حكومة الحريري.. بلا ثلث معطل للجميع!

غداً ينقضي الأسبوع الأول على تكليف سعد الحريري برئاسة حكومة هي الرابعة، إذا نجح بتأليفها. بماذا تتميز مفاوضات التأليف عن سابقاتها وهل بلغت مرحلة متقدمة كما تشي بذلك التسريبات؟

يبدو معظم الوسط السياسي متفاجئاً بأداء سعد الحريري. كل الصورة النمطية التي كرّسها الرجل عن أدائه، على مدى 15 سنة، إستطاع أن يكسرها في أقل من أسبوع واحد، حتى أن بعض الذين كانوا محيطين به، وقرروا الإبتعاد عنه في السنوات الأخيرة، لاحظوا، بعد تواصلهم معه، أنه يتعامل مع الملفات بأسلوب مختلف، وقتاً وواقعية وإلماماً بالتفاصيل. لكأن موسم الترف قد إنتهى. يكون سعد الحريري أو لا يكون. إذا كان قرار السعوديين بالتخلي عنه أو إقفال بيته السياسي لا عودة عنه، يمكنه أن يستظل، ولو مؤقتاً، بمظلة لبنانية ـ فرنسية ـ أميركية، لعلها تكون كفيلة بتعويضه ظلم ذوي القربى الذين يعطون إشارة تلو أخرى بأنهم لن يتسامحوا معه ولن يفتحوا له أبوابهم في المدى القريب.

حتى الآن، تبدو ملامح الحضانة السياسية اللبنانية متوافرة، وعنوانها أن الكل يريد حكومة برئاسة الحريري، ما عدا القوات اللبنانية. مجريات التأليف وما يتخللها من تساهل سياسي غير مسبوق، أقله بالشكل، تصب كلها في هذه الخانة. الإنهيار السريع لـ”أسطورة بهاء الحريري” التي كانت مجرد فقاعة إعلامية، تشي بأن سعد الحريري ما زال يتقدم على غيره في شارعه وبيئته. الفرنسيون وبرغم عودتهم خطوة إلى الوراء لبنانياً، ما زالوا يعوّلون على حركة الحريري التي يمكن أن تشكل خشبة إنقاذ وتعويم للمبادرة الفرنسية. الأميركيون يواكبون بحذر شديد. لا يعطون أية إشارة إيجابية مبالغ بها، ولكن الأهم عدم تقديم أية إشارة سلبية، كما حصل مع تكليف مصطفى أديب، وإطلاقهم زخة العقوبات التي إستهدفت الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس.

ثمة مرونة ملحوظة للحريري من التكليف حتى التأليف. لعل العنصر الأكثر نفوراً هو إتصاله الشهير برئيس الكتلة القومية الإجتماعية النائب أسعد حردان. تواصل زاد تشظي القوميين لكنه إستجلب أصوات كتلتهم النيابية إلى مرمى التكليف. هذه “ضربة معلم” ولو أن حساباتها عند القوميين مختلفة كلياً، كما عند راعيهم السوري. مرونة قابلتها صلابة في عدم تجاوز محظور التواصل قبل إنجاز التأليف مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، لكن في سياق تفاهمي مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي بات يفاوض الرئيس المكلف، عملياً، من موقعيه الدستوري والبرتقالي في آن معاً.. في إنتظار أن يفي رئيس الحكومة المكلف بوعد التشاور مع باسيل، بعد نيل حكومته ثقة نيابية مدموغة بأصوات عشرين نائباً في “تكتل لبنان القوي”.

وما كان سبباً في “تطفيش” مصطفى أديب، شكّل فرصة تدريب لسعد الحريري. مناورة لتأليف حكومة في ميدان الحسابات اللبنانية المتضاربة وتحت سقف المبادرة الفرنسية. إختبر رئيس تيار المستقبل الممكن والمستحيل. صارت الصورة أكثر واقعية ولا لزوم لصعود أية شجرة جديدة، كما فعل في موضوع وزارة المالية، وبالتالي، سلّم بها قبل أن يبدأ مشاورات التأليف، من دون أن يتراجع عن بند المداورة، أقله حتى يتسلح به شكلاً، إذا قرر إعادة مناورة المداورة من عند حقيبة المالية في المستقبل.

عندما طرح نجيب ميقاتي حكومة من عشرين وزيراً، بينهم ستة وزراء دولة يمثلون الأحزاب السياسية وأربعة عشر وزيراً من التكنوقراط، سارع الحريري إلى لومه أمام زملائه في نادي رؤساء الحكومات. قال الحريري لميقاتي: إذا كان المطلوب أن نتنازل لحزب الله قبل أن نبدأ المفاوضات معه، ماذا تركت لنا للتفاوض؟

هذه العقلية إن دلّت على شيء، إنما على سعي الحريري إلى الإحتفاظ ببعض الأوراق حتى يكشفها أمام شركائه في التأليف. لذلك، يمكن رصد إستراتيجية التأليف الحريرية على الشكل الآتي:

أولاً، تمسك الحريري في بداية المفاوضات بحكومة من 14 وزيراً. هذه القاعدة جعلته يفاوض الجميع ضمن هامش يرفض رفع عدد الوزراء إلى أكثر من 18 وزيراً حتى الآن. كان ثنائي حزب الله ـ أمل متساهلاً مع صيغة الـ 14 ولو أنه يفضل أن تكون الحكومة أكبر (عملياً وزيران لأمل والثالث لحزب الله)، لكنه أبلغ الحريري أنه سيلتزم بمندرجات أي تفاهم بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، وهذه القاعدة ما زالت سارية المفعول حتى الآن.

وبالفعل، رفض ميشال عون صيغة الحكومة المصغرة منذ أول لقاء عمل بينه وبين الحريري، غداة التكليف. تمسك بمطلب الحكومة العشرينية، لأسباب تتصل بعدم إرهاق الوزراء بمسؤولية حقيبتين في آن معاً. إنتقل النقاش مباشرة إلى مربع الـ 18 وزيراً، وهو سقف يرفض الحريري مغادرته. لماذا؟

بموجب التوزيع الطائفي في حكومة الـ 18، ينال المسلمون 9 حقائب تتوزع كالآتي: 4 لكل من الشيعة والسنة والتاسعة للدروز. ضمن هذه الصيغة، يحصل كل من حزب الله وحركة أمل على أربعة مقاعد تقسم مناصفة بينهما، وهذا الأمر لا يرضي الدروز، أي وليد جنبلاط، ولذلك يفضل أن تكون الحكومة من 20 وزيراً (وزيران درزيان من عشرة وزراء مسلمين). هنا تبرز معضلة من نوع آخر. فرئيس الجمهورية يريد المقعد الدرزي الثاني للنائب طلال ارسلان، وهذا الأمر يستفز جنبلاط الذي يرأس كتلة تضم ستة نواب دروز (قبل إستقالة مروان حمادة)، بينما لا تضم كتلة ارسلان سواه هو عن الدروز، علماً أن جبران باسيل أعاره عددا من نواب كتلته المسيحيين حتى يصبح رئيساً لكتلة نيابية بعنوان “ضمانة الجبل”. هنا ثمة إحراجات متعددة، قد تجعل الحريري أكثر تمسكاً بحكومة الـ 18، على أن يعوض لجنبلاط بحقيبة خدماتية دسمة (الصحة أو ما يعادلها). وما يسري على الدروز، يسري على الكاثوليك، ففي حكومة الـ 18 تحصل طائفة الروم الكاثوليك على مقعد واحد مقابل أربعة مقاعد للموارنة وثلاثة للأرثوذكس وواحد للأرمن.

هذا التدقيق في أرقام الوزراء القصد منه القول إن المدخل الأول لتأليف الحكومة هو التفاهم على عدد الوزراء فيها، وهو أمر لم يكن قد حسم حتى اليوم، في إنتظار ما سيحمله الحريري إلى رئيس الجمهورية في الساعات المقبلة، من صياغة قادرة على التوفيق بين مطالب الطوائف والكتل التي ستنضوي في حكومته.

ثانياً، فور حسم التركيبة العددية (14 أو 18 أو 20)، يتم الإنتقال إلى المربع التالي: كيفية توزيع هذه المقاعد على الطوائف بصورة عادلة كما ينص على ذلك الدستور. هذه المهمة ستكون عبارة عن شراكة متلازمة بين عون والحريري، وذلك إستناداً إلى معايير وضعها الرئيس المكلف، وأولها أن تثبيت وزراة المالية من حصة الطائفة الشيعية، لا تلغي مبدأ المداورة في باقي الحقائب السيادية وهي الخارجية والداخلية والدفاع (البعض يضيف إليها العدل). على الأرجح، ستكون الخارجية هذه المرة من نصيب الطائفة السنية (مصطفى أديب هو المرشح الأول لها، على أن يضمن عودته لاحقاً إلى مركز عمله في السفارة اللبنانية في برلين). أما الداخلية، فعلى الأرجح، ستكون من حصة الأرثوذكس (نقولا الهبر أبرز مرشح لها)، فيما يختار رئيس الجمهورية شخصية مارونية لتولي وزارة الدفاع، تكون محسوبة عليه، وثمة حديث عن ضابط ماروني متقاعد لتولي هذه الحقيبة.

وما يسري على الحقائب السيادية ينسحب أيضاً على الحقائب الخدماتية. يرغب الحريري بتكريس المداورة فيها، فلا تبقى الصحة من حصة الشيعة (حزب الله) ولا الأشغال من حصة الموارنة (المردة) ولا الإتصالات من حصة السنة (المستقبل)، وهذا ما يسري بالدرجة الأولى على حقيبة الطاقة التي أعطى الفرنسيون إشارة واضحة في ورقتهم لجهة عدم بقائها بيد التيار الوطني الحر. وهنا ثمة مفاوضات شارك فيها رجل الأعمال المتعدد الجنسيات علاء الخواجة قد تفضي إلى إختيار شخصية تتقاطع بين الفرنسيين وجبران باسيل وسعد الحريري ورئيس مجلس إدارة بنك عوده سمير حنا، وهي كارول عيّاط المسؤولة عن قسم الطاقة المتجددة في إدارة بنك عوده.

ثالثاً، إذا تم التفاهم على عدد الوزراء ومن ثم التوزيع الطائفي، يتم إسقاط الأسماء على الحقائب.

رابعاً، لقد كان ثنائي حزب الله وحركة أمل واضحاً منذ اليوم الأول للتكليف: تبدأ قاعدة التوافق من عند الأسماء المسيحية، فإذا تفاهم الرئيس المكلف مع رئيس الجمهورية والأحزاب المسيحية (تيار المردة والطاشناق) على الحقائب والأسماء، سيجد سجادة التأليف مفروشة عند الجميع، لتبدأ المرحلة الأخيرة (الأسهل) من المفاوضات حول أسماء الوزراء المسلمين (إذا كانت الحكومة من 18 وهذا هو الأكثر ترجيحاً، يتم توزيعهم على الشكل الآتي: 2 أمل، 2 حزب الله، 3 الحريري، 1 ميقاتي، 1 جنبلاطي). بالمقابل، تتوزع الحصص مسيحياً كالآتي: 2 تيار المردة، 1 الطاشناق، 5 رئيس الجمهورية، 1 للحريري (هذه النقطة ستكون مثار جدل مع رئيس الجمهورية الذي قد يطرح بالمقابل تسمية احد الوزراء المسلمين).

خامساً، يحيلنا التوزيع السالف الذكر إلى قضية جوهرية. إنها قضية الثلث المعطل. في حكومة الـ 18 وزيراً، يحتاج كل طرف حتى يمتلك الثلث المعطل إلى سبعة وزراء. عملياً، لن يكون بمقدور أية جهة وحدها أن تحصل عليه. على سبيل المثال لا الحصر، إذا أخذ حزب الله وأمل أربعة وزراء ومعهم وزيران للمردة، لن يمتلكا الثلث المعطل. إذا حصل رئيس الجمهورية على خمسة وزراء زائد الطاشناق، فإنه لا يملك الثلث المعطل. يسري ذلك على الحريري بحصوله على ثلث الوزراء من دون الوزير المعطل (أي هو وأربعة وزراء يسميهم ووزير محسوب على ميقاتي، وهو مصطفى أديب). عملياً، ستكون من المرات النادرة منذ “الزمن السوري” الذي لا يستطيع فيه أي طرف أن يمتلك وحده الثلث المعطل إلا بالتواطؤ مع مكونات مختلفة في الحكومة.

سادساً، يصر الحريري على القول إنها حكومة مهمة لن تستمر أكثر من ستة أشهر من تاريخ نيلها ثقة المجلس النيابي، وبالتالي لا يجوز تحميلها أوزار الإستحقاقات المقبلة من نيابية ورئاسية إلخ..

سابعاً، توحي حركة جميع القوى المعنية بالتأليف أنها ليست محكومة لا بسقف التوصل إلى حكومة قبل الإنتخابات الأميركية ولا بعدها، لكن المناخ العام يشي بأن ولادة الحكومة لن تكون مُيسرة، في غضون الأسبوع الحالي، وفق معطيات الساعات الأخيرة، إلا إذا برزت عناصر جديدة قد تسهل التفاهم على معايير التأليف وصولاً إلى التأليف نفسه.

ثامناً، هذه من المرات القليلة التي يُقرر فيها رئيس حكومة مكلف أنه لن يعتذر عن مهمة التأليف مهما كان حجم الصعوبات التي ستواجهه، وهذا يعني أن الحريري ليس في وارد التنازل عن رئاسة الحكومة لا الآن ولا في المدى القريب أو المتوسط.

تاسعاً، هذه المرة الأولى منذ العام 2005، الذي يحاط تأليف الحكومة بجدار من الكتمان من قبل جميع الشركاء في الـتأليف، وهذا عنصر إيجابي لمصلحة الجميع. فهل يفسر ذلك إفراط البعض بالتفاؤل بقرب ولادة الحكومة خلال ساعات قليلة؟

على الأرجح، لم تكتمل معطيات التأليف، أما مسار البيان الوزاري والثقة النيابية، فله حتماً حسابات مختلفة.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course