فيصل جلول: مشكلة الإرهاب في فرنسا لا تُحل بالمعايير المزدوجة 

Avatarخاص 18002/11/2020
شدد الباحث في اكاديمية باريس للجيوبوليتيك فيصل جلول على أنه لا يمكن حل مشكلة الإرهاب في فرنسا بالمعايير المزدوجة، وقال إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد قطع كل اشكال التدخل الخارجي في شؤون الفرنسيين المسلمين. في ما يلي نص الحوار:
-في أي سياق يمكن ان ندرج الهجوم على كاهن بكنيسة في ليون؟
لم يدرج الحادث في سياق الإرهاب حتى الان. يرجح التحقيق بانه حادث شخصي ذلك ان الراهب الأرثوذكسي يوناني الجنسية. كان يقفل باب الكنيسة عند اصابته وكانت ملابسه مدنية والكنيسة ليست مميزة في البناء عن محيطها ناهيك عن ان أحدا لم يتبن العملية ولم يتحدث الشهود عن عبارات دينية اطلقها الجاني المقنع. كل ذلك يرجح بان يكون الحادث جنائيا او فلنقل لا يندرج في سياق الاعمال الإرهابية الأخيرة.
-هل حقا فهم الرئيس الفرنسي شعور المسلمين بسبب الرسومات المسيئة للرسول وأيضا موجة الغضب من تصريحاته؟
 يبدو انه فهم بعد ردود الفعل العالمية على تصريحه خلال تابين المدرس صامويل باتي، بانه يتبنى الرسوم. انكر في مقابلته مع قناة “الجزيرة” التبني، وقال ان الرسوم المسيئة لا تعكس سياسة الحكومة الفرنسية وان الرسوم شأن خاص اعتمدته صحيفة “شارلي ايبدو”. لقد بينت المقابلة انه لا يريد تصعيد هذه القضية وانه يرغب في تبريد الأجواء.
-كيف تجد تصريحات الرئيس ماكرون خاصة المتعلقة بالانعزالية الإسلامية وأيضا بدعم مواصلة نشر الرسوم لم يتم فهمها او إخراجها عن سياقها. اين الخلل في تقديرك. هل هو في فهم الملايين في فرنسا والعالم ام في عدم استخدام ماكرون المصطلحات الدقيقة والسياق المناسب؟
ماكرون متخصص في المسرح والالقاء ولديه مؤهلات مهمة في اللغة ويلعب دائما على المفارقات الدقيقة في التعبير عما يريد تمريره. لكن ذلك لم يحجب ما يريده في العمق أي السيطرة على الإسلام في فرنسا وبالتالي قطع كل وسائل التدخل الخارجي في شؤون الجاليات الإسلامية والحؤول دون استقبال الائمة من تركيا والمغرب والجزائر عبر اتفاق رسمي مع البلدان الثلاثة. ماكرون يصر على تأهيل الإسلام بحيث يصبح فرنسيا وان تكون السلطة في باريس اشبه بـ”ولي الامر” في البلدان المسلمة. ان الحديث عن الإسلام الانفصالي او الانعزالي حصره ماكرون في المتطرفين خلال مقابلته مع “الجزيرة” لكن قبل ذلك كان يوحي بان الانفصال هو كل ما لا يتلاءم مع التقاليد الفرنسية: الحجاب. الطعام الحلال في الأسواق. حرية المرأة. احترام حق الاعلام في التعبير ولو كان عبر الكاريكاتور والرسوم المسيئة للرسول.. الخ. بعد مقابلة “الجزيرة” وردود الفعل الإسلامية في الخارج ومقاطعة البضائع الفرنسية لا نعرف ان كان الرئيس الفرنسي قد عدل تصوره. سنرى ذلك من خلال مشروع القانون الذي سيقدم الى البرلمان.
ماكرون يصر على تأهيل الإسلام بحيث يصبح فرنسيا وان تكون السلطة في باريس اشبه بـ”ولي الامر” في البلدان المسلمة
– الفرنسيون الذين يتبعون الديانة الإسلامية وخاصة من ذوي الأصول العربية يشكون التهميش والعنصرية في وقت تتهم السلطات تيارات من الإسلام السياسي بمحاولة الانفراد بأحياء وعائلات واخراجها عن سيطرة الجمهورية. من يتحمل مسؤولية هذا الوضع هل هم المسلمون ام الدولة؟
حال المسلمين في فرنسا  كما حال غيرهم من مكونات المجتمع الفرنسي لا يمكن ان يكون الا من مسؤولية الدولة الفرنسية. هي التي تعطي اذونات الدخول والإقامة والعمل وهي التي ترسم سياسات  السكن والاندماج وقبل ذلك التشبيه. هناك تيارات سياسية إسلامية لديها بالفعل اجندات خاصة وهذه التيارات موجودة في كل مناطق وجود المسلمين وليس في فرنسا وحدها. اذا كانت هذه التيارات لا تروق للحكومة الفرنسية فلها وحدها سلطة القرار في هذا الشأن وليس للمسلمين الذين لا يتحملون مسؤولية جماعية عن اعمال منظمات متشددة او متطرفة. لا ننسى هنا ان فرنسا كانت خلال الحربين على سوريا وليبيا تعتبر ان هذه التيارات تقوم باعمال جيدة. كان السيد برنار هنري ليفي صديق ساركوزي ومنسق الحرب الفرنسية على القذافي ينسق مع عبد الحكيم بلحاج احد قادة منظمة القاعدة سابقا وكان ليفي وبرنار كوشنار بالاتفاق مع لوران فابيوس وزير الخارجية السابق ينسق مع ملهم الدروبي القيادي الأبرز في جماعة الاخوان المسلمين السورية. في تلك الفترة، بدا ان الإرهاب جيد في سوريا وليبيا وسيء في فرنسا هذا الازدواج لا يساعد أحدا على تحديد استراتيجية للتعاطي مع ما تسميه باريس بـ”التيار الانفصالي” في فرنسا. من جهة ثانية، هناك بالفعل اعتداءات عنصرية وظاهرة الاسلاموفوبيا لا يمكن نكرانها. اعتقد ان الفرنسيين المسلمين يستحقون استراتيجية حكومية تخرجهم أولا وأخيرا من دائرة الاتهام وتتعاطي معهم بوصفهم مواطنين كغيرهم من المواطنين فيهم السيء وفيهم الجيد وان مسؤولية أي جريمة لا يمكن ان تكون جماعية او طائفية وانما فردية.
ثوب الضحية ليس مفيدا للمسلمين. لا احد يحترم الضحية بل يشفق عليها وهم ليسوا بحاجة لشفقة عليهم حتى ينتزعوا حقوقهم التي يجيزها القانون بوسائلهم المشروعة والمتاحة
-في تقديرك هل يقدم المسلمون انفسهم في فرنسا في ثوب الضحية؟
لا توجد في صفوف المسلمين قوة ثقافية مؤثرة ووقوتهم الاقتصادية ضعيفة وهذا يؤثر على تمثيلهم السياسي ناهيك عن انقساماتهم القاتلة. لقد بذل الرئيس السابق نيقولا ساركوزي جهودا مضنية عندما كان وزيرا للداخلية  لتوحيدهم خلف مجلس يمثلهم. لقد امضي ليالي طويلة لكي يحملهم على التوافق من اجل تشكيل المجلس التمثيلي للمسلمين في فرنسا. اما ثوب الضحية فهو ليس مفيدا للمسلمين. لا احد يحترم الضحية بل يشفق عليها وهم ليسوا بحاجة لشفقة عليهم حتى ينتزعوا حقوقهم التي يجيزها القانون بوسائلهم المشروعة والمتاحة.
-هناك من يتهم ماكرون باللعب على وتر الإسلام والمسلمين وتوظيفه كورقة انتخابية في ظل ارتفاع اسهم اليمين المتطرف. ما صدقية هذه الاتهامات؟
هذه احدى الفرضيات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022 حيث يعتقد ان المنافسة ستكون بين ماكرون ومارين لوبن وبما ان قضية الأجانب والمسلمين  بخاصة هي الحقل الذي يتحرك فيه  تيار اليمين المتطرف في فرنسا منذ وقت طويل بسهولة فائقة فان هذه الفرضية غير مستبعدة. ان ضعف وربما اندثار التيارات السياسية التقليدية جعل اليمين واليسار الراديكالي يتصدر المسرح ولا يمكن لماكرون ان يتحرك خارج معادلة هذا المسرح اذا أراد تجديد ولايته  وبالتالي الاقتراب من اليمين الراديكالي والبحث عن الأصوات في محيطه. ان معادلة ماكرون ـ لوبن هي الوحيدة التي تسمح للرئيس الفرنسي بالفوز بولاية ثانية. لذا من غير المستبعد ان تكون الحسابات الانتخابية في خلفية بعض مواقف وسياسات الرئيس الفرنسي.
الحل الأمني لهذه الاعمال سيكون متاحا لكن هذا النوع من القضايا لا يحل بواسطة الامن حصرا
-كيف ترى مستقبل فرنسا في ظل ارتفاع موجة الكراهية وارتفاع الحوادث الإرهابية ذات الطابع الديني والعرقي. ما حجم مسؤولية فرنسا الرسمية في ذلك؟ 
لقد تمكنت فرنسا من القضاء على اعمال ارهابية من هذا النوع في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته واعتقد انها ستتمكن هذه المرة أيضا من وقف هذه الاعمال. بكلام اخر الحل الأمني لهذه الاعمال سيكون متاحا لكن هذا النوع من القضايا لا يحل بواسطة الامن حصرا. لا بد للحكومة الفرنسية من تنفيذ خطة واسعة لاعادة اعمار الضواحي فلا يكون الامن هو الرد الوحيد على مشاكل الناس. في هذه الحالة يمكن للاندماج ان يكون ميسرا اكثر والتوتر اقل والامن افضل من دون ذلك ستبقى الازمة قائمة وسيظل التداول فيها قائما وكذلك انتشار بعض الكليشيهات الكاذبة. لقد تحث الرئيس ماكرون عن وجوب تعليم العربية في المدارس ربما هذا النوع من الإجراءات يمكن ان يؤتى ثماره وبالتالي يقطع الطريق على مستقبل عنيف في علاقة الطرفين.. او هذا ما نأمله على الأقل.
(*) ينشر بالإتفاق مع جريدة “الخبر” الجزائرية
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course