ومراكز حزبية، بشراكة مع أصحاب اموال قاتمة الالوان لا بياض فيها، فتعلموا منهم فنون اقتناص الفرص والكسب غير المشروع والرشاوى الباهظة، وعلموهم في المقابل فنون التشبيح والبهورة و”أكل رأس الناس بالهوبرة” ويا “غيرة الدين”.

قرر التحالف الميليشيوي ـ الرأسمالي الناشىء، أن يضحك على “ذقون” اللبنانيين بأنه عمّر البلد وحماه من الاعداء والمتربصين والارهاب، واذ بالعمران والبنيان يتبخر في ثوانٍ ومعه جنى العمر، فيما ودائع المقيمين والمغتربين، إما محتجزة في البنوك وهي شبه مسروقة، ولم ينج إلا القليل منها ليستقر في الجيوب أو في الخزائن الحديدية في البيوت، ولم يتمكن أحد من إخراج أمواله إلى الخارج، بإستثناء فئة محظوظة من كبار المودعين وجلهم من أصحاب المصارف وأعضاء مجالس إدارتها ممن تسنى لهم تهريب أموالهم، بلا حسيب أو رقيب.

كان إتفاق الطائف كفيلاً بوقف الرصاص. لكن اسباب الحرب الاهلية بقيت كامنة في كل مكان. في القرى والمدن. في الأحياء والزواريب. في النفوس والنصوص. نعم، كان يمكن وفي اية لحظة، للمتاريس وخطوط التماس ان ترتفع مجددا، ولطالما شهدنا ذلك من التبانة وجبل محسن شمالاً إلى أحمد الأسير جنوباً مروراً بخطوط التماس المذهبية في كورنيش المزرعة وقصقص.

كل بنود اتفاق الطائف التي من شأنها ان تنقل البلد الصغير من حكم المزرعة الى حضن مؤسسات الدولة بقيت معلقة. لا الغاء للطائفية السياسية، لا إنتخاب لمجلس النواب على اساس الغاء القيد الطائفي، لا مجلس للشيوخ لطمأنة المكونات الطائفية والمذهبية، لا تكريس للامركزية الإدارية والإنماء المتوازن، لا اصلاح للقضاء وفصله عن السياسة. لا كتاب موحداً للتاريخ. لاءات كثيرة بقيت معلقة. لو تم تنفيذها كلها أو بعضها، لأمكن رد الروح الى الدولة. صارت سلطة المذاهب وقادة الطوائف تسمو على سلطة الدولة وعلى المؤسسات التي تفككت وتلاشت معها هيبة الدولة.

صرنا امام دولة متعددة الرؤوس والتوجهات، نظام الحكم فيها اشبه باللويا جيرغا الافغانية. اذا توافق أركان مجلس العشائر اللبنانية اقتسموا المغانم، واذا اختلفوا تعطل كل شيء، ما عدا مواصلة النهب غير المنظم حتى التخمة وحتى فرغت خزائن الدولة وحسابات المودعين

بلغت المحاصصة مستويات قياسية. تكاد اصغر طائفة في لبنان تتحول إلى قنبلة نووية في حال المس بحصتها. تضخمت الهواجس المذهبية والطائفية وكبرت حتى فاقت جبال لبنان ارتفاعاً. المسيحيون محبطون ويشعرون ان البلد الذي رسمه الانتداب الفرنسي من اجلهم قد أُفلت من يدهم او يكاد بالغلبة الطائفية وسحب الصلاحيات والدموغرافيا القاهرة. تارة يريدون الاحتماء بالغرب لحماية الدور فيما الغرب في عالم آخر، وتارة يبحثون عن حلفاء محليين لتشكيل حلف مشرقي أقلوي يضمن لهم التوازن مع بحر الاكثرية.

لم يطمئن الطائف أولئك الخائفين، ومعه، إزدادت مخاوف الذين كانوا مطمئنين. السنة تائهون يشعرون انهم ضحية مؤامرة عالمية كبرى تستهدفهم من المحيط الى الخليج، ويزيد من عجزهم رؤية حواضرهم الكبرى في القاهرة والرياض وانقرة تتنافس وتتقاتل… وتتراجع وقياداتهم المحلية تذوي وتتبدل حتى تكاد تضمحل.

الدروز اقلية خائفة من الاندثار في ظل الصراع المحتدم في البلد بين اكثرية تائهة ومشتتة ينحو بعضها الى التطرف وبين اقليات تعيد تجميع نفسها لتشكل اكثرية مضادة للاكثرية. لذلك، يخشى الدروز ملاقاة المتطرفين فيخسرون كل شيء او البقاء حيث هم فيخسرون أيضاً كل شيء. إرباكهم الداخلي يزيده وطأة إصطفاف بعض قيادتهم عند محاور الإقليم الملتهب. إرباك تفاقمه زعامة غير مطمئنة إلى التوريث. حيرة ليس مثلها حيرة.

اما الشيعة، وبرغم الصعود السياسي غير المسبوق لحاضنتهم المحلية والاقليمية، وبروزهم كابرز اللاعبين المحليين في معادلات الداخل والخارج، فلا يزال ينغصهم عدم قدرتهم على تثمير قوتهم وكل الاثمان التي دفعوها، في ميزان المحاصصة اللبنانية، أي دستورياً؛ لذا إعتبروا أن ما عجزوا عن إنتزاعه من حقوق مشروعة بالدستور والطائف، سيجري انتزاعه بقوة العضلات وفائض القوة ورهبة السلاح والتنظيم الحديدي.

في زمن الوصاية السورية، لم تظهر كل عورات النظام السياسي ولم تنكشف صيغة الطائف. مع الخروج السوري في العام 2005، أصيب اللبنانيون باليُتم. خرج الوصي والمُدبر وترك للبنانيين أن يتدبروا شؤونهم وحدهم. وبدلا من الافادة من الخروج السوري وقبلها من إندحار الاحتلال الاسرائيل، لتظهير الشخصية والإرادة والإدارة الوطنية، خرجت كل الادران والامراض فجأة. صرنا امام دولة متعددة الرؤوس والتوجهات، نظام الحكم فيها اشبه باللويا جيرغا الافغانية. اذا توافق أركان مجلس العشائر اللبنانية اقتسموا المغانم، واذا اختلفوا تعطل كل شيء، ما عدا مواصلة النهب غير المنظم حتى التخمة وحتى فرغت خزائن الدولة وحسابات المودعين.

لم يسقط النظام السياسي وحده. سقط معه النموذج الاقتصادي الذي طالما تغنى اللبنانيون بفرادته. انكشفت عورات النظام السياسي وسرعان ما انكشفت عورات النظام الاقتصادي، ولا سيما النقدي والمالي. تبين ان المصارف اللبنانية شريكة المجموعة السياسية الحاكمة منذ اتفاق الطائف، في نهب اللبنانيين والامعان في اذلالهم وافقارهم.

سقط المصرف أولاً ثم أسقط انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس، العنصر الساحر الآخر للاقتصاد اللبناني. هوى قطاع الترانزيت (النقل). لبنان اليوم بلا مصرف وبلا مرفأ، وبلا رئة التنفس سوريا، التي اغلقتها أحقاد اللبنانيين ثم الحرب السورية وأخيراً “قانون قيصر”.

سقطت السياسة وسقط الاقتصاد وقبل ذلك سقط الدور والرسالة بعدما اضحى لبنان بلا صحف رائدة ودور نشر ومسارح ومعارض ومتاحف وغاليريهات، فماذا بقي؟ هل نستسلم؟ وما هو الحل؟

هذا الانهيار المدوي يدفع بالجميع الى حقيقة لا مفر منها. صار لزاماً على الجميع البحث عن نظام جديد. صيغة سياسية ودستورية جديدة. تسوية داخلية تعيد رسم التوازنات. ليس مطلوباً منا إنتظار جملة يدلي بها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون حتى نبحث عن عقد سياسي جديد. لكأننا لم نتعظ من تجربة الوصاية السورية. إنفرجت أساريرنا عندما أطل علينا الجنرال “غورو الجديد” لكن ببذة رسمية زرقاء وابتسامة ماكرة، ينصح ويرشد ويدقق ويحذر من ويلات عقوبات آتية على المسؤولين اللبنانيين إن لم يلتزموا تنفيذ الخطوات المطلوبة منهم كالتلاميذ الشطّار في حضرة الناظر الممسك بعصا العقوبات وجزرة المساعدات في آن واحد.

لا يحتاج لبنان الى حرب اهلية مدمرة للوصول الى اتفاق طائف جديد، ذلك ان ما نعيشه في أيامنا الحالية اشد هولا من الحرب واكثر ايلاما من كوارثها، فالخروج من النفق بات ملحا جدا قبل الاختناق النهائي

بات من المؤكد أن الفرنسيين راغبون في إرساء صيغة سياسية ودستورية جديدة في لبنان، تعيد رسم التوازنات. وربما قطعوا شوطاً بعيداً في المشاورات في هذا الشأن مع الدول المعنية بلبنان، ولا سيما اميركا وايران. فجأة يهبط الوحي على اللبنانيين، فيبدى بعضهم رغبته في اقامة دولة مدنية على ركام دولة الطائف التي حطمها انفجار مرفأ بيروت وسلوكهم الارعن الهدام خلال 40 عاما، ويذهب البعض الآخر أبعد من ذلك بانفتاحه على مناقشة الاقتراح الفرنسي بشأن التوصل إلى “عقد سياسي جديد” في لبنان، شرط أن يكون “بإرادة ورضا مختلف الفئات اللبنانية”، فاتحا بذلك نقاشا عميقا ومثيرا في شان اي عقد جديد يناسب الجميع ولا يحقق غلبة لفريق ضد آخر.

في السابق، كانت اية دعوة من فريق إسلامي الى اقامة الدولة المدنية تُجبَه من الطرف المسيحي بدعوة مقابلة لاقامة الدولة العلمانية، برغم انه لا يوجد في لبنان اية سلطة للكنيسة أو المسجد على التشريع والمؤسسات، وتاليا لا حاجة لفصل الدين عن الدولة باقامة الدولة العلمانية، اللهم الا باعادة النظر بقوانين الأحوال الشخصية وضرورة اعتماد قانون مدني اختياري لذلك، وهذا ما ترفضه معظم المرجعيات الدينية اللبنانية. المشكلة هي في نظام محاصصة طائفية يتعين الغاءه تمهيدا لاقامة دولة المواطنة والمساواة والكفاية والعدالة والاجتماعية والديموقراطية.

قيام الدولة المدنية يجب أن يُقرَن بإقرار قانون انتخابي يتجاوز القيد الطائفي وتشكيل مجلس نيابي على أساس لبنان دائرة إنتخابية واحدة (بالمقابل يصار إلى إنشاء مجلس للشيوخ على أساس طائفي). قيام الدولة المدنية يتطلب وضع قانون جديد للأحزاب والجمعيات في لبنان. قانون يحظّر الأحزاب الطائفية والمذهبية والعنصرية وكل تمويل خارجي. قانون يؤسس لولادة كتلة عابرة للطوائف على إمتداد الوطن ومكوناته الديموغرافية. كتلة منظمة وقادرة وصاحبة رؤية وطنية تميز بين العدو الحقيقي وبين الصديق الحقيقي للوطن. كتلة تشكل رافعة لبرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي إنقاذي. إذا كان انصار هذا التوجه كثر وقد بدا ذلك جليا في انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر وما تلاها، الا انهم حتى الان لم يتمكنوا من التحول الى لاعب سياسي فاعل قادر على كسر توازن القوى وتحقيق اهدافه. إن نشوء هذه الكتلة أو القوة المنظمة بات ضرورة وطنية ومطلبا ملحاً لانقاذ بلد وشعب يلاطم امواج الخيبة واليأس والانهيار.

لا يحتاج لبنان الى حرب اهلية مدمرة للوصول الى اتفاق طائف جديد، ذلك ان ما نعيشه في أيامنا الحالية اشد هولا من الحرب واكثر ايلاما من كوارثها، فالخروج من النفق بات ملحا جدا قبل الاختناق النهائي، لكن المهم ألا نخرج من نفق للدخول في اخر اشد ايلاما وعتمة، والاهم، على كل حريص على مستقبل افضل لشابات وشباب لبنان، الالتفاف حول مشروع انقاذي حضاري وانساني للوطن بعيدا عن المماحكات الشخصية والانانيات الضيقة، وهذا لا يكون الا بتفعيل حركة 17 تشرين/أكتوبر وتأطيرها كي تكون لاعبا سياسيا حيويا قادراً على فرض شبكة امان تحمي البلد ومواطنيه.

هل يمكن التوصل إلى صيغة سياسية وإقتصادية وإجتماعية جديدة “على البارد”، ومن خلال طاولة حوار تطرح كل القضايا بلا مواربة؟ هل يمكن مقايضة سلاح الداخل بالصلاحيات وبإستراتيجية دفاعية متوافق عليها من الجميع؟ ام ان الرؤس الحامية ستضرب ارجلها بالارض رافضة، في ظروف شديدة الخطورة، وفي سلوك من شانه رمي عود كبريت في برميل بارود؟

أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download