“الشراكة” الروسية – التركية عند منعطف.. القوقاز  

ثلاث أزمات نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إدارتها، سوريا وليبيا وشرق المتوسط، ويطمح إلى إدارة  الأزمة الرابعة في القوقاز. بيد أن الطموح التركي الأخير يصطدم، حتى الآن، بممانعة روسية، علماً أن موسكو تتشارك مع أنقرة في سوريا وليبيا ولا تبدي كثير اعتراض على الاندفاعة التركية في شرق المتوسط.

كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واضحاً قبل أيام في رده على أسئلة وكالة “سبوتنيك” حول توصيف روسيا لتركيا، إذ قال إن موسكو تعتبر أنقرة “شريكاً استراتيجياً” وليس “حليفاً استراتيجياً”، ليستطرد أن مرجعية الحل في ناغورنو- قره باخ هي مجموعة مينسك التي تتولى رئاستها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، وأنه من غير المطروح إجراء تعديل عليها في الوقت الحاضر.

لم يتأخر الرد التركي على لافروف، فأسقطت أنقرة هدنة العاشر من الشهر الجاري التي أعلنها وزير الخارجية الروسي من موسكو عقب اجتماع استمر 10 ساعات مع نظيريه الأرميني والأذري. وتحت الضغط العسكري الأذري المدعوم بقوة تركياً، اقترح الرئيس الأذري إلهام علييف إجراء محادثات رباعية بين باكو وأنقرة وموسكو ويريفان. إلا أن هذا الاقتراح لم يلقَ ترحيباً من قبل موسكو، التي بدأت تطلق تحذيرات من عواقب نقل مقاتلين أجانب من سوريا إلى القوقاز، في تلميح صريح إلى استياء الكرملين من الدور التركي في هذا المجال.

هذا السرد الحدثي، غايته طرح السؤال الآتي، هل نحن أمام بداية تمايز روسي – تركي، قد ينسحب على ملفات أخرى، لا سيما سوريا وليبيا وأنبوب غاز “السيل التركي” وصفقة “إس-400”.

قد يكون لا يزال من المبكر التقدم بإجابة جازمة. ولا يزال أردوغان يملك في يده ورقة استمرار الحرب، إذا لم يكن شريكاً في حل يكرس اعترافاً دولياً بالنفوذ التركي في القوقاز على غرار سوريا وليبيا.

هذه المرة، يعبث أردوغان في الحديقة الخلفية للكرملين، والنفوذ الروسي – السوفياتي على أذربيجان يعود إلى القرن التاسع عشر، وليس حدثاً طارئاً في منطقة غنية بالثروات وتحتل موقعاً استراتيجياً.  وإذا تنازلت روسيا لتركيا، في هذه المنطقة، قد تكون إشارة إلى أن الدب الروسي مريض وليس على ما يرام، وسيتكاثر من حوله الصيّادون

واستمرار الحرب على الوتيرة الحالية ناغورنو قره ـ باخ يثير القلق في موسكو، لأن التقدم العسكري الأذري نحو الأراضي الأرمينية، سيجبُر روسيا في نهاية المطاف على التدخل عسكرياً بموجب معاهدة دفاعية موقعة مع يريفان. وقد يكون التورط العسكري في القوقاز آخر ما تتمناه موسكو في هذه الظروف نظراً إلى كثرة الأزمات التي تحيط بها من كل جانب تقريباً وآخرها العقوبات الأوروبية على مقربين من الرئيس فلاديمير بوتين، على خلفية تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني، ناهيك عن بيلاروسيا وقرغيزيا.

يضغط أردوغان على بوتين للحصول على “أستانا قوقازية” على غرار “أستانا السورية”، يليها اتفاقات “خفض تصعيد”، وتفاهمات على اقتسام النفوذ.

وهنا أيضاً يلح سؤال آخر، هل أخطأ بوتين يوم سلم لتركيا بمد نفوذها في الشمال السوري، فإذا به يجد نفسه اليوم في موقع قد يضطره إلى التسليم بالنفوذ التركي أيضاً في القوقاز، أو سيكون عليه الانقلاب على “الشراكة الاستراتيجية” مع أردوغان من القوقاز إلى آخر زاوية في الشمال السوري؟

بوتين وأردوغان، من رجال السياسة الذين أتقنوا فن البقاء. الآن اقترب الرجلان من مواجهة واحدهما الآخر، في لعبة سيكون فيها رابح واحد. هذه لعبة لا تحتمل رابح-رابح كما في شمال سوريا وكما في ليبيا، وكما سيكون عليه الحال على الأرجح في شمال المتوسط!

هذه المرة، يعبث أردوغان في الحديقة الخلفية للكرملين، والنفوذ الروسي – السوفياتي على أذربيجان يعود إلى القرن التاسع عشر، وليس حدثاً طارئاً في منطقة غنية بالثروات وتحتل موقعاً استراتيجياً.  وإذا تنازلت روسيا لتركيا، في هذه المنطقة، قد تكون إشارة إلى أن الدب الروسي مريض وليس على ما يرام، وسيتكاثر من حوله الصيّادون.

وصف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو القوقاز بأنه “برميل بارود”. هو فعلاً كذلك لأن العناد التركي سيجر إلى مواجهة عسكرية مع روسيا، في حين أن إيران التي تتلقى قذائف الحرب الطائشة على أراضيها، لن تكون بعيدة عنها، فضلاً إلى وجود أقلية أذرية معتبرة تعد 20 مليوناً في أربع محافظات إيرانية.

مغامرة أردوغان في القوقاز ليست آمنة. والمسألة لا تزال في البدايات، والعبرة في الخواتيم.

سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free