الجولاني يُطل من “مرفأ بيروت”.. افتتاح بازار المقاتلين الأجانب؟
DAMASCUS, SYRIA - MAY 03 : A kid sticks her head out from a window of a bus of the first convoy carrying members of the Free Syrian Army (FSA) and civilians as the convoy departs from the FSA controlled area of Yarmouk Camp in southern Damascus under the Yarmouk camp evacuation agreement, as part of the compulsory evacuation as agreed on April 29, in Damascus, Syria on May 03, 2018. A deal has been struck between the Syrian regime and the Tahrir al-Sham group to evacuate areas controlled by the latter in the Yarmouk Palestinian refugee camp near Damascus. (Photo by Rami Alsayed/Anadolu Agency/Getty Images)

لم يحظ  بيان "حكومة الانقاذ" في إدلب، وهي تابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، حول تفجير مرفأ بيروت، بأي إهتمام إعلامي، كما كان يأمل واضعوه، فظلّ منسياً بين آلاف رسائل التعزية التي وجهت إلى لبنان في أعقاب التفجير، حتى أن هناك من وضعه في خانة نوجيه الرسائل من زعيم "الهيئة" أبو محمد الجولاني إلى رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون.

كثّفت “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، مؤخراً، ضخّ رسائل “الاعتدال” و “التحوّل الايجابي” في صناديق بعض الدول المؤثرة في الملف السوري، وذلك بهدف الترويج لانقلابها من فصيل “جهادي” إلى “حركة تحرير وطنية”. وبعد رسائلها إلى واشنطن، ورد جيمس جيفري (المبعوث الأميركي الخاص بالملف السوري)، اغتنمت قيادة “الهيئة” الغمامة السوداء التي خلّفها تفجير مرفأ بيروت، لتمرير رسائل جديدة تزامنت مع زيارة ماكرون الثانية إلى بيروت.

وفي تأويلٍ جديد لأحكام الولاء والبراء التي لا تجيز “تعزية الكافر”، رأت “حكومة الانقاذ” مستظلّة بتوجيهات مرشدها الروحي أبي محمد الجولاني حول ضرورة تلميع صورة “الجهاديين” في إدلب، أن في أبواب الفقه الاسلامي متّسع لتوجيه رسالة تعزية إلى الشعب اللبناني، الذي ينتمي معظمه في أدبيات هؤلاء “إما إلى الصليبيين أو الروافض”، طالما أن مقتضيات السياسة الشرعية، ودقائق “فقه الواقع” التي باتت تتطلب إبراز الوجه الناعم للحركات الجهادية، من شأنها تبرير تقديم واجب العزاء إلى فئات كافرة أو مرتدة.

وتناغماً مع طموحات الجولاني في إنجاز التحول من “الجهادية” إلى “القتال ضد الاحتلال”، اعتبرت “حكومة الانقاذ” أن تفجير مرفأ بيروت “ما هو سوى أحد فصول معاناة اللبنانيين من جرائم النظام السوري والاحتلال الايراني”، وأضافت أن “الجراح اللبنانية هي جراحنا في سوريا”، وخلصت إلى التأكيد على أن “المنطقة لن تنعم بالهدوء والسلام وإيران وميليشياتها يتخذون من عواصم المنطقة غرف عمليات لمخططاتهم ومكائدهم”.

يأتي بيان التعزية أو “دليل الاعتدال” استكمالاً لسلسلة من الرسائل التي وجهتها “هيئة تحرير الشام” إلى الغرب، في الآونة الأخيرة، من أجل إثبات “تحولها”

قد لا تكون كلمات هذا البيان بلغت آذان اللبنانيين، وعلى الأرجح، فإن من كتبه يريد مخاطبة جهات محددة في أجهزة استخبارات بعض الدول، التي تتولى مراقبة أداء “هيئة تحرير الشام” وتقييم الأدلة التي تصدر عنها بهدف إثبات “اعتدالها” وتخليها عن “التطرف” المنبوذ دولياً.

وبما أن “التعاطف” و”العزاء” في الملمات الكبرى من أبسط مفاهيم الاعتدال، فإن “هيئة تحرير الشام” لم تكن لتفوت هذه الفرصة لتدع “من يعنيه الأمر” يتفرّج على ملامح وجهها الآخر بعيداً عن عنصرية التكفير وسكاكين الذبح التي طالما كانت عدّتها في القتال والتهجير والتدمير.

ويأتي بيان التعزية أو “دليل الاعتدال” استكمالاً لسلسلة من الرسائل التي وجهتها “هيئة تحرير الشام” إلى الغرب، في الآونة الأخيرة، من أجل إثبات “تحولها”، وتخلّيها عن كلّ ما يثير قلق الدول الغربية ومخاوفها إزاء أمنها، وتمسكها فقط بالقتال داخل سوريا من دون أن يكون لها أية طموح إقليمي أو عالمي.

وقد بدأت موجة الرسائل الأخيرة مع ظهور الجولاني في أواخر عام 2019 لإلقاء كلمة بعنوان “حرب تحرر واستقلال”، معتبراً فيها أن الانتصار ضد النظام السوري قد تحقق، وأن القتال في سوريا دخل مرحلة جديدة هي مرحلة مقاومة الاحتلالين الايراني والروسي.

أعقب ذلك مقابلة صحفية غير مسبوقة أعطاها الجولاني لـ”مجموعة الأزمات الدولية”، في شهر شباط/فبراير الماضي، أكد فيها تخليه عن طموحاته الجهادية العابرة للحدود وأنه يركز فقط على حكم المنطقة الواقعة تحت سيطرته.

هذه الرسائل، لاقت رداً لافتاً للإنتباه من قبل جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، الذي قال في مؤتمر صحفي عقده في شهر فبراير/ شباط الماضي، أن “هيئة تحرير الشام التي تعتبر فرعاً من فروع تنظيم “القاعدة”، وهي بدورها تعتبر تنظيماً إرهابياً، غير أنها ركزت على محاربة نظام الأسد. كما أعلنت هذه المجموعة عن نفسها، – ولم نقبل بهذا الادعاء بعد – بأنها تمثل مجموعة معارضة وطنية تضم مقاتلين وليس إرهابيين، كما أننا لم نشهد لهم مثلاً أي تهديدات على المستوى الدولي منذ زمن”.

كلمات جيفري، على التباسها، وإمكان تأويلها، إلا أن صداها تردد، سريعاً، في أروقة “هيئة تحرير الشام” التي رأت في تصريحات جيفري دليلاً على أن جهودها لتصحيح صورتها بدأت تعطي نتائج إيجابية.

وقد يكون هذا ما دفع قيادة “الهيئة” إلى محاولة تغيير اللغة المستخدمة في رسائلها، فاتجهت لاستخدام اللكنة الفرنسية بعد أن اقتنعت بنتائج استخدامها للكنة الأميركية، وذلك بهدف توسيع قاعدة الدول التي توجه إليها رسائلها وبالتالي اكتساب موقف دولي داعم لتحولاتها.

أيّا تكن الذرائع التي ساقتها “هيئة تحرير الشام” لتبرير اعتقال الجهادي الفرنسي عمر أومسان، فإن التوقيت محاولة مكشوفة للفت انتباه باريس إلى مشكلة الجهاديين الفرنسيين المتواجدين على أرض سوريا، وطريقة للقول أن الهيئة يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في إيجاد حل لهذه المعضلة

وقد عمدت “الهيئة”، في هذا الإطار، إلى وسيلتين:

الوسيلة الأولى ميدانية، وتمثلت في قيامها باعتقال الجهادي الفرنسي عمر أومسان، قائد “فرقة الغرباء” التي ينتمي إليها مقاتلون من الجنسية الفرنسية. ويعتبر أومسان من أبرز الجهاديين الفرنسيين المتواجدين على الأراضي السورية منذ سنوات، ويعتقد أنه ساهم في تجنيد عشرات الفرنسيين أتوا من بلادهم للمشاركة في القتال ضد الدولة السورية. وعمل أومسان، بشكل مستقل، في أغلب الأوقات، لكنه تحالف مع غرفة “وحرّض المؤمنين” في بعض المراحل، ما جعله يصنف على أنه أقرب إلى تنظيم “حراس الدين” القاعدي من “هيئة تحرير الشام” التي تخوض معارك تصفية وتوسيع نفوذ في مناطق سيطرتها.

وأيّا تكن الذرائع التي ساقتها “هيئة تحرير الشام” لتبرير اعتقال أومسان، فإن التوقيت محاولة مكشوفة للفت انتباه باريس إلى مشكلة الجهاديين الفرنسيين المتواجدين على أرض سوريا، وطريقة للقول أن الهيئة يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في إيجاد حل لهذه المعضلة التي تتخوف من تداعياتها دول غربية كثيرة. وقد اتهمت “الهيئة” من خصومها بأنها ومن خلال اعتقال أومسان تكون قد افتتحت بازار “الجهاديين الأجانب” وعرضت على الدول المعنية بهم أن يقبلوا بمقايضة الخدمات التي يمكن أن تقدمها الهيئة لهم مقابل حصولها على الاعتراف والشرعية منهم.

الوسيلة الثانية إعلامية، وتمثلت في تصريح أعطاه عبد الرحيم عطون المعروف بلقب أبي عبدالله الشامي، رئيس الهيئة الشرعية في “هيئة تحرير الشام” لصحيفة ناطقة بالفرنسية، أكد فيه على كلام الجولاني أمام “مجموعة الأزمات الدولية”، بإختصار.

فقد تحدث عطون لصحيفة “LE TEMPS” السويسرية الناطقة بالفرنسية، يوم الجمعة 4 أيلول/سبتمبر، عن ضروروة تطبيع العلاقات بين الأهالي في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” (محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي) والدول الأجنبية.

وأضاف، “نحن نحاول حاليًا تنظيف صورتنا، والهدف ليس تجميل الواقع إنما عرضه كما هو”، وأكد أن “الهيئة” تريد “الخروج من القائمة السوداء وعندها فقط ستتمكن المنطقة من التعافي”، حسب عطون.

وبرّر عطون التطبيع بأن المنطقة بحاجة إلى مساعدة دولية لإعادة البناء، مضيفًا “لن نتمكن من القضاء عليه (النظام السوري) من دون مساعدة”، في إشارة منه إلى طلب المساعدة من الدول الغربية مجدداً في مواجهة الجيش السوري.

فهل سيخرج جيمس جيفري فرنسي، ويلاقي عروض “هيئة تحرير الشام” في منتصف الطريق، أم أن باريس ستثبت أنها أكثر حكمة وتريثاً من واشنطن، خصوصاً أن منظومة المصالح بينها وبين الدولة السورية تتسع على حساب التناقضات الكبيرة في العلاقات الفرنسية التركية؟

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course