إستهداف خليل وفنيانوس.. أم “صلات الوصل”؟

إستهدفت العقوبات الأميركية للمرة الأولى شخصيتين محسوبتين على نبيه بري وسليمان فرنجية: علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. ما هي أبعاد هذه الخطوة الأميركية ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

إختار الفرنسيون، غداة إنفجار مرفأ بيروت الدخول إلى لبنان، سياسياً وإنسانياً. لهم حساباتهم ومصالحهم، لكن هذا الدخول لم يستفز إلا قلة لبنانية، خصوصاً أن المرحبين بالدور الفرنسي يتأملون بفسحة تلجم الإنهيار الإقتصادي والمالي وتضع لبنان على سكة الإصلاح، بوصفها الممر الإلزامي للحصول على مساعدة صندوق النقد الدولي وباقي المانحين الدوليين.

أما الولايات المتحدة، فقد قررت عدم مسايرة لبنان حتى في عز أزمة مرفأ بيروت. تصدت مع دول الخليج للطلب الذي تقدم به لبنان إلى المجلس التنفيذي لصندوق النقد لتقديم مساعدة طارئة للبنان في إطار “أداة التمويل السريع”. أُهمل الطلب اللبناني، وظل لسان حال الأميركيين أن بقاء الأمور على ما هي عليه “والعمل كالمعتاد في لبنان، أمر غير مقبول” على حد تعبير وزير الخارجية مايك بومبيو.

لا يخفي الفرنسيون والأميركيون تنسيقهم المتبادل في العديد من الأمور، حتى أن مضمون القرارين الأميركيين بفرض عقوبات تستهدف وزيري المال السابق علي حسن خليل والأشغال السابق يوسف فنيانوس، إطلع عليه الفرنسيون مسبقاً، وهم يرددون أن العقوبات المقبلة “لن تكون أميركية فقط بل فرنسية وأوروبية”.

لماذا علي حسن خليل؟

أولاً، هو المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري منذ أكثر من عقدين من الزمن. نائب في البرلمان اللبناني منذ 24 عاماً. وزير في معظم الحكومات اللبنانية منذ العام 2003 بإستثناء الحكومة الأخيرة برئاسة حسان دياب. إستلم وزارة المالية منذ العام 2014 حتى نهاية العام 2019. عضو مكتب سياسي في حركة أمل منذ سنوات طويلة.

ثانياً، يصنف خليل بوصفه أحد أقرب المقربين من بري منذ سنوات طويلة. كان يشكل مع أحمد بعلبكي ثنائياً يمسك بدفتي عين التينة: التنظيم الحركي من جهة، وتعزيز النفوذ الحركي في المؤسسات الرسمية من عسكرية وأمنية وإدارية، من جهة ثانية.

ثالثاً، تولى خليل إدارة ملف العلاقات السياسية الأكثر أهمية في حركة أمل: حزب الله. القيادة السورية. القيادة الإيرانية. سعد الحريري. جبران باسيل. وليد جنبلاط.  سليمان فرنجية. كان عضوا في كل طاولات الحوار الوطني التي عقدت في مجلس النواب منذ العام 2006 إلى آخر طاولة حوار عقدت في بعبدا، نهاية السنة الماضية. مثل الرئيس نبيه بري في إدارة الحوار الذي عقد بين حزب الله وتيار المستقبل طوال أكثر من 40 جلسة على مدى ثلاثة أعوام (2014 ـ 2017).

رابعاً، يملك علي حسن خليل ذاكرة سياسية حديدية يعززها ما يملكه من محاضر لكل المرحلة السياسية الممتدة منذ العام 1992 تقريباً حتى يومنا هذا، فهو لا يفوت جلسة رسمية أم غير رسمية إلا ويكتب محضرها، حتى أنه في مؤتمر الدوحة (2008)، ثمة واقعة معروفة وذلك عندما همس الرئيس نبيه بري في أذن أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة، فإستدعى الأخير علي حسن خليل وقال له ماذا كتبت، فتبين له أن آخر عبارة كانت تتعلق بالهمس الذي كان يحصل بين بري وحمد. أي أنه لا يكتفي بتدوين الكلام بل تفاصيل الجلسات من ضحك وهمس وغيرهما، وهذا ما أظهره كتابه الأول الذي صدر في العام 2015 بعنوان :”صفحات مجهولة من حرب تموز 2006″، وتضمن محاضر معظم الأيام الـ 33 لتلك الحرب.

أي تزامن هذا بين ما صدر عن وزارة الخزانة الأميركية وبين ما صدر قبل اسبوع فقط عن الرئيس اللبناني ميشال عون في مقابلته الأخيرة مع الزميل ريكاردو كرم؟

خامساً، إكتسب علي حسن خليل خبرة سياسية جعلته من بين أقدر السياسيين في لبنان على التفاوض والمناورة وإلتقاط الفرص. عندما يُشار إليه، يرتبط إسمه في أحيان كثيرة بخليله الثاني حسين الخليل، المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله. صار “الخليلان” شريكين في صياغة مواقف حركة أمل وحزب الله، ولطالما تعدت أدوارهما الحدود اللبنانية، فهما فاوضا الرئيس بشار الأسد في العام 2010 حول من يكون رئيساً للحكومة، غداة إستقالة حكومة سعد الحريري.

سادساً، يمتلك علي حسن خليل شبكة من العلاقات الإعلامية الواسعة، التي مكنته من الوصول إلى مطابخ عدد كبير من المؤسسات الإعلامية التلفزيونية والإذاعية والإلكترونية والمكتوبة، فضلا عن التشبيك مع عدد من المؤثرين في مواقع التواصل الإجتماعي.

سابعاً، عندما يقرر الأميركيون إستهداف علي حسن خليل، هم يضربون أكثر من عصفور بحجر واحد. هم يستهدفون ليس حركة أمل ولا مجلس النواب ولا كتلة التنمية والتحرير، بل بري شخصياً. لكأن المضمون بات واضحاً. العقوبات التالية ستستهدف رئيس حركة أمل أو أحد أفراد عائلته مباشرة. أيضاً، هم يستهدفون الدور المفصلي الذي يلعبه. أي إستهداف “صلة الوصل” وأحد أبرز “صمامات الأمان السياسي” في لبنان. هذه النقطة خطيرة جداً، بمعزل عمن يحب هذا الرجل أو يبغضه.

ثامناً، عندما يضع الأميركيون شبهة الفساد في سياق قرارهم، إنما يحاولون دغدغة مشاعر رأي عام لبناني يريد “ضحايا” أو “أضحية”. علي حسن خليل، سواء أكان مرتكباً أم لا، للقضاء اللبناني أن يبرئه أو لا يبرئه من أي إتهام، لكن لا بد من طرح سؤال بديهي وبصوت عالٍ: أي تزامن هذا بين ما صدر عن وزارة الخزانة الأميركية وبين ما صدر قبل اسبوع فقط عن الرئيس اللبناني ميشال عون بقوله في المقابلة الأخيرة مع الزميل ريكاردو كرم حرفيا:”جاءني مؤخراً عدد من المقاولين وقالوا لي إنه يجري تدفيعهم خوة في وزارة المال بنسبة 4 و5 % وربما أكثر بقليل وكان جوابي لهم طالما تشكون لي هل عندكم دليل حسي وهل أنتم على إستعداد لأن تشهدوا أمام المحكمة”؟
هذا التصريح كان المستهدف فيه وزير المال السابق علي حسن خليل الذي سارع، ليلتذاك، للرد على عون قائلاً:”فخامة الرئيس وبغض النظر عمن تقصد وبأي مرحلة ولأننا نعرف أنك تعيش في حالة إنكار، فلتسمِّ هؤلاء ولمن دفعوا علّهم يتحدثون عن الحقائب المحوّلة إلى بعبدا وقصرها ولا يتجرأون على إثباتها أيضا”.

هذه العينة وحدها تكفي للتدليل ليس على بؤس السياسة والسياسيين في لبنان، لكن الأخطر من ذلك أن وزارة الخزانة الأميركية في هذا القرار وقبله عشرات القرارات من “البنك اللبناني الكندي” إلى قاسم تاج الدين ورجال أعمال عديدين، إنما كانت تتكىء على “داتا” لبنانية يتبرع بتقديمها إما سياسيون في مجالس سياسية أو مقابلات إعلامية أو مخبرون برتب متعددة لأغراض مالية وسياسية لا تمت إلى الوطنية بصلة.

لماذا إختيار شخصيتين هما موضع ثقة عالية لدى سعد الحريري، ويكاد لا يمر يوم إلا ويتواصل معهما، وهما “على السمع” معه بشكل دائم؟ ثم ما معنى قول الأميركيين إنهم يريدون إضعاف حزب الله وكل المنظومة المرتبطة به بينما هم يتعمدون إستهداف أبرز حلقات الحوار والتواصل؟

تاسعاً، أعطى البيان الصادر عن هيئة رئاسة حركة أمل برئاسة بري إشارة واضحة إلى أن الإستهداف سياسي بإمتياز، لا بل ذهب بري إلى “بيت القصيد” بينه وبين الأميركيين: “حدودنا وحقوقنا السيادية في البحر والبر نريدها كاملة ولن نتنازل او نساوم عليها مهما بلغت العقوبات والضغوطات ومن اي جهة اتت، وكشفاً للحقيقة، ان اتفاق السير بترسيم الحدود البحرية في الجنوب اللبناني اكتمل مع الولايات المتحدة الامريكية ووافقت عليه بتاريخ 9/7/2020 وحتى الآن ترفض توقيت اعلانه دون أي مبرر”، وختمت هيئة الرئاسة بيانها بعبارة مرمزة:”أنتم مخطئون في العنوان وفي الزمان وفي المكان.. ولكن وصلت الرسالة”.

هذا الرد وضع للمرة الأولى النقاط على حروف ما جرى مؤخراً بين بري والأميركيين، وتحديداً مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر الذي تسلم من بري صيغة إتفاق ـ إطار حول آلية التفاوض بشأن الحدود البحرية منذ حوالي الشهرين، وكان يفترض أن يعود بجواب من تل أبيب عليه، لكن فجأة قرر الأميركيون تجاهل الملف بذريعة أن إسرائيل لم تعط جوابها حتى الآن. طبعاً، يريد الأميركيون أولاً إنتقال هذا الملف من يد بري إلى رئيس الجمهورية وإذا تعذر ذلك إلى رئيس الحكومة. ثانياً، هم يريدون تثبيت معادلة تجعل لبنان يتخلى عن النقطة B1 في البر كأساس للترسيم البحري. وبذلك، يفترضون أن لبنان سيكتفي بما حدده له خط فريدريك هوف، قبل حوالي خمس سنوات، أي حوالي 500 كلم2 من أصل 860 كلم2 متنازع عليها بين لبنان وإسرائيل في البحر.

عاشراً، ثمة قواسم مشتركة كثيرة بين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، أبرزها أنهما يتوليان العديد من الملفات السياسية المشتركة، كالتواصل مع القيادة السورية وقيادة حزب الله والمراجع العسكرية والأمنية وسعد الحريري. ليس خافياً أن فنيانوس هو جزء من النواة الصلبة في “تيار المردة” إلى جانب آخرين يحيطون بسليمان فرنجية منذ مطلع التسعينيات حتى يومنا هذا، لكن الملف الأكثر خطورة هو إتهام فنيانوس بأنه “ساعد حزب الله في الوصول إلى وثائق قانونية حساسة متعلقة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان”، وهذا الملف كان قد أحدث عاصفة سياسية قبل عقد من الزمن، بسبب الموقف الذي إتخذه فنيانوس منذ لحظة إستقالة حكومة عمر كرامي في العام 2005، بسبب قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وقتذاك، كان فنيانوس مديراً لمكتب وزير الداخلية سيلمان فرنجية، وجرت محاولة لإتهام الأخير بإعطاء أوامر بالعبث بمسرح الجريمة قبل أن يتبين عكسها، ثم إنخرط فنيانونس مع محامين آخرين في حملة الدفاع عن الضباط الأربعة الذين أطلق سراحهم في العام 2009، بعد تبرئتهم من القضية ومن أي عبث بمسرح الجريمة.

وبمعزل عن بيان رفع العتب الخجول جداً الصادر عن سليمان فرنجية تضامناً مع فنيانوس (قال البيان “نحن كمرده لم ولن نخجل يوما بمواقفنا بل نفتخر ونجاهر بها من منطلق إيماننا بأرضنا وسيادتنا وهويتنا. وعليه نعتبر القرار قرارا سياسيا ما يزيدنا تمسكا بنهجنا وخطنا”)، فإن النقطة الأهم التي تحتاج إلى التدقيق: لماذا إختيار شخصيتين هما موضع ثقة عالية لدى سعد الحريري، ويكاد لا يمر يوم إلا ويتواصل معهما، وهما “على السمع” معه بشكل دائم؟ ثم ما معنى قول الأميركيين إنهم يريدون إضعاف حزب الله وكل المنظومة المرتبطة به بينما هم يتعمدون إستهداف أبرز حلقات الحوار والتواصل التي تكسر حدة الإصطفافات في لبنان؟ هل سيتضرر حزب الله؟ حتماً، لا. من المستفيد؟ يقتضي الأمر مزيداً من التنقيب والتدقيق.

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free