أيام أميركية تاريخية.. وأولوية بايدن “رأب الصدع”

أثبتت العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة أنها قِيمة لا تقدر بثمن ولكن إستمرارها مرهون بشروط عدة، أبرزها الإحتكام إلى الدستور والمؤسسات بدل الإستسلام لزعيم يعد شعبه بأي شيء لأجل السلطة. فقط شبق السلطة.

يحبس الأميركيون أنفاسهم، ومعهم العالم، في إنتظار إستكمال عد الأصوات في عدد من الولايات المتبقية التي تقرر الفائز في الرئاسة الأميركية إما على قاعدة إنتقال السلطة إلى جو بادين أو إستمرارها مع دونالد ترامب.

والملاحظ أن ولاية بنسلفانيا تتغير فيها الأرقام على مدار الساعة، وفي حال إنتقالها من خانة ترامب الى خانة بايدن، فهذا يعني أن نتيجة الإنتخابات قد حسمت لصالح المرشح الديموقراطي الذي لا يعود بحاجة إلى أصوات نيفادا لكي يربح الإنتخابات، برغم إتساع الفارق في الأخيرة (6 اصوات في المجمع الإنتخابي) لمصلحة بايدن في الساعات الأخيرة.

يذكر أنه حتى ساعات فجر اليوم، تقلص الفارق في بنسلفانيا بين الإثنين الى حوالي العشرين ألف صوت لمصلحة ترامب، علما ً أن هناك أكثر من 175 الف صوت لم تُفرز بعد، ثلثها في فيلادلفيا التي تميل تاريخياً إلى الديموقراطيين، علما أن الفوز ببنسلفانيا يعطي أحد المرشحين عشرين صوتاً في المجمع الإنتخابي.

ومن بين الولايات غير المحسومة جورجيا، حيث توجد كتلة لم ينجز فرز أصواتها لا تتعدى الخمسة وعشرين ألف صوت موزعة بين الديموقراطيين والجمهوريين، في ظل تقديرات بأن الفائز سيتقدم ببضعة مئات من الأصوات فقط، ما قد يفتح الباب أمام معركة قانونية وهو سيناريو محتمل في ولايات أخرى.

كما أن الفارق في الأصوات يتقلص لمصلحة بايدن في أريزونا الولاية الجمهورية تاريخيا والتي يمكن تتحول الى ديمقراطية حالياً بسبب مدينة فينيكس ومحيطها الذي يُحقن بالديمقراطيين القادمين من كاليفورنيا..

على الديمقراطيين أن يعملوا بعقلهم في محاولة لرأب الصدع في البلاد بدل عزل الجمهوريين بحجة أنّهم “جهلة” و”عنصريون”، وهذا ضروري لتقليص الهوة، وقد عبّر عن ذلك خطاب بايدن بدعوته إلى الوحدة وتعهده بأن يكون رئيسا للوليات المتحدة وليس لحزب من الحزبين

بإختصار، تبرز الإنتخابات الأميركية الإنقسام العميق في المجتمع بين جمهوريين وديمقراطيين. هو إنقسام إجتماعي عميق بين ريف محافظ وبين مُدن ليبرالية. إنقسام نجد تعبيراته في الآتي:

أولاً، ترامب كقوة جهوية وشخصية مُقسّمة ومجابهة وصادمة في المجتمع الأميركي يُعبِّر عن فئة معينة في المجتمع التي تريد أن تُبقي على نقاوة الخلفية البيضاء الأوروبية وبالتالي معاداة المهاجرين اللاتين والأسيويين والعرب الخ.. إضافة الى النظرة الدونية والعنصرية إزاء السود. هذا كله لا يعني أن كل الحزب الجمهوري هو ترامبي الهوى، فقد أكد جزء من الحزب أنه موجود وقادر على مواجهة الترامبية بـ”اللاترامبية”. ترامب حالة سيقول عنها التاريخ بأنها شاذة وخارجة عن المألوف فهو يريد أن يعيد عظمة أميركا الى إيام الخمسينيات حيث كانت “أميركا العظيمة” أكثر تجانساً وأكثر بياضاً لا بل اكثر أوروبية، وهذا لم يعد يُصلح في أميركا الأكثر تنوعاً والأكثر قوة ونفوذاً. لقد قسّم ترامب البلاد بشكل لم يحصل من قبل وأظهر عمق الإنقسام في المجتمع الأميركي حتى العظم، فهو ما فتئ يدعي أن الإنتخابات مزوّرة في المناطق التي لا تناسبه نتائجها أما تلك التي هي لمصلحته، فيريدها أن تكمل الفرز. وهذا المنطق أكثر ما ينطبق على ديكتاتوريات وليس على رئيس ديموقراطية عريقة مثل الولايات المتحدة.

ثانياً، على الديمقراطيين أن يعملوا بعقلهم في محاولة لرأب الصدع في البلاد بدل عزل الجمهوريين بحجة أنّهم “جهلة” و”عنصريون”، وهذا ضروري لتقليص الهوة، وقد عبّر عن ذلك خطاب بايدن بدعوته إلى الوحدة وتعهده بأن يكون رئيسا للوليات المتحدة وليس لحزب من الحزبين.. صحيح أن الخلافات عميقة في ما يخص النظرة الى المستقبل الأميركي أو التعامل مع قضايا عالمية مثل التغير المناخي، إنتاج الطاقة المستدامة، وهذا ما ينعكس على الإقتصاد وكيفية معالجة العجز في الميزانية الذي سيصل الى حوالي الثلاثين تريليون دولار في العقد المقبل.. زدْ على ذلك قضية مواجهة فيروس كورونا التي شكلت أحد أبرز عناصر الإستقطاب في هذه الإنتخابات.

وفيما تعهد ترامب بتوفير عشرة ملايين وظيفة خلال عشرة أشهر، وخلق مليون فرصة عمل في مجال الشركات الصغيرة وإجراء تخفيضات على ضريبة الدخل، وتقديم ضمانات ضريبية للشركات لتحفيزها على تطوير أعمالها ونشاطاتها، فإن بايدن يريد زيادة الضرائب على ذوي الدخول العالية لمصلحة تطوير الخدمات العامة، كما يدفع بإتجاه رفع الحد الأدنى للأجور على المستوى الفيدرالي إلى 15 دولارا في الساعة بدلا من المعدل الحالي وهو 7.25 دولارا في الساعة، وهذه واحدة من النقاط التي ميّزت حملة المرشح الديموقراطي.

إن الإستمرار بالإقتصاد الذي يريده ترامب بما في ذلك توسيع استخدام مصادر الطاقة غير المتجددة (الوقود الإحفوري)، وبالتالي زيادة التنقيب عن الغاز والنفط، لم يعد مقبولا، فهذه السياسات قد عفا عنها الزمن. الهدف الترامبوي شعبوي. لذلك، على الديمقراطيين الذين أخفقوا في إكتساح مجلس الشيوخ ولو أنهم إحتفظوا بأكثرية غير كبيرة في مجلس النواب، أن يكونوا أكثر إستراتيجية واكثر تخطيطاً من ذي قبل. أن يشرِّحوا الإنقسام الأميركي العامودي وأن تكون وحدة المجتمع في أعلى سلم جدول أعمالهم.. وإلا فإن التفسخ سيزيد الإنقسام والتشظي.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download