روسيا – بيلاروسيا.. لا أخوة ولا أعداء

تجتاح بيلاروسيا احتجاجات شعبية، أشعلت فتيلها انتخابات يعتقد على نطاق واسع بأنه تم تزويرها لكي يفوز الرئيس الحالي ألكسندر لوكاشينكو، الذي يتولى رئاسة البلاد منذ 26 عاماً، حيث وصل إلى السلطة في عام 1994 وسط حالة الفوضى التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

حاول ألكسندر لوكاشينكو الحفاظ على ما تبقى مِن مؤسسات الدولة التي خلفتها الشيوعية السوفياتية، ونجح في إبقاء الجانب الأكبر من قطاع التصنيع تحت سيطرة الدولة، وأعاد تقوية أجهزة الأمن، التي أبقى على إسمها السوفياتي [“KGB”i]، إلا أنه يقدم نفسه كقومي راديكالي بشكل واضح، ويرفض أي نفوذ أجنبي في بلاده، وهو لم يرضخ للرغبة الروسية في بناء قاعدة عسكرية روسية أكبر في بيلاروسيا، وكان دوما ملتزما بنسج علاقات ناعمة مع حلف الناتو.

كما أن بيلاروسيا تشارك في بعض برامج حلف الناتو، وفكرت في مناورات مشتركة مع الأطلسيين. هذا النهج المترنح بين المعسكرين، كافأه الاتحاد الأوروبي في 2016 بإلغاء عقوباته ضد مجموعات قيادية في مينسك[ii]. وهذه العوامل منحت لوكاشينكو – حتى الآن – دعماً راسخاً وقوياً، كونه ضامناً للاستقرار. لكن الطريقة التي ينظر بها المواطنون البيلاروس تغيرت خلال أشهر أزمة وباء كورونا حيث تذمر الناس مِن زيادة معدلات الفقر، البطالة، إنخفاض الأجور، انتشار الفساد، غياب أي أفق لتغيير سياسي، وأخيرًا تزوير الإنتخابات.

بالرغم مِن عدم وجود أي بنية للمعارضة بالمعنى الكلاسيكي لتسلم السلطة في بيلاروسيا، إلا أن التظاهرات تسير على نهج الثورات الملونة الفاشلة – بداية من ربيع براغ، إلى ما عُرف بالربيع العربي – فضلاً عن ظهور الفرنسي برنار هنري ليفي “عراب الثورات الملونة” إلى جانب أحد أبرز وجوه التظاهرات البيلاروسية وهي المرشحة السابقة للإنتخابات الرئاسية سفيتلانا تيخانوفسكايا، داعيًا الشعب الشعب البيلاروسي للإطاحة بنظام لوكاشينكو.[iii]

بالرغم مِن عدم وجود أي بنية للمعارضة بالمعنى الكلاسيكي لتسلم السلطة في بيلاروسيا، إلا أن التظاهرات تسير على نهج الثورات الملونة الفاشلة

الجدير بالذكر أن برنار هنري ليفي، الذي ظهر بسرعة البرق في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا وهو يلتقي شخصيات ورموزا من التظاهرات البيلاروسية، ويقوم بكتابة التدوينات التي تدعو الجماهير للإطاحة بالطغاة، هو نفسه الذي وجه انتقادات شديدة لأصحاب “السترات الصفراء” في فرنسا، مشبها إياهم بأصحاب “القمصان السوداء” في إيطاليا الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد تباكى على سقوط ضحايا ووقوع أضرار مادية ببعض المعالم الشهيرة في باريس جراء الاحتجاجات المتواصلة.

وقال ليفي في مقالة نشرت في صحيفة “لوبوان” للحديث عن الاحتجاجات الفرنسية: “ليس هناك شك في أن اللصوص من اليمين المتطرف واليسار المتطرف سيظهرون مرة أخرى بتخريبهم وإرهابهم وتدنيسهم”، لذا على أصحاب “السترات الصفراء” أن يكونوا مستعدين لمساعدة الشرطة الفرنسية خلال الاحتجاجات، مُشددًا على أن أصحاب “السترات الصفراء” إذا لم يأخذوا بنصائحه سينتهي بهم المطاف إلى “مزبلة التاريخ”.[iv]

في هذا السياق المعقد، تصاعدت توقعات المراقبين الغربيين [v] بأن تدخل روسيا صار مُحتماً لوقف التظاهرات والإضرابات ومن أجل منع تطور سيناريوهات الثورة الملونة كونها تشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي الروسي، وتتحدى عدم حماسة موسكو الواضح لتغيير الأنظمة عبر هذه الحفلات الصاخبة والملونة التي يتبعها ليل طويل مِن الفوضى – يمكن النظر لليبيا وسوريا واليمن، والوضع السياسي المتردي في تونس، والحقوقي في مصر-  إلا أن لدى روسيا الكثير مِن الأسباب التي تجعلها لا تقرر دعم نظام لوكاشينكو المُتداعي، وقد لخص تقرير نُشر في The Council on Foreign هذه الأسباب في خمس نقاط وهي:

أولاً، الاحتجاجات ضد لوكاشينكو ليس لها أي بُعد مناهض لروسيا حتى الآن، بعكس حركات الإستقلال في دول البلطيق بالتسعينيات، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، وثورة الورود في جورجيا عام 2003، وانتفاضة الميدان الأوروبي عام 2014 التي قامت على مشاعر قومية مُناهضة للروس، ونُظر لكل مَن يرغب في علاقات مع روسيا كونه عميل للإستعمار. وهذه النظرة تتفق مع  نظرة تحليلية لبيرند ريغرت من بروكسل[vi] الذي يرى أن بيلاروسيا نظامًا ومُعارضة تبقى مؤيدة لروسيا، وأن أي تغيير في نظام بيلاروسيا لن يكون مزعجًا للكرملين ما دام ذلك غير مرتبط بتغيير في السياسة للتوجه نحو الغرب والاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.

ثانيًا، سحق التظاهرات الديمقراطية في بيلاروسيا لن يحقق لبوتين أي دعم قومي أو شعبية على الصعيد الداخلي كما حدث جراء ضم شبه جزيرة القرم – المكسب المهم جدًا – وإثارة التمرد في شرق أوكرانيا -على الرغم مِن أن التحرك الأخير لم يجن منه بوتين الكثير من المكاسب – وسيكون التدخل الروسي في بيلاروسيا سببا لتوتر على الساحة الدولية، خصوصًا أن أن المعارضة البيلاروسية ترفض العقوبات التي يعتزم الاتحاد الأوروبي حاليا فرضها على بعض المسؤولين الحكوميين ويعتبرها غير بناءة، إذ أنها ستؤثر على أجواء الحوار الوطني. بإختصار داخليًا وخارجيًا سيتم إعتبار أي إجراء روسي الآن دعما للوكاشينكو، بدافع واحد فقط هو التستر على تزوير الانتخابات وإسكات الشعب البيلاروسي، وبوتين في حِل مِن مثل هذه الإدعاءات.

ثالثًا، حققت الدعوات للتظاهر في بيلاروسيا نجاحًا كبيرًا، ولم يعد مِن المتاح إحتواءها، وقد حاول لوكاشينكو قمع المتظاهرين، فأدى ذلك لزيادة أعدادهم وزيادة المتعاطفين معهم. على العكس، صار بوتين أكثر تفهمًا وتحملًا للتظاهرات، فمؤخرًا كان متسامحًا مع الاحتجاجات المستمرة في مدينة خاباروفسك في الشرق الأقصى والتي أندلعت على خلفية اعتقال حاكم الإقليم المنتخب[vii]، وتعامل مع الأمر بأنه سينتهي عاجلًا أم آجلًا، ولكن عليه تحمل وجع الرأس لبعض الوقت.

رابعًا، تحدثت مارغريتا سيمونيان، رئيسة وكالة الإعلام الحكومية “روسيا اليوم” عن إمكانية الإستعانة بالرجال المُهذبين في بيلاروسيا، والرجال المُهذبين هو مصطلح لبوتين أطلقه على القوات الروسية غير النظامية التي قامت بالإستيلاء على شبه جزيرة القرم، وعادة ما يكونون جنودا مُلثمين يرتدون بزات عسكرية خضراء بدون علامات ويحملون أسلحة ومعدات عسكرية روسية حديثة ظهروا خلال الأزمة الأوكرانية في عام 2014، لذا يُعرفون أيضًا “بالعساكر الخضراء الصغيرة – محاكاة لنموذج جنود يلعب بهم الأطفال” – لكن هذا الخيار يبدو مستبعداً جدًا، فالجيش والمخابرات والشرطة الإتحادية الروسية يدركون أن أية مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الجمهور البيلاروسي ستكون كُلفتها باهظة جدًا في هذه المرحلة، وبالتالي قد يتحول أي تدخل روسي إلى كابوس، فالرئيس لوكاشينكو أمر قبل الانتخابات باعتقال 32 روسياً اتهمهم بأنهم مرتزقة هدفهم زعزعة استقرار بيلاروسيا. وعلى أي حال يبقى سكان بيلاروسيا مؤيدين لروسيا، فالدولتان مرتبطتان عقائديًا وتاريخيًا وسياسيًا وعسكريًا، وبالتالي فإن التدخل لن يقدم شيئا. [viii]

خامسًا، حتى بعض أقوى المعارضين السياسيين للوكاشينكو يريدون علاقات وثيقة مع روسيا. لذا فإن كان هناك بد مِن تدخل روسيا عبر قوات غير نظامية، قد يلجأ الروس لإعداد قوات مِن البيلاروسيين مِن أجل ذلك وتعمل جنبًا إلى جنب مع نخبة بيلاروسية جديدة تتمتع بخبرة إقتصادية وسياسية وعسكرية كافية ببلدها، حتى لا تكون هناك أي إتهامات بالخيانة أو التدخل الخارجي أو تشويه سمعة روسيا، أو إفساد العلاقة بين البلدين، وفي الوقت ذاته تتم عملية نقل السلطة بعيدًا عن لوكاشينكو ونخبته السابقة.

ينتهي تقرير The Council on Foreign بالإشارة إلى أن التخلص مِن لوكاشينكو الآن هو الخطوة الجيدة الوحيدة التي قد تقوم بها روسيا. إلا أن هناك حاجة لتوخي الحذر والتروي دائمًا، لأن التحول السياسي ما زال غير محسوم في بيلاروسيا، لكن في الوقت نفسه قد يخيب تأخر روسيا أمال النخبة البيلاروسية التي تعول كثيرًا على بوتين، ما يجعل السخط الشعبي ضد لوكاشينكو يشمل بوتين والعلاقات مع روسيا.

في تصريحاته التي أعقبت إجتماعه الأخير بلوكاشينكو في سوتشي، قال بوتين إنه تم إعداد قوة “احتياطية من قوات إنفاذ القانون” للمشاركة المحتملة في بيلاروسيا، وأنها لن “تُستخدم ما لم يخرج الوضع عن السيطرة”، السؤال من يحدد ذلك؟ الجواب عند الكرملين وليس عند لوكاشينكو

يقوم لوكاشينكو ونخبته الآن بمحاولة للتخلي عن بعض إمتيازاتهم، وتقديم بعض التنازلات، والدعوة للقاءات مع المعارضة وتقديم حلول وسط مثل الدعوة لإنتخابات مُبكرة بدلًا من إسقاط النظام البيلاروسي برمته، وتعتبر موسكو هذه الخطوة في غاية الخطورة ولا تأتي في مصلحتها، لذا عليها التعامل بسرعة وحذر مِن أجل الإطاحة بنظام لوكاشينكو، وفي الوقت نفسه تسليم السلطة لنظام جديد يواليها من دون أن تسقط بيلاروسيا في فوضى الثورات الملونة.

ويفترض بعض المراقبين أنه في حال لم تتم الإطاحة بنظام بيلاروسيا وعقد إنتخابات جديدة، فسيكون بإمكان روسيا المراهنة على رئيس جديد مؤيد لموسكو يأتي بعد لوكاشينكو. والمرشح لذلك هو فيكتور باباريكو[ix] الذي أمر لوكاشينكو باعتقاله عندما ترشح لمنصب الرئاسة. وكان باباريكو يرأس شركة من روسيا البيضاء تابعة لغازبروم الروسية. وهو من دعاة الإبتعاد عن السياسات الغربية وتحقيق تعاون إستراتيجي مع الروس.

في تصريحاته التي أعقبت إجتماعه الأخير بلوكاشينكو في سوتشي، قال بوتين إنه تم إعداد قوة “احتياطية من قوات إنفاذ القانون” للمشاركة المحتملة في بيلاروسيا، وأنها لن “تُستخدم ما لم يخرج الوضع عن السيطرة”، السؤال من يحدد ذلك؟ الجواب عند الكرملين وليس عند لوكاشينكو.

[i] https://www.bbc.com/arabic/world-53811440

[ii] https://www.dw.com/ar/مع-الغرب-أم-في-دائرة-النفوذ-الروسي-أين-تقف-بيلاروسيا/a-54612640

[iii] https://arabic.rt.com/world/1146213-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D9%87%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2011-%D9%84%D9%8A%D9%81%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D9%81%D8%AE-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%B3/

[iv] https://arabic.rt.com/world/988194-عراب-الربيع-العربي-تضايقه-الألوان-السوداء-في-باريس/

[v] https://www.dw.com/ar/مع-الغرب-أم-في-دائرة-النفوذ-الروسي-أين-تقف-بيلاروسيا/a-54612640

[vi] https://www.dw.com/ar/مع-الغرب-أم-في-دائرة-النفوذ-الروسي-أين-تقف-بيلاروسيا/a-54612640

[vii] https://www.youtube.com/watch?v=IbTaxeMM1P0

[viii] https://www.dw.com/ar/مع-الغرب-أم-في-دائرة-النفوذ-الروسي-أين-تقف-بيلاروسيا/a-54612640

[ix] https://www.dw.com/ar/مع-الغرب-أم-في-دائرة-النفوذ-الروسي-أين-تقف-بيلاروسيا/a-54612640

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course