لبنان: حكومة أديب أمام مفترق النجاة أو الإعتذار

بعدما كُلّف من رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، إكتفى مصطفى أديب باستشارات نيابية غير ملزمة، ظناً منه أن عملية التأليف لن تحتاج إلى أي عناء وجهد، بل ستكون هذه المرة "وصفة فرنسية جاهزة" لا يستطيع أحد رفضها.

تسلّح مصطفى اديب بالسقف الزمني الذي حدده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وهو خمسة عشر يوماً، بعدما تبيّن ان المبادرة التي يقودها سيد الاليزه هي فرنسية بالشكل ولكنها دولية بالمضمون، وفي الوقت نفسه، يشوبها الغموض والعناوين حمّالة الاوجه.

كل التسريبات كانت تتقاطع عند التحذير من انه اذا لم تنجز التشكيلة الحكومية حتى يوم الثلاثاء ضمناً (غداً)، فان مصطفى اديب سيعتذر. هذه التسريبات تحولت إلى يقين، عندما زار رئيس تيار المستقبل سعد الحريري عين التينة يوم السبت الماضي. تبين أن من يدير عملية التأليف فعلياً ويضع الاسماء ليس الرئيس المكلف انما سعد الحريري بإسم “نادي رؤساء الحكومات السابقين”.

بدا أن مصطفى أديب مجرد واجهة. من يُوزع الحقائب ويحدد الأسماء هو الحريري. وعندما تعذر على الأخير إقناع رئيس مجلس النواب نبيه بري بالمداورة في الحقائب، قال له “إذاً أنا أسمي وزير المال”. رفض بري أن يقترح عليه أي إسم، وخاطبه بالقول “أوعا تحلم يا سعد إنك تسمي هذا الوزير أو باقي الوزراء”!

خرج الحريري من عين التينة تاركاً وراءه عاصفة من الوجوم. تشاور بري سريعاً مع قيادة حزب الله التي كانت واضحة منذ اللحظة الأولى بأن التفاهم معها ممره الإلزامي التوافق مع بري أولاً. هال “الثنائي” كيفية تصرف الحريري وتحديداً إصراره على إقصاء عين التينة وإشعارها بأنها مضطرة للسير بما يقرره هو بالتنسيق مع الفرنسيين. قال مقربون من “الثنائي”: “لنفترض أن من يؤلف لا يريد أن تتمثل اية وجوه حزبية، وبمعزل عن صحة هذا الخيار من عدمه، لكن هل يحق للحريري أن يسمي رئيس الحكومة و13 وزيراً، بينما سيكون ممنوعاً على كل القوى السياسية تسمية اي وزير”؟

عندما إتصل الرئيس الفرنسي برئيس المجلس وإنتهى الإتصال بينهما إلى جملة بري “إذا فيكم تشكلوا حكومة.. شكلوها”، إلتبست العبارة على رئيس فرنسا. ظنّ أن رئيس المجلس أعطاه الضوء الأخضر، في مسألة المداورة، فراح يبلغ الجميع أن يسيروا بالحكومة كما كان مرسوماً لها أن تكون، بموافقة بري!

سارعت دوائر مجلس النواب إلى توضيح الموقف للفرنسيين، كما عبر وسائل الإعلام. وصلت الرسالة إلى الجميع، فكان قرار بالتريث. زاد الطين بلة أن تجاوب رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل مع ماكرون، قابله موقف للرئاسة الأولى لم يكن على الموجة نفسها.

تسرّبت الوقائع المتتالية عن إستدعاء شخصيات شيعية من الخارج. المفاجأة التي صدمت الفرنسيين أن بعض الأسماء التي طرحت للتوزير إشترطت موافقة “الثنائي الشيعي”. بقي السؤال المستمر: “فرنسا لها حساباتها، لكن لماذا قرر الحريري أن يستعدي “الثنائي”؟ أين قصّر هذا الفريق في الدفاع عنه والوقوف الى جانبه، حتى وصل الامر بحزب الله وحركة امل أن أصبحا الفريق الوحيد الذي يصرّ على عودة الحريري الى رئاسة الحكومة”.

أدت مداخلات الساعات الأخيرة، على أكثر من خط داخلي وخارجي إلى “فرملة” التأليف. في الوقت نفسه، أدرك الحريري أن الامساك بالحكومة وبكل حقائبها من سابع المستحيلات، وما يسري على “الثنائي”، يسري أيضاً على رئاسة الجمهورية.

ثمة من قال ان السلوك المعتمد في عملية تأليف حكومة مصطفى اديب يذكّر القوى السياسية بزمن الجمهورية الأولى (دستور 1943) يوم كان رئيس الجمهورية يعيّن الوزراء ويختار منهم رئيسا. اليوم هناك محاولة لاستنساخ ذلك من خلال تعديل طفيف يقول “ان نادي رؤساء الحكومات السابقين يختار رئيس الحكومة ويعين له الوزراء”.

لكن ماذا تقول مداولات المشاركين في إتفاق الطائف بشأن وزارة المالية؟

تحرّك الجانب الفرنسي باتجاه عرّاب الطائف حسين الحسيني للحصول على الموقف حاسم منه بشأن حقيبة المالية، فكان الجواب انه في مداولات الطائف كُرّسَت هذه الحقيبة للطائفة الشيعية من دون ذكرها بالنص على ان تثبّت بالعرف، وبالتالي اصبح الفرنسي امام حقيقة لا يمكن تجاوزها الا على جثة الطائف.

لم تهدأ الخطوط بين الاليزه وبعبدا. بين ماكرون وعون. كان المخرج بأن يتوجه مصطفى اديب الى بعبدا اليوم (الإثنين) طارحا على رئيس الجمهورية الصعوبات التي تعترض عملية التأليف مع وضع تصوره الحكومي بين يدي رئيس الجمهورية من دون الاعلان رسمياً عن ذلك، فيبادر عون الى اجراء مشاورات سريعة مع رؤساء الكتل النيابية، وهذا ما حصل بعد مغادرة اديب، حيث التقى عون الدفعة الاولى من رؤساء الكتل (أو من ينوب عنهم) على ان ينجز هذه اللقاءات غدا (الثلاثاء)، طارحا عليهم سؤالين محددين: هل انتم مع المداورة في الحقائب السيادية؟ وهل انتم مع حصر اختيار الوزراء بالرئيس المكلف؟.

حصيلة التشاور، ربطاً بالثقة النيابية لاحقاً، وقبلها توقيع مراسيم التأليف، سيضعها رئيس الجمهورية بعهدة الرئيس المكلف، علماً أن عون ما زال يتصرف حتى الآن بوصفه شريكاً في التأليف، برغم الكثير من التسريبات التي بلغت حد القول إن ميشال عون سيوقع “على العمياني”.

في موازاة ذلك، وفي إنتظار ما سيكون عليه الموقف في الساعات المقبلة، نقلت مصادر لبنانية عليمة عن أوساط قريبة من قصر الإليزه أن الطبقة السياسية في لبنان “صارت منتهية الصلاحية، وان المعادلة الدولية الاقليمية التي تحكّمت بالواقع اللبناني بعد الطائف انتهت عام 2005، وعلى الرغم من محاولات استنقاذ اليسير منها وفق معادلة الـ”سين – سين” (2009)، الا ان التطورات المتسارعة، وآخرها إنفجار مرفأ بيروت، كانت كفيلة بانهاء كل شيء، لذلك؛ فان المعادلة الدولية ـ الاقليمية التي ركّبت السلطة في تسعينيات القرن الماضي ستعيد انتاج سلطة جديدة بتوازنات مختلفة وتحت شعار تداول السلطة والمسألة سقفها الانتخابات النيابية المقبلة، بحيث يبنى على الشيء مقتضاه”.

إذا لم يستدرك الفرنسيون الموقف في الساعات والأيام المقبلة، لن يكون مفاجئاً اعتذار الرئيس المكلف وسحب المبادرة الفرنسية، وبالتالي، يكون على اللبنانيين تدبّر امورهم بأنفسهم، والنتيجة معروفة سلفاً: وضع إقتصادي ومالي واجتماعي كارثي..

لننتظر ما سيصدر عن باريس. تشي المعلومات بتمديد المهلة الفرنسية حتى العشرين من أيلول/سبتمبر، أي أننا أمام مهلة أيام جديدة.

داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free online course