لبنان: التدقيق الجنائي ينطلق.. وفرنسا تُدقّق بإحتياطي الذهب
Riad Salameh, governor of the Bank of Lebanon, listens during a Bloomberg via Getty Images Television interview in New York, U.S., on Monday, Sept. 26, 2011. Lebanon is the Arab world's most indebted nation with about $52.6 billion in public liabilities, equal to 137 percent of the gross domestic product. Photographer: Scott Eells/Bloomberg via Getty Images

علي نورعلي نور21/09/2020
لم  يعد سرّاً أن تحديد خسائر مصرف لبنان مثّل أبرز شروط صندوق النقد الدولي في جلسات التفاوض مع الوفد اللبناني، فيما يعتبر الفرنسيون أن التدقيق الجنائي مفصلي بالنسبة للبنان، بحسب ما تسرّب من لقاءاتهم مع وفد جمعيّة المصارف مؤخراً. عملياً، مسار التدقيق الجنائي إنطلق، فيما تكثر التساؤلات حول مآلاته وما سيكشفه، أما الأهم، فهو مصير حاكم المصرف المركزي وموقعه في "التركيبة" خلال وبعد عمليّة التدقيق هذه. 

حسب مصادر قضائية واسعة الإطلاع، فإن وزير الماليّة في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني، أصدر، الأسبوع الماضي، قراراً قضى بتأليف لجنة الإشراف على تنفيذ عقد التدقيق الجنائي الذي كان وقّعه مع شركة “آلفاراز آند مارسال”. وزير المالية، وبحسب العقد نفسه، سيرأس هذه اللجنة، فيما إختار لعضويتها كلاً من: مدير عام إدارة المناقصات في التفتيش المركزي جان العليّة، رئيسة هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل جويل فوّاز، المستشار في وزارة المالية د. محمد جزيني، وهو أستاذ في الجامعة اللبنانية.

الثغرة الأبرز في هذه اللجنة أنها لا تضم أي خبير مالي مستقل ومتخصص في أنظمة واعمال المصارف المركزية او أي خبير متخصص في التحقيق أو الامور الجنائية، علماً أن هذه الكفاءات موجودة سواء في القطاع العام أم في القطاع الخاص، لكن تغييبها عن اللجنة يطرح علامات إستفهام من دون الإنتقاص أقله من وجود شخصيتين مشهود لهما فيها أولهما جان العلية، وهو من أبرز العاملين في الهيئات الرقابية الذين تعذر على معظم أركان الطبقة السياسية تدجينهم في المرحلة السابقة؛ وثانيهما القاضية جويل فواز بصفتها المستشار القضائي المستقل للدولة اللبنانية، وكونها أحد الذين تابعوا هذا الملف منذ تأليف حكومة حسان دياب المستقيلة، برغم أنها لم تترك إنطباعاً إيجابياً لدى “آلفاراز”، تبعاً للملاحظات التي كانت وضعتها على عقد الدولة اللبنانية مع هذه الشركة، فضلاً عما يتردد في قصر عدل بيروت بأنها من القضاة الذين “تمون” عليهم دوائر القصر الجمهوري، سياسياً وقضائياً.

بكل الأحوال، مع تشكيل هذه اللجنة، ينطلق هذا الأسبوع مسار التعاون والتنسيق مع شركة التدقيق الجنائي، التي سيكون عليها إطلاع الوزير على مستجدات عملها من خلال إجتماعات عمل اسبوعيّة، فيما سيكون على وزارة الماليّة التأكّد من حُسن إمتثال المصرف المركزي لمتطلبات التدقيق الجنائي، وإلتزامه بتأمين المعلومات التي قد تطلبها الشركة في إطار عملها الذي سيبقى محكوما بسقف “القوانين اللبنانية”.

“إغمونت”.. لماذا؟

قبيل تشكيل اللجنة، تعرض وزير المالية إلى هجمة إعلاميّة من قبل وسائل إعلامية محسوبة على العهد تحت عنوان “تزوير العقد الجنائي”. هذه الهجمة إستهدفت جوانب معيّنة من العقد ومسار التدقيق، أهمّها إستثناء مجموعة “إغمونت”، حيث كان يراد أن يشكل وجودها في صلب العقد (ومن ثم اللجنة) عنصر ضغط يكفل إلزام هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بالقواعد الإلزامية المفروضة عليها من مجموعة “إغمونت”. وقد تبين لاحقاً أن العقد الأصلي الذي أقر في مجلس الوزراء لم يأت على ذكر هذه المجموعة، وأن التعديل حصل من قبل هيئة التشريع خلال دراستها للعقد، حيث حاولت الأخيرة أن تُلزم، خلافاً للأصول، مجموعة عالمية بمندرجات عقد بين شركة عالمية والدولة اللبنانية، الأمر الذي يشكل مخالفة لأبسط القواعد القانونية ولقرار مجلس الوزراء نفسه.

وقد تبين لاحقاً أن عدم ذكر مجموعة “إغمونت” الدولية المتخصصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لا يمنع أبداً إمكانية إستعانة الحكومة اللبنانية بهذه المجموعة، سواء مباشرة أو عبر هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان من أجل الحصول على معلومات أو أرقام تستطيع المجموعة توفيرها بواسطة شبكتها الأخطبوطية العالمية المترامية الأطراف وقدراتها الكبيرة التي تتسم بطابع إستخبارتي ـ مالي.

وكان واضحاً أن دوائر القصر الجمهوري أرادت من زج “إغمونت” وضع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان (عضو في مجموعة “إغمونت”) في حالة مواجهة مع المجموعة في حال أقدمت على تغطية الخطوات التي يمكن أن يلجأ إليها حاكم المصرف المركزي، وبالتالي تعريضها للمساءلة والضغط دولياً، برغم الإدارك المسبق أن التدقيق الجنائي ليس في صلب إختصاص “إغمونت”.

يعطي العقد شركة “آلفاراز” حق البحث عن مصادر أخرى تستطيع الوصول إليها لتأمين تلك المعلومات (عن غير طريق مصرف لبنان)، وهذه نقطة جوهرية وستحدد إلى حد كبير مسار التدقيق وكيفية الإستعانة بكل الوسائل المتاحة لقيام الشركة بدورها، وصولاً إلى تحقيق المهمة الموكلة إليها بموجب العقد

الأرقام من مصادر متعددة

شركة “آلفاراز”، وفور توقيعها العقد، أصدرت أول قائمة بالمعلومات المطلوبة من مصرف لبنان، وسلمتها إلى وزير المالية الذي حوّلها إلى حاكمية المصرف المركزي، وهو ما عكس إنكباب شركة التدقيق على التحضير لمهمّتها منذ ما قبل توقيعها العقد، ومحاولتها إختصار كل ما يمكن إختصاره من وقت خلال أداءها مهمّتها.

وبحسب العقد الموقّع بين الشركة ووزير الماليّة، يمكن لمصرف لبنان أن يأخذ مهلة أسبوعين لتحضير هذه المعلومات وتقديمها للشركة، على أن تقوم الشركة خلال فترة أسبوع واحد، من بعد تقديم هذه المعلومات، بإتخاذ قرار في ما إذا كانت هذه المعلومات كافية ومتلائمة مع معايير التدقيق، فإذا وجدت الشركة أن المعلومات غير كافية، سيكون أمام وزارة الماليّة مهلة أسبوعين لمعالجة الثغرات، وتأمين المعلومات الناقصة.

وهذه النقطة تحديداً عالجها العقد وذلك بعدم ركونه فقط إلى ما ستقدمه حاكمية المصرف المركزي من معلومات، إذ أنه يعطي شركة “آلفاراز” حق البحث عن مصادر أخرى تستطيع الوصول إليها لتأمين تلك المعلومات (عن غير طريق مصرف لبنان)، وهذه نقطة جوهرية وستحدد إلى حد كبير مسار التدقيق وكيفية الإستعانة بكل الوسائل المتاحة لقيام الشركة بدورها، وصولاً إلى تحقيق المهمة الموكلة إليها بموجب العقد.

هل يعني ذلك أن مسار عمل اللجنة محكوم بالضرورة بالنجاح؟

أبداً، فالعقد يقول إنه خلال خمسة اسابيع من بداية عمل الشركة، اذا توصلت “آلفاراز” إلى إستنتاج مفاده ان المعلومات التي بحوزتها، سواء عبر مصرف لبنان أو مصادرها الأخرى، لا يتيح لها أن تكمل مهمتها، فهي ستبادر إلى إبلاغ الدولة اللبنانية ممثلة بوزير المالية إعتذارها عن المضي بالعقد وطلب إنهاء مهمتها وفق آلية تضمن للطرفين حقوقهما المالية وغيرها.. وهذا البند في العقد يعطي إشارة واضحة بان مسار التدقيق ليس مضمون النتائج مسبقاً بل يمكن ان يصل الى حائط مسدود منذ بداية الشهر الثاني (مهلة الخمسة أسابيع)، أما تقرير التدقيق الأولي (PRELIMINARY)، فسيبصر النور بعد عشرة أسابيع من تاريخ بدء التدقيق إذا سارت الأمور بطريقة سلسة، وهو أمر مستبعد في ضوء المعطيات التي رافقت مسار التدقيق طوال أكثر من نصف سنة.

رياض سلامة “يتجاوب”

واللافت للإنتباه أن حاكم مصرف لبنان أبدى إيجابيّة في التعامل مع التدقيق الجنائي، إنما مع عبارة “تحت سقف القوانين اللبنانيّة”، في إشارة واضحة إلى قانوني السريّة المصرفيّة والنقد والتسليف. مع العلم أن هذه القوانين تمنع إفشاء أي معلومات تتعلّق بالحسابات المصرفيّة الدائنة بشكل مطلق، وتحصر إعطاءها بهيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان، التي يرأسها ويشرف على عملها حاكم المصرف المركزي نفسه، فيما تملك الهيئة حق دراسة طلب رفع السريّة المصرفيّة عن كل حساب على حدة، ودون أن يكون هناك أي طريقة لنقض قرارات الهيئة أو مراجعتها. مع الإشارة إلى أن مسار دراسة هذا النوع من الطلبات لدى الهيئة غالباً ما يمر بمسار بيروقراطي معقّد لكل طلب، ولا ينسجم مع عمليّة تدقيق جنائي سريعة قد تتطلّب الكشف عن عدد كبير من الحسابات دفعة واحدة.

أبرز المهمات التي يقوم بها وفد المصرف المركزي الفرنسي في بيروت حاليّاً، هي التدقيق في موجودات مصرف لبنان، وتحديداً إحتياطي الذهب

يقود ذلك للإستنتاج أنه لن يكون سهلاً على التدقيق الجنائي الكشف عن مآلات التحويلات الماليّة والمستفيدين منها، بفضل حواجز السريّة المصرفيّة القانونيّة. لكنّ التدقيق الجنائي سيشمل، وبحسب وثيقة “نطاق العمل” التي جرى التفاهم عليها مع الشركة، قائمة من المسائل الحساسة مثل:

  • كلفة الهندسات الماليّة التي جرت طوال الفترة السابقة، ومعقوليّتها ودرجة تضخّمها.
  • مراجعة تركيبة إحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبيّة، بالمقارنة مع إلتزامات المصرف بهذه العملات، علماً أن هذه التفاصيل ما زالت من أسرار مصرف لبنان الكبرى التي لا يعلم أحد خارج المصرف تفاصيلها.
  • التأكّد من مطابقة أهداف العمليات الماليّة التي جرت في مصرف لبنان مع الغايات المصرّح عنها.
  • إمكانيّة وجود شركات وهميّة مستفيدة من تحويلات معيّنة، أو وجود شركات إستفادت من هذه التحويلات لأهداف غير تلك المُصرّح عنها.
  • دراسة التحوّلات التي جرت في ميزانيّة المصرف المركزي خلال السنوات الأخيرة، وأسبابها.
  • دراسة التحولات التي جرت في تركيبة الودائع المصرفيّة، من ناحية توزّعها على شرائح الودائع (الحجم)، وأسبابها.

وبذلك، يمكن القول أن هذه الملفات يمكن أن تمثّل قاعدة لتدقيق أولي، على أن تدرس الحكومة المقبلة، إذا تألفت، إمكانيّة التعمّق في باب معيّن منها، وهو ما سيستلزم إيجاد المخارج القانونيّة المناسبة لتخطّي عوائق السريّة المصرفيّة.

هل يمكن أن يخرج التدقيق الجنائي عن المسار المرسوم له؟

برغم الضوابط التي تضمنها العقد، يبقى هذا الإحتمال قائماً، إستناداً إلى تجارب حصلت في دول أخرى (ثأر سياسي، صراع شركات ودول إلخ..).

التدقيق الفرنسي أيضاً

في موازاة التدقيق الجنائي، يواظب وفد من المصرف المركزي الفرنسي على المداومة في مصرف لبنان منذ مطلع أيلول/ سبتمبر الحالي في مهمّة لم تتضح كامل تفاصيلها أمام الرأي العام حتّى الآن. لكن المتداول، حتّى الآن، أن قدوم هذا الوفد أعقب المبادرة الفرنسيّة والتفاهم بين بيروت وباريس على إطار لتوفير “الدعم التقني” من المصرف المركزي الفرنسي إلى نظيره اللبناني. أما أبرز المهمات التي يقوم بها الوفد في بيروت حاليّاً، فهي التدقيق في موجودات مصرف لبنان، وتحديداً إحتياطي الذهب.

وليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان المسار التقني الفرنسي سيتقاطع أم يتعارض مع مسار “آلفاراز” وهل سيكون هناك تنسيق مباشر أو غير مباشر أم أن المهمتين مختلفتان؟

على أي حال، يبدو أن حاكم مصرف لبنان يتعامل مع المرحلة القادمة بواقعية، فيما يبدو أن أقصى ما يطمح إليه هو تأمين إنسحاب آمن وسليم له، سواء من خلال التدقيق الجنائي الذي إنطلقت قاطرته، أو من خلال مسار التدقيق التقني الذي أطلقه الفرنسيون بعد زيارتي إيمانويل ماكرون، علماً أن هذا التدقيق وذاك لن يكون بمقدورهما التعمّق إلى حدود الكشف عن تفاصيل التحويلات والصفقات التي جرت في النظام المصرفي اللبناني، تحت ستار السريّة المصرفيّة، إلا إذا قرر الأميركيون ذلك.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course