من صامويل هانتغتون إلى صامويل باتي.. عالم خارج السيطرة

من المؤكد أن صامويل هانتنغتون واضع كتاب "صدام الحضارات" لم يكن يعرف صامويل باتي أستاذ التاريخ والجغرافيا في مدرسة كونفلان سانت-أونورين في الضاحية الغربية لباريس، الذي قتل بقطع رأسه بسكين الشيشاني عبدالله أنزوروف، لأنه عرض على تلاميذه في درس عن حرية التعبير، رسوماً كاريكاتيرية عن النبي محمد.

لكن بين فعل عرض الرسوم وفعل القتل، تلخيص للكتاب، القائم على فكرة أن إنتهاء الصراع الإيديولوجي بين الغرب والشيوعية ممثلة بالإتحاد السوفياتي السابق، سيفضي إلى صراع بين الأديان.

خيط رفيع يفصل الديني عن السياسي في الصراع الدائر منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001. إحتلال أميركا لأفغانستان والعراق وحربها المعلنة على الإرهاب. وفي المقابل، هناك صعود التنظيمات الجهادية في أكثر من مكان من العالم ولا سيما في العراق وسوريا حيث شكلت “خلافة داعش” منعطفاً دامياً في تاريخ المنطقة. ثم هناك الهجمات على المصالح الغربية في أنحاء مختلفة من العالم أو داخل أوروبا والولايات المتحدة. وسط كل هذه الحروب وتداعياتها، بات من الصعوبة بمكان تمييز الديني فيها عن السياسي. بل إن هذا الصراع يعيد تشكيل الخرائط السياسية، كما كان يجري إبان الاستقطاب الحاد في ذروة الحرب الباردة بين الإتحاد السوفياتي والغرب.

و”الحرب الأميركية على الإرهاب” لم يتأتَّ عنها سوى زيادة الإرهاب إستفحالاً، من دون تناسي محاولات الغرب توظيف هذه الظاهرة لخدمة أهداف سياسية كما حصل إبان موجة “الربيع العربي” من ليبيا إلى سوريا. كان المتشددون الإسلاميون هم الورقة الرابحة في يد الغرب لتغيير الأنظمة في الدول العربية. وحتى الآن تحظى “جبهة النصرة” بملاذٍ آمنٍ في إدلب. ولم تقصف أميركا أياً من مواقعها. و”النصرة” نشأت من رحم “القاعدة” على غرار “داعش”.

وحتى لا نغرق في تفاصيل يحتاج شرحها إلى مجلدات، نعود في هذه العجالة إلى التطورات الأخيرة في فرنسا ورد الفعل التركي، حيث إختلط العامل السياسي بالعامل الديني حتى بات من الصعب معرفة هل ما يجري صراع ديني أم سياسي. وفي كلتا الحالتين، خرجت الأمور عن سيطرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبدا العالم منقاداً إلى صدام في الثقافات لن يبقى أحد بمنأى عنه.

لنأخذ مثالاً حياً. إن تضارب المصالح الفرنسية – التركية في نزاعات مثل ليبيا وشرق المتوسط والقوقاز وإلى حدٍ ما في شرق الفرات بسوريا، كان نزاعاً سياسياً خالصاً بقي الدين بمنأى عنه. وتالياً، كانت الإتهامات المتبادلة، تدخل في النطاق السياسي الصرف. وقد يفهم ذلك على أنه محاولة من أردوغان وماكرون لتعبئة قواعدهما الشعبية لأهداف مختلفة. الرئيس الفرنسي يريد سرقة أصوات اليمين المتطرف في الإنتخابات الرئاسية عام 2022 والرئيس التركي يواجه وضعاً اقتصادياً مأزوماً يجد تعبيره في تهاوٍ غير مسبوق في قيمة الليرة التركية. هكذا يقول مراقبون من الجانبين.

المفارقة التاريخية، أن أردوغان، ذي الجذور الإسلامية والمنتمي شكلاً إلى دولة تعتنق دستوراً علمانياً، وماكرون الذي ينتمي إلى دولة متشددة في علمانيتها، هما من يتبنى الآن خطابين يقودان إلى تأجيج توتر ديني وتفعيل نبوءة هانتنغتون عن “صدام الحضارات”، في حين أن عالم اليوم، هو أحوج ما يكون إلى التضامن والتكافل

لم يدخل في إعتبارات ماكرون وأردوغان أنهما يلعبان عند حافة الحاجز الديني. فمن غزة إلى داكا واسلام آباد وكويتا وبغداد وصنعاء وغيرها من مدن العالم الإسلامي، خرجت تظاهرات ضد فرنسا، لأسباب دينية، لا علاقة لها بالسياسة، بينما ساند الاتحاد الأوروبي فرنسا في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها على أراضيها من إسلاميين متشددين.

أخذ  أردوغان على ماكرون لصق صفة “الإسلامي” بالإرهابي الشيشاني الذي قتل صامويل باتي في 16 تشرين الأول/أكتوبر، وسارع إلى الدعوة إلى مقاطعة البضائع الفرنسية في الدول الإسلامية مدفوعاً بالرغبة في الظهور بمظهر المدافع عن الإسلام في مواجهة “الإضطهاد” الفرنسي. وبذلك دفع العنصر الديني في المواجهة مع فرنسا إلى المقدمة، فأربك دولاً مسلمة أخرى ربما لم تكن ترغب في الدخول في نزاع مع فرنسا.

ووسط طغيان الديني على السياسي، كان ماكرون يواجه صعوبة في تفسير كلامه السابق عن أن “الإسلام في أزمة”، وعن إعتزامه سن قوانين تتشدد في تطبيق “قيم الجمهورية”. ومع هذا الإلتباس الناشىء عن كلام الرئيس الفرنسي وإندفاعه نحو رؤية جديدة للإسلام الفرنسي، أتى حديث أردوغان عن “حملات صليبية” جديدة، بينما واقع الأمر أن الرئيس التركي لا يسعى سوى إلى تعزيز موقعه في الداخل وتكريس نفسه زعيماً للعالم الإسلامي، مصوباً على السعودية ومصر.

لكن النبرة الدينية العالية في الخطاب، تخدم أجندة المتشددين أكثر مما تشكل عامل ضغط على ماكرون للتراجع عن قرارات يراها بعض المسلمين مجحفة بحقهم.

وإذا كان أردوغان يسعى إلى وضع الهجمات التي تتعرض لها فرنسا في سياق رد الفعل الغاضب على إعادة مجلة “شارلي إيبدو” نشر رسوم مسيئة إلى النبي محمد سبق أن نشرتها صحيفة دانماركية قبل سنوات، فما هو مبرر هجمات إرهابية من طريق الدهس والطعن حدثت في بريطانيا وبلجيكا وألمانيا ودول أوروبية أخرى في الأعوام الأخيرة وتبناها تنظيم “داعش” أو كانت من صناعة “ذئاب منفردة”؟

هل يمكن أردوغان الدفاع عن هذه الهجمات؟ طبعاً لا يجرؤ، وإن كانت خطاباته الأخيرة تنم عن إستياء واضح من وقوف أوروبا خلف فرنسا. وهذا في نظره خطأ، علماً أن الدول الأوروبية كانت تحاول أن تنأى بنفسها عن باريس في المواجهة في شرق المتوسط وليبيا والقوقاز، فلم يستجب الإتحاد الأوروبي لدعوات فرنسية متكررة لفرض عقوبات على أنقرة. ولا تزال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل برغم قربها من ماكرون ترفض اللجوء إلى سلاح العقوبات ضد تركيا. هل يكون لوجود جالية تركية كبيرة في ألمانيا علاقة بهذا الرفض؟ ربما.

والمفارقة التاريخية، أن أردوغان، ذي الجذور الإسلامية والمنتمي شكلاً إلى دولة تعتنق دستوراً علمانياً، وماكرون الذي ينتمي إلى دولة متشددة في علمانيتها، هما من يتبنى الآن خطابين يقودان إلى تأجيج توتر ديني وتفعيل نبوءة هانتنغتون عن “صدام الحضارات”، في حين أن عالم اليوم، هو أحوج ما يكون إلى التضامن والتكافل لمواجهات تحديات ماثلة في مقدمها الإرهاب بكل أشكاله وحل نزاعات إقليمية تستنزف شعوباً بكاملها وتقضي على إمكاناتها المستقبلية. وزد عليها جائحة كورونا ومضاعفاتها الكارثية بشرياً وإقتصادياً وإجتماعياً.

سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download