محمد على باشا.. من مذبحة القلعة إلى الحرب على الوهابيين

فى تلك الفترة، كان شابا عسكريا أخذ صيته فى الذيوع فى الأستانة نظرا لمهاراته العسكرية وقوة شخصيته. كان الفتى يدعى محمد على وهو المولود فى قولة (فى اليونان حاليا) لأسرة من أصول ألبانية فى 1769. لم تكن بداية محمد على فى الحياة سهلة، فتجمع الكتب التاريخية على تواضع مستوى معيشته فى أسرة كان أبوه هو عائلها وكان يعمل كقائد للخفر فى المدينة، ورغم أن المنصب يبدو براقا إلا أن راتبه لم يكن يحصل عليه كاملا وهى سياسة مالية اتبعتها الدولة العثمانية مع معظم موظفيها خارج الأستانة واستمرت حتى عهد الخليفة عبدالحميد الثانى الذى خُلع من عرشه فى السنوات الأخيرة للعثمانيين.
تيتم محمد على مبكرا، فعاش مع عمه الذى توفى بدوره بعد فترة قصيرة، فتولى الاهتمام به شوربجى (حاكم) قولة، وهو ما يعتقد أنها الفترة التى ولدت عند على مهارات الحكم والسياسة! فى تلك الفترة تحكى الروايات التاريخية عن تقرب محمد على من تاجر فرنسى يدعى ليو يعيش فى قولة، حيث رأى الأخير فى الأول الذكاء والفطنة وقوة الشخصية فقربه إليه واعتنى به وأخذ يعطيه من خبرات حياته حتى تأثر محمد على بالرجل وأصبح لديه تقدير واحترام للثقافة التحديثية والحضارة الفرنسية (كتاب «محمد على.. سيرته وأعماله» للمؤلف إلياس الأيوبى، تم إعادة نشره إلكترونيا بواسطة دار نشر هنداوى فى 2014).

***

اعتمد “شوربجى” قولة على محمد على فى تطهير المدينة من اللصوص ونشر الأمن فيها، وقد نجح على فى ذلك بالفعل بفضل مهاراته القتالية وخاصة فى الفروسية، فلما ذاع صيته فى المدينة تم استدعاؤه إلى الأستانة بواسطة الباب العالى لقتال اللصوص ونشر الأمن الداخلى ثم لاحقا تم تكليفه ببعض المهام البحرية فى بحر مرمرة وخاصة مطاردة القراصنة فنجح فى تلك المهمة أيضا، مما زاد من ثقة الباب العالى فى مهاراته فتم تعيينه لاحقا وهو فى بداية الثلاثينيات من عمره نائبا للفرقة العسكرية التى أرسلها السلطان العثمانى لمطاردة الفرنسيين فى أيامهم الأخيرة بمصر، وسريعا ما أصبح قائدها.
أظهر على مهارات عسكرية ومواهب سياسية بارعة بمجرد وصوله إلى مصر، فتقرب من الولاة العثمانيين، متحالفا معهم أحيانا ومتخليا عنهم فى أحيان أخرى، واستغل تلك الفوضى العارمة التى دبت فى البلاد وتقرب من المصريين بسرعة شديدة، ثم لاحقا تقرب أيضا من علماء الأزهر وأظهر تدينه الشديد ومواظبته على الصلاة، كما تقرب من أعيان البلد ومنهم عمر مكرم نقيب الأشراف قبل أن ينقلب عليه ويتخلص منه لاحقا، فطارت الأنباء إلى الباب العالى بالطريقة التى تصعد بها شعبية محمد على فى حكم البلاد، فقرر السلطان العثمانى إبعاده عن حكم مصر بأن ولاه ولاية مكة لكن رفض محمد على متحججا برفض أعيان البلاد مغادرته، فلم يجد الباب العالى مفرا من تعيينه على مصر فى 1805 وهو التعيين الذى شهد مباركة من شيوخ البلاد وعلمائها ووجهائها.
بحسب المؤرخ إلياس الأيوبى، فإن على بمجرد توليه حكم مصر قد واجه خمسة تحديات كبيرة:
تمثل التحدى الأول فى عدم ثقة على فى نية الباب العالى تجاهه وخاصة فى ظل تقليد اتبعه الأخير بعدم تعيين والٍ على مصر لأكثر من عامين.
أما التحدى الثانى فقد تمثل فى خطر الإنجليز الذين خططوا لنصرة المماليك على محمد على وخلعه من الحكم.
فيما كان التحدى الثالث متعلقا بمعارضة المماليك لحكمه ومحاربتهم له ولجيشه.
كان التحدى الرابع متعلقا ببعض الثورات التى قامت عليه من جنوده حتى وصلت إلى محاولة إطلاق النيران على منزله بسبب محاولته فرض النظام عليهم بعد أن عاثوا فى البلاد والقرى فسادا ونهبا.
وأخيرا كان التحدى الأخير هو تحدٍ مالى بالأساس، فخزائن البلاد كانت خاوية مما أعاق طموحاته فى الحكم والتوسع.

***

في ما يتعلق بالتحدى الأول، فلما وصل فرمان من الباب العالى بعد عام واحد فقط من توليه الحكم بترك مصر والذهاب لولاية سالونيك، فقد تظاهر محمد على بطاعة الباب العالى وكرر فعلته الأولى، فجمع أعيان البلاد وأشرافهم ليخبرهم أنه عازم على المغادرة، ولكنهم رفضوا ذلك بشدة كما توقع هو وخطط، فرد عليهم رسميا بأنه لا يستطيع مخالفة الفرمان فى محاولة منه لتطمين الباب العالى حينما تُنقل إليه أخبار الاجتماع، لكنهم تمسكوا به، فأوعز إليهم الكتابة إلى الباب العالى بطريقة لا تبدو منها أنه من خطط لذلك، فقام عمر مكرم والشيخ الشرقاوى بطلب إبقاء محمد على فى الحكم من السلطان مشيدين بصلاحه وتدينه وولائه المطلق للأستانة، وهكذا تمكن فى البقاء على حكم مصر دون إغضاب الباب العالى، بل ولاحقا حينما طلب الباب العالى منه إرسال حملة عسكرية للقضاء على الحركة الوهابية المتحالفة مع الزعيم القبلى سعود، فإنه أظهر الطاعة الفورية وجهز جيشا بقيادة ابنه طوسون للهجوم على الوهابيين وتثبيت حكم العثمانيين فى مكة والمدينة.

تخلص محمد على من المماليك لاحقا فى مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811 حينما وجه الدعوة لأكثر من 400 رجل منهم لموكب تنصيب ابنه على الجيش الذاهب لمحاربة الوهابيين، ثم غدر بهم وأجهز عليهم فى مذبحة كانت بمثابة النهاية الفعلية لوجودهم فى مصر، ثم سار جيش على بعدها إلى شبه الجزيرة العربية للتخلص من الوهابيين

وفى مواجهة الخطرين الثانى والثالث فقد اتبع محمد على سياسة بارعة، اعتمدت أولا على إنهاء التحالف بين المماليك والإنجليز وذلك عن طريق قيامه باستمالة المماليك بل ولاحقا بعقد صلح معهم وتأمينهم فى ديارهم وممتلكاتهم مقابل طاعة الأخيرين له، وفيما يتعلق بالإنجليز فقد أظهر الجيش تحت قيادته براعة فى التحالف مع الأهالى لمواجهة الحملة العسكرية الإنجليزية بقيادة فريزر (1807ــ1809)، حتى تمكن من هزيمتها فى النهاية مما زاد من مكانته لدى الأستانة.
ثم تخلص محمد على من المماليك لاحقا فى مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811 حينما وجه الدعوة لأكثر من 400 رجل منهم لموكب تنصيب ابنه على الجيش الذاهب لمحاربة الوهابيين، ثم غدر بهم وأجهز عليهم فى مذبحة كانت بمثابة النهاية الفعلية لوجودهم فى مصر، ثم سار جيش على بعدها إلى شبه الجزيرة العربية للتخلص من الوهابيين وبعد سنوات طويلة من الكر والفر، تمكن أيضا من القضاء عليهم وتثبيت حكم الحجاز للدولة العثمانية فازدادت مكانة محمد على لدى الباب العالى بشكل أكبر، فقد كان الأخير على وشك خسارة حكم المدينتين الأهم فى العالم الإسلامى وها هو محمد على يثبت حكم السلطان فيهما.
أما ما يتعلق بجنود محمد على الذين كانوا يتمردون عليه من وقت لآخر ولا يطيعون أوامره بعدم سلب الأحياء والقرى، فقد تدارس الأمر ووجد أن أحد أهم أسباب تفوق جيش بونابرت هو أنه جيش نظامى، فعمد إلى تحديث الجيش المصرى وتنظيم صفوفه وإعادة هيكلة قياداته والتخلص من القيادات العليا المتمردة وكذلك التخلص من الجنود غير النظاميين الذى كانوا يعملون بعض الوقت فى مقابل أجر فتمكن بالفعل من إنشاء جيش حديث فى المنطقة مكنه من الوهابيين ومن حملاته اللاحقة على فلسطين والشام والسودان.
أما التحدى المالى فقد كان الأكبر أمام محمد على، فمن ناحية كان يحتاج المال بشدة لمواجهة كل هذه التحديات السالف ذكرها، ومن ناحية أخرى فقد خشى من غضب الناس إذا ما زاد من الضرائب عليهم، فلجأ أولا إلى تحصيل المبالغ المتأخرة لدى المسئول المالى العام (المعلم جرجس الجوهري)، ثم فعل الأمر نفسه مع مسئولى المالية فى الأقاليم ولكن ما تم تحصيله من هذه الاستراتيجية لم يكن يكفى، فأعاد طلب تحصيل المزيد من المال من جرجس الجوهرى مما دفع الأخير إلى الفرار من البلاد، فبحث محمد على عن طرق أخرى لتحصيل المال منها الاستيلاء على القوافل التجارية ومطالبة أصحابها بمبالغ مالية مقابل الإفراج عنها، ومنها اتهامه للبطرك الرومى بأنه من ساعد جرجس الجوهرى على الهرب ومن ثم فرض عليه غرامة مالية كبيرة، ثم دار على أملاك نساء المماليك وقام بالسطو عليها بالكامل ولم يُعِدها إليهن إلا مقابل المال، ولما كان كل ذلك غير كافٍ فقد قرر فرض ضريبة تقدر بثلث إيراد الملاك فى مصر واستعان فى ذلك بالمشايخ والعلماء لتأييد القرار، بل وقد اتهم الأشراف بالفساد وادعى أنهم أدخلوا الأقباط واليهود بين أعضائهم ففرض عليهم عقوبات مالية!
وأمام حربه التوسعية فى المنطقة لم يجد بدًا فى النهاية من زيادة الضرائب على المواطنين واحتكار تجارة بعض السلع مثل التبغ، بل وفرض ضرائب إضافية على الأطيان الزراعية، مما أدى إلى غضب الناس منه فقام عمر مكرم نقيب الأشراف بدعوة العلماء والأعيان للاجتماع من أجل التباحث وانتهى الاجتماع برفض قرارت محمد على مما دفع الأخير إلى الإطاحة بمكرم والاستيلاء على إيرادات أوقاف المساجد ثم الاستيلاء على الأوقاف نفسها، ثم قرر تخفيض نسبة الذهب فى العملة مع الحفاظ على قيمتها ثم احتكر الزراعة والتجارة فى البلاد حتى استتب له حكم مصر تماما.

(*) نقلاً عن “الشروق”

أحمد عبدربه

مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course