المسؤولية ضمير لا مجرد منصب

من الصعب أن تشعر بالمسؤولية تجاه أحد، فأنت إذّاك تعيش قلقاً عليه، تحمل همه، تستنفذ التفكير به لأجله.

ما هو أصعب من المسؤولية، أن تتبوأ موقعاً مسؤولاً. يعتبر الناس المسؤولية منصباً لأنهم بأغلبهم “ظاهريّون” وإن ادّعوا ابتعادهم عن المظاهر. هم يفكرون من الزاوية الظاهريّة حتى وهم يتحدثون عن القيم.. هم يعتقدون أن المسؤولية منصباً، وهي عكس ذلك تماماً. هي خدمة. وظيفة. المسؤول صاحب خدمة لا صاحب شأن. فكيف اذا كانت المسؤولية سياسية؟

السياسة في تعريفها: عمل لأجل الصالح العام. هي ترتقي إلى الهدف الديني في العدالة. احقاق العدالة. لكنها في بلادنا: تكالب على المصالح والمناصب. لهذا، ثمة إعتقاد أن من يتعاطى السياسة يسعى إلى مصلحة شخصية، لكن من يفهم السياسة بمعناها الإنساني، يعرف انها مسؤولية كبيرة، يتعاطى فيها الانسان مع مجتمعه. مع الناس. مثلما يتعاطى الأهل مع أولادهم. ليست السياسة طلبا للشأنيّة، بل هي سعي الضمائر نحو العدالة. ليس إلا.

من يشعر بالمسؤولية، يصعب عليه أن يستقيل منها. من مشاعره وضميره. وإلا نكون أمام استقالة من الضمير. أصحاب الضمائر يشعرون بالسعادة دائما من خلال سعيهم وكدحهم في طرق الضمائر، لا في طرق الذات. الذات مقتلهم متى اكتفوا بها عن ذوات غيرهم. لا تتحقق ذاتهم الا عندما يسعون إلى تحقيق ذوات غيرهم. هذا تماما ما تفعله الام مع أولادها، ومن هنا كانت النظرية القائلة بأن على المرأة ان تتبوأ مواقع المسؤولية لأنها اقدر من الرجال على الاحساس بالمسؤولية، في مجتمع قُدمت الرجولة فيه بنيوياً ـ سواء من خلال العرف أو الفهم الديني الذكوري ـ بوصفها مقدرة على التملك وفرض الرأي والموقف والسلطة، لا على الرعاية والعطاء. (علماً أننا قد نلحظ العكس أحياناً، فنرى رجالاً أقدر على الرعاية والإحاطة من نسائهن اللواتي شغلتهنّ الأنانية وهم السلطة والمنصب و”تحقيق الذات”).

عموماً، إبتُلينا ببلد وصل فيه صبيةٌ إلى مواقع المسؤولية. لا إحساس عندهم الا بالشأنية والموقعية. الكلام ليس محصوراً بالمسؤولية السياسية. لو دخلنا إلى جل المؤسسات في بلدنا، سنكتشف حجم العطب في توزيع الموارد البشرية

وبدل ان يكون تحقيق الذات نابع من الثقة بالذات، الثقة بالبنيان الداخلي، أضحى مرادفا للنقص والتخاطب واسترضاء هذه الثقة من نظرة الناس. هكذا كُرّس المجتمع المرضي، من خلال تحوير المفاهيم، وتحوير المنطلقات، والأهداف. ولهذا بات تفسير الناس للأحداث معطوبا، لأن المفاهيم الأساسية قُدمت بشكل خاطئ، ومن واجب المعنيين العمل على إعطاء كل مفهوم حقه من الشرح والتوضيح.

عموماً، إبتُلينا ببلد وصل فيه صبيةٌ إلى مواقع المسؤولية. لا إحساس عندهم الا بالشأنية والموقعية. الكلام ليس محصوراً بالمسؤولية السياسية. لو دخلنا إلى جل المؤسسات في بلدنا، سنكتشف حجم العطب في توزيع الموارد البشرية. ادارياً، في اغلب الادارات والمؤسسات، هناك تنافس حقيقي على المواقع، لا على المسؤولية. مجتمعنا معطوب من لبّه. من نواته. لا يقتصر ذلك على السياسيين.

لسنا بحاجة الى مواعظ دينية لننهض، بل إلى من يمتلك كفاءة في الادارة وفي اختيار الموارد البشرية وتوزيعها.

لا إصلاح بلا حديث عن معنى المسؤولية. نحن نعيش في بلد قلة فيه أصلاً من يتحملونها. أو أن فيه الكثير ممن هم مستعدون فعلا لتحملها لكنهم وضعوا في غير موضعهم المتناسب مع قدراتهم، فكانت النتائج أكثر كارثية من عدم تحمل المسؤولية، ذاك لأن صاحب طاقة معينة، وضمير معين، عندما يوضع في مكان يجب أن يبذل فيه جهدا أكبر من طاقته، حتماً سيفشل. سيشعر أنك ظلمته ولم تعطه حقه في التقييم، علما أنه كان مخلصاً في عمله. وهنا ليس التقييم هو الظالم.. الظالم هو ما يعرف بمسؤول الموارد البشرية (HR) الذي لم يتحمل مسؤوليته جيدا، فوظّف الطاقات البشرية بشكل خاطئ.. وقد يكون لهذا تداعيات بنيوية في أية مؤسسة، وأحياناً تكون تدميرية.

لبنان معطوبٌ بنيوياً. ليست الدولة الا صورة مكبرة عن المؤسسات، والعكس صحيح. المؤسسات ليست سوى صورة مكبرة عن الأسر، والعكس. العطب متجذر، وهو أكثر من بنيوي، والتغيير يبدأ من تزخيم مفهوم المسؤولية. والعمل على تزخيمه يكون بالاتجاهين، مسعى من أعلى، من الدولة، ورأس المؤسسات، ومن أدنى، من الناس، والأُسر.

العمل يحتاج جنوداً لا يخافون القيل والقال. سلاحهم ضمائرهم. فهل من ناصر ينصر هؤلاء؟

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free