يا صبّابين الشاي.. سبحان مَن أعطاكم وحماكم!

قبل ألفيْ سنة، جلس نيرون في برجٍ مرتفع يتأمَّل روما وهي تحترق. وتروي كتب التاريخ والأساطير، أنّ الإمبراطور الروماني الخامس (والأخير)، كان يمسك القيثارة ويغنّي أشعاراً لهوميروس وينظر إلى ألسنة اللهب. طوال خمسة أيام، التهمت النيران ثلثيْ المدينة. راقب نيرون المشهد بمتعة، وقيل إنّه كان يدخِّن ويرتشف الشاي السيلاني. وحدث الأفظع عندما خمد الحريق. إذْ أمَرَ، على الفور، بتشييد قصرٍ له على أنقاض الدمار الساخنة.

اعتُبِر حريق روما، أشْهَر “إنجازات” نيرون. ولو إنّ أصابع الاتّهام وُجِّهت إليه، في ارتكاب العديد من الجرائم خلال الخمس عشرة سنة من حُكمه. فهو، بحسب بعض الروايات، لم يكتفِ بقتْل والدته وزوجته. بل قام بكرنفالٍ من الدماء، أعدم فيه أعداداً هائلة من المسيحيّين (ستتحرّك عقدة الاضطهاد حتماً عند النائب ماريو عون). كان نيرون يخترع أساليب مروِّعة لقتلهم. وصل بعضها إلى حدِّ لفِّ ضحاياه بجلود الحيوانات الضارية، ثمّ إلقائها للكلاب المسعورة كي تنهشها أمام أنظار “الجمهور” في مسرح الألعاب الرياضيَّة. فنيرون، كان يتلذَّذ بالفَتْك والتعذيب والقتل. هل يذكِّركم هذا الطاغية بأحد؟ نعم، حزرتم.

لكن، لم تكن نزعة الإجرام وحدها الموجِّه لبوصلة المجازر النيرونيَّة. فـ”عدوّ الشعب”، كما لُقِّب، كان يمتاز بغباءٍ ورعونة موصوفيْن. هناك شبه إجماع، بين المؤرِّخين، على غباء نيرون السياسي، وقد بلغ ذروته بحرْقه روما كيْداً. ففي عهده، القائم على وراثةٍ غير شرعيَّة للعرش، أفلست الإمبراطوريَّة بسبب بَطَره، وتدهور الوضع السياسي بصورة دراماتيكيَّة. إذْ ظهَّرت سنوات حُكمه، عدوانيّته وطيشه وتصرّفاته غير العاقلة وجنونه السلطوي الجامح. خلاصة القول، إنّ نيرون كان حاكماً ظالماً ومجرماً و..غبيّاً. مَن هو الغبي؟

يُعرَّف الإنسان الغبي، بأنّه المرء الذي لا يُحسن الاختيار بين البدائل المتاحة والسليمة والصحيحة التي تجنِّبه الإحراجات والأزمات والمصائب. وأسوأ أنواع الغباء، هو غباء السياسيّ. لأنّ غباءه لا يؤدّي إلى خسارةٍ شخصيَّة له فحسب، إنّما لمجموعاتٍ واسعة من الناس الذين يوالونه ويتبعونه ويتأثَّرون به. وأسوأ أنواع الغباء السياسي، هو غباء مَن يُعطَى مسؤوليَّة القيادة والحُكم. فهو عندئذٍ، يُدفِّع شعباً، بأكمله، ضريبة قراراته الغبيَّة. وأهمّ صفات “الغبي سياسيّاً”، الفوقيَّة والنزق والطيش والمكابرة والكيديَّة.

صحيحٌ أنّ مفهوم الغباء في السياسة جدلي. لكنّ معظم علماء السياسة والاجتماع، يرون إليه كسلوكٍ تحكمه التصرُّفات العشوائيَّة وغير المدروسة للسياسيّ، أيّاً كانت منزلته. فالتعنّت السياسي غباء. والاستمرار في التذاكي والتعالي والتحدّي، يُعتَبَر قمّة هذا الغباء. بحيث يفقد “القائد الغبي” كلّ الإمكانيّات والمهارات لمعالجة أيّ أزمة. فيعجز عن حلّ “خناقة”، ولو سخيفة، بين شقيقيْن في زقاقٍ صغير. ومَن يكسر أسنانه بقشر اللوز نادراً ما يأكل لبّه، كما يقول أصدقاؤنا الألمان. أوليس أحد تعريفات السياسة أنّها “فنّ إدارة الصراع”؟ من دون شكّ.

مغامرات سياسيَّة مُفتَعَلة وواهمة، دمَّرت أوطاناً في صراعاتٍ وحروب داخليَّة أو خارجيَّة أو الإثنتيْن معاً. وعلى الدوام، كانت المنازلات تنتهي، بارتماء “صغار الداخل” الطوْعي في أحضان “كبار الخارج”

تقع الكارثة، عندما يتمتَّع السياسيّ الغبي بكاريزما. لأنّه يتحوّل تلقائيّاً إلى بطل. وتصبح جميع قراراته ووجهات نظره مقبولةً من الواقعين تحت مفعول جاذبيَّته. فهُم يتقبَّلونها، مهما كانت وكيفما أتت، لأنّها صادرة عن “القائد”. عن قائدهم. وأكثر. هم يحاولون، وبكلامٍ سفسطائي مُبَهْرَج، تحليل وتفسير خطئه، لا بل تبريره. فيسعون جاهدين، إلى التأكيد على صوابيَّة انفعالاته وتطرُّفه ورعونته وجنونه و…غبائه. ويصبح الغباءُ السياسي، بالنسبة إليهم، مجرّد مغامرةٍ سياسيَّة. حتى ولو كان ثمنها دماً ودموعاً ورزقاً وخراباً وأرضاً. والأخطر في حالة كاريزما البطل الغبي، عندما تُتَرجَم تلك المغامرة السياسيَّة، تأييداً وتعاطفاً لدى دائرة أوسع من الأتباع والرعايا المباشرين. لدى جماعاتٍ وشعوب، قريبة أو بعيدة من “البطل”. أي، تلك التي يكون ناسُها مسكونين، غالباً، باليأس والإحباط والهزيمة. فيُحرِّك هذا النوع من الأبطال، عادةً، حماسهم وآمالهم وطموحاتهم التي تشبه الهرولة وراء سراب.

يحفل التاريخ السياسي بأخبار الحُكَّام الأغبياء، وكذلك بمآثر هذا الصنف من الأبطال. وتاريخنا العربي، يتفوَّق في هذا المجال. فهو أنجب للبشريَّة حُكَّاماً تسبّب غباؤهم، في السياسة والإدارة و”النضال”، بالويلات لبلدانهم وبلدان غيرهم. وكمْ من “بطولاتٍ” سطّرها حمْقهم وصلفهم، بدَّدت حضاراتٍ بأكملها (على الطريقة النيرونيَّة). مغامرات سياسيَّة مُفتَعَلة وواهمة، دمَّرت أوطاناً في صراعاتٍ وحروب داخليَّة أو خارجيَّة أو الإثنتيْن معاً. وعلى الدوام، كانت المنازلات تنتهي، بارتماء “صغار الداخل” الطوْعي في أحضان “كبار الخارج” المفتوحة لهم (مع تفاوتٍ في الكبر والصغر)، أو باستدعاءٍ مريب لشتّى أنواع التدخُّلات الخارجيَّة (التي ميّزها الغباء، أيضاً، منذ نهايات القرن الماضي). ألَمْ يخاطب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الأميركيّين، مرّةً، بالقول: “عبقريّتكم أيّها الأميركيّون هي، أنّكم لا تتّخذون خطوات غبيَّة واضحة، بل إنّكم تقومون بتحرّكات غبيَّة معقَّدة”!

هناك أكثر من أسلوب يتظهَّر فيه الغباء السياسي. كيف؟

أوّلاً، عن طريق التذاكي. والتذاكي أسلوبٌ قاتل أكثر من الغباء، ويصبح مرضاً عضالاً عندما يستخدمه الحمْقى. لبنان بلدٌ له تراث عميق في الغباء السياسي، وتميِّزه موهبة حُكَّامه في التذاكي. موهبة، تجعلهم يستخفّون بالصعاب، ويُوحُون للغير بأنّهم على كلّ شيءٍ قادرون. يقولون، هم، في حنكتهم (الشخصيَّة) السياسيَّة وحُسن تدبُّرهم في غسْل الفضائح ومسارح الجرائم “ما لم يقله مالك في الخمر”. ويظهر هذا التذاكي، بفجاجة، عندما يدافعون عن حيثيّات المضبطات الاتّهاميَّة بحقّهم. أي، حين يبرِّئون أنفسهم فيتّهمون شركاءهم في الوطن (الوطن؟) بالموبقات. أو حين يعلنون للّبنانيّين ما مفاده “أنتم لا تعرفون ما نعرفه” و”نحن لم نكن نعرف أنكم تعرفون”. إنّه الـ”مخمَّس مردود” بلغة الزجل اللبناني. أمّا ذروة نذالة غبائهم، عندما يحاولون تسويق تبريراتهم لدى الشعب الثَكْلاَن. فالتبرير، هو مفهومهم الخاصّ للاعتذار. واعتذار المغفَّل أسوأ من خطاياه، كما يقول المثل الفارسي.

سياسيّونا وحُكَّامنا في لبنان يكذبون مثلما يتنفّسون، طبيعيّاً واصطناعيّاً. فلقد اختزنّا من وعودهم (بالمحاسبة والتغيير والإصلاح وتحقيق الإنجازات)، ما يملأ أرشيڤات الكرة الأرضيَّة. وعودهم كاذبة مثلهم تماماً

ثانياً، ادّعاء المعرفة، وهو أبرز تقنيّات بؤسنا في لبْنَنة الغباء السياسي. فلا شيء، مثل الأحداث الفادحة التي تعصف بحياتنا، يكشف هُزال الحياة السياسيَّة اللبنانيَّة. إذْ يظهر جليّاً للعيان، أنّ هناك في لبنان، ودون سائر بلدان المعمورة، مَن يدّعي امتلاك تقديراتٍ دقيقة جدّاً، لما ستكون عليه أحوال البلد والعالم. وبينما يُدْبِر العارفون في الأمور عن طرح الأسئلة وتلمُّس الأجوبة حول ما سيؤول إليه المستقبل ومستقبلنا في هذا البلد، يسترشد ساسة لبنان “الأذكياء” بالجواب الوحيد المسبق عن أسئلة لا يطرحونها.

ثالثاً، في مانيفست الهجاء الذي يهجو اللبنانيّون بمفرداته حُكَّامَهم صبحاً وظهراً ومساءً، والذي كنتُ قد أشرتُ إليه الأسبوع الماضي (أوغاد، فاجرون، ساقطون، سفّاحون، لصوص…)، فاتني نعتٌ يليق بهم كثيراً: كذّابون. فالكذب، هو أحد أسلحة السياسيّ الغبي، كونه يعتقد أنّه بكذبه ستتبخّر الحقيقة. سياسيّونا وحُكَّامنا في لبنان يكذبون مثلما يتنفّسون، طبيعيّاً واصطناعيّاً. فلقد اختزنّا من وعودهم (بالمحاسبة والتغيير والإصلاح وتحقيق الإنجازات)، ما يملأ أرشيڤات الكرة الأرضيَّة. وعودهم كاذبة مثلهم تماماً. لم يفوا إلاّ بتوعُّداتهم للشعب وثوّاره. كان وعداً صادقاً بقتلهم، في كلّ زمانٍ ومكان.

رابعاً، المكابرة من خلال آليّتيْن: المماطلة والتحدّي. هم يماحكون ويتناسون كلامهم، كي يعطِّلوا كلّ إنتاجيَّة في البلاد. هم لم يدخلوا إلى جنّة الحكم ليحكموا ويُنتِجوا. شعارهم لكلّ المراحل “لعلّ وعسى”. لعلّ الناس ينسون ما يطالبون أو يهدِّدون به. وعسانا نستطيع قضم “كدشة” إضافيَّة من جيفة الدولة. هم أكَلَة لحوم بشر، أيضاً. لقد سهوتُ عن إدراج هذه الصفة لهم، في مانيفست الهجاء الآنف الذكْر. أمّا تحدّيهم الغبي، فترجمته على شاكلة “يعاقبنا الأميركيون؟ حسناً. لن نتزحزح قيد أنملة عن طلباتنا ومكتسباتنا وحقوقنا. إمّا نحن وإمّا هم”. راقب وتعلّم يا شعب لبنان الذليل. جاء مَن يعطيك المثال لصوْن كرامتك. معهم تُحفَظ الكرامات أو لا تُحفَظ. نقطة انتهى! يقول الكاتب والسياسي الإيرلندي جورج برنارد شو “ليست السلطة ما يُفسِد الرجال، بل إنّ السلطة هي التي تَفْسُد إذا تُرِكَت للأغبياء”. أليس هذا ما يحصل عندنا في لبنان؟ بلى.

خامساً، استثمار الغباء عبر القمع والقبضة الحديديَّة. معلومٌ أنّ الغباء السياسي يتجلّى بوصول العسكر إلى السلطة. ففي كتابه الصادر عام 2012 بعنوان “كيف يصل الغبي إلى كرسي الحُكم؟”، يفصِّل الصحافي المصري محمد توفيق، القواعد التي يحكم العسكر من وحيها. وتتلخَّص في بثّ الذعر والرعب في المجتمع، طول الوقت. إذْ أبرز آفات الرجل العسكري، تتمثّل في اعتقاده بأنّ كلّ كلمة تخرج من فمه هي بمثابة أمرٍ للتنفيذ، وأنّ على الجميع السمع والطاعة، ومَن يخالف رأيه يكون يخالف القوانين! نظامُ العسكر يقايض حرّيَّة المواطن بأمْنه، ويتّهم المختلفين معه بالعمالة والخيانة، ويحتكر صكوك الوطنيَّة ويوزِّعها، فقط، على الموالين له، لقاء سوْقهم وراءه كالقطعان. صحيحٌ أنّ موقع الرئاسة في لبنان يحتلّه “عسكريّ” منذ أكثر من عشرين عاماً، إلاّ أنّ الصحيح، أيضاً، أنّ معظم مراكز السلطة يرتع فيها العسكر (غير النظاميّين) من أمراء حرب وزعماء ميليشيّات. أولئك الذين يفهمون في مجال الحريّات والحقوق والحياة المدنيَّة، مثلما أفهم، أنا، في اللغة الصينيَّة!

الأكيد أنّ الغباء داء. لكنّ المؤكّد أنّه داءٌ غير قاتل. لو إنّه كذلك، لخرَّ، ومنذ زمنٍ طويل، معظم حُكَّام لبنان صَرْعى. إذْ دخلت بلادنا، بحُكَّامها والمتحكِّمين بها وبأهلها، مرحلةً غير مسبوقة في الغباء السياسي. فلقد دشّنا عصراً ذهبيّاً، تُهَّد فيه القناطر والجسور على رؤوسنا، لأنّها تقف سدّاً أمام مرور رؤوس القادة الفوارس على أحصنتهم البيضاء. فوارس، لا يعرفون أنّ انحناءة بسيطة من الرؤوس اليانعة، تكفي ليمرّوا. لكنّ “الفرق بين الغباء والعبقريَّة هو أنّ العبقريَّة لها حدود”، يؤكِّد أحد أهمّ علماء البشريَّة ألبرت أينشتاين.

كلمة أخيرة. يقولون في منغوليا “لكي يسرق الجرس، سدّ أذنيْه”. ويقولون في بلادي “لكي يُرضي الحرس، سطا على 1675 كيلوغراماً من الشاي السيلاني”. هل هناك أذكى من هكذا سلوك في الحُكم؟ على الأرجح كلا. حاول رئيس بلادنا تعبئة كؤوس الضجر، لحرسه الجمهوري، بالشاي المُرسَل للمتضرّرين في انفجار مرفأ بيروت. همس في سرّه الـ”لعلّ وعسى” ما غيرها، وتساءل: “لماذا لا نشرِّب الضبّاط والعسكر الشاي، فنضخّ الـ caféine في دمائهم؟ فهذا سينشِّطهم، بلا ريب. من الضروري شدّ عصبهم وسواعدهم كي يتصدّوا لغضب الزعران المتوجِّهين إلى قصر بعبدا”.

يا صبّابين الشاي، سبحان مَن أعطاكم وحماكم. إقتضى أن نُدفَن أحياءً، نحن اللبنانيّين، عقاباً على تقاعسنا في دفن..غبائهم.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course