البحرين وإسرائيل.. الأقربون أولى بالتطبيع!

لا تكمن أهمية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبحرين في تأثير الأخيرة في خريطة السياسات الإقليمية، حيث تتبع وتتذيل المنامة التوجه السعودي/الإماراتي سواء في ما يخص إسرائيل أو غيرها، ولكن في أهمية علانية ورسمية العلاقات ضمن سياق خليجي-أميركي مرتبط بتوقيتات متعددة أهمها الانتخابات الأميركية، وكذلك تطور الدور الوظيفي للمنامة من مجرد بالون اختبار في سياق التقارب والتحالف الخليجي-الإسرائيلي، إلى التمهيد لاعتبارها جبهة متقدمة لهذا التحالف.

“بعد 29 يوماً وليس 26 عاماً توصلنا إلى اتفاقية السلام الرابعة والحبل على الجرار”.. هكذا كان احتفاء بنيامين نتنياهو بإعلان البحرين تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بعد أقل من شهر على إقدام الإمارات على الخطوة نفسها، والتي تأتي في سياق غير مفاجئ ساد فيه تقارب وتحالف على مدار السنوات القليلة الماضية، والذي وصل إلى مستوى المنافسة بين الدول الخليجية على موقع قاطرة تطبيع العلاقات العربية مع تل أبيب.

هذا الأمر يحسبه نتنياهو انجازاً شخصياً له ليس فقط على مستوى جداله مع منافسيه وخصومه السياسيين في الداخل الإسرائيلي حول الطفرة الذي أحدثها في مستوى العلاقات مع الدول العربية، وحتى هندسة مناخ تنافسي في ما بين هذه الدول للتحالف ثم التطبيع على كافة المستويات مع إسرائيل، ولكن حتى على مستوى سابقيه من القادة الإسرائيليين الذين حسب خطابه لم يقدروا على إنجاز ما انجزه في شهور قليلة.

وباستثناء الحجم والتأثير، فإن ما يميز البحرين في مضمار سباق تطوير الدول الخليجية لعلاقاتها مع إسرائيل هو تحرر المنامة من وضع سقف أو تدريج لهرولتها تجاه تل أبيب؛ حيث احتكارها -في هذا السياق- لدور وظيفي مفاده تمييع وتقبل التطبيع على مستوى رسمي شعبي في الخليج طيلة السنوات القليلة الماضية بشكل فج ومبتذل في أغلب الأحيان، سواء عبر تصريحات رسمية لمسؤوليها عن علاقات عسكرية وأمنية ومفاوضات لشراء أسلحة ومنظومات صاروخية إسرائيلية كالقبة الحديدية وأخواتها، أو على مستوى التجاوب مع قرارات إدارة دونالد ترامب الخاصة بفلسطين المحتلة، حيث مبادرة البحرين لإرسال وفد رسمي وشعبي أواخر العام 2017 بعد قرار واشنطن نقل سفارتها إلى القدس.

استمرار المنامة في ممارسة هذا الدور الوظيفي سواء لدوافع ذاتية أو سعودية خلال السنوات القليلة الماضية، يوضح مدى استغلال تل أبيب لمناخ التنافس بين دول مجلس التعاون الخليجي على تراتبية وأسبقية توسيع علاقاتها معها؛ فاستخدام كل من أبو ظبي والرياض للمنامة في رسم واختبار محددات وسقف العلاقات مع إسرائيل وتجذيرها على مستويات شعبية، قد أتى لتلافي انتقاد إسرائيلي معتاد بعدم أهمية إعلان علاقات رسمية مع بقاء عداوة راسخة في الأوساط الشعبية، تأثراً بتجربة معاهدات السلام مع مصر والأردن ومساراتها اللاحقة التي لم تؤمن ما تريده تل أبيب من اندماج طبيعي في المنطقة يؤمن لها مستقبلاً متوازناً، واعتبار ما تقدم عليه المنامة بوابة –وإن كانت محدودة وصغيرة- لمثل هذه علاقات.

وبطبيعة الحال فإن العامل الأميركي حاضر بقوة في سيرورة التحالف والتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل في السنوات الأخيرة، ولكن ليس على غرار دور واشنطن المعهود تاريخياً منذ اتفاقية السلام المصرية -الإسرائيلية؛ فقد تمايزت إدارة ترامب في حصد مكاسب انتخابية وإعلامية دون كُلفة ممارسة الرعاية الأميركية التقليدية لمثل هذه الخطوات، ومن ثم فإن إعلان تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين من البيت الأبيض -الذي سيستضيف مراسم التوقيع الرسمية خلال أيام- يأتي في سياق المباركة الأميركية لما هو حادث فعلياً منذ سنوات وحتى قبل تولي الإدارة الحالية الحكم. ومن حيث التوقيت فإنها خطوة تأتي حسب معايير ونمط الأخير في إدارة علاقته بحلفاء واشنطن في المنطقة، وذلك كتقدير انتخابي منهم في أن تحسب هذه القفزة في العلاقات العربية-الإسرائيلية كإنجاز للسياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب.

أيضاً فإن التعويل الأميركي على تنفيذ ما يمكن تنفيذه من “صفقة القرن” قبل الانتخابات الرئاسية، يشكل عاملاً أساسياً في خطوة المنامة المُهندسة سعودياً وإماراتياً، والتي في سياق الهرولة الخليجية والعربية نحو التطبيع مع إسرائيل تأتي كتمهيد لخطوة أكبر تتمثل في علانية ورسمية العلاقات بين الرياض وتل أبيب كإعلان رسمي لانتهاء وتصفية القضية الفلسطينية، والتي ترجئها الأولى لما بعد الانتخابات الأميركية وذلك لارتباط هذه الخطوة بمحددات محلية وخليجية وإقليمية، لا تريد السعودية التفريط فيها مرة واحدة دون مقابل أميركي-إسرائيلي، خاصة وأن فَورة التطبيع الراهنة تأتي في سياق مفصول عن “مبادرة السلام العربية” التي صاغتها الرياض وشكلت حاملها السياسي والاقتصادي، وتمسكت بها لما يقارب العقدين، وهو ما علق عليه مهندس صفقة القرن ومستشار وصهر ترامب، جاريد كوشنر، بقوله: “في ذلك الحين، عندما ستتطور الأمور، أعتقد أنه من المحتوم أن تتوصل السعودية وإسرائيل إلى التطبيع الكامل للعلاقات، وتتمكنا من إحراز كثير من النجاحات العظيمة معا”.

يمكن النظر إلى الخطوة البحرينية باعتبارها رسالة إيجابية من الرياض في ظل تأجيلها إعلان ورسمية علاقاتها مع تل أبيب

هنا يمكن النظر إلى الخطوة البحرينية على أنها رسالة إيجابية من الرياض في ظل تأجيلها إعلان ورسمية علاقاتها مع تل أبيب، وإشارة على أن تحفظها على الإسراع نحو هذا ما هو إلا انتظارا نشط تقوم فيه مع أبوظبي وباقي حلفائها في الخليج والمنطقة بهندسة آلية لتعميم تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، شريطة أن تحتل المملكة موقع القيادة فيها، وهو الموقع الذي تتنافس عليه إمارات وممالك الخليج منذ مطلع الألفية الجديدة، وذلك كتعويض للمملكة عن انتهاء صلاحية “مبادرة السلام العربية”، التي باتت مجرد لغو دعائي في ظل واقع إسرائيلي مفاده أن التطبيع مقابل التطبيع وليس الأرض مقابل التطبيع أو الأرض مقابل السلام.

وفي المحصلة وعلى مستوى ثنائي قد ينسحب على باقي دول الخليج، يأتي هذا التلاقي بين تل أبيب والمنامة ليس بدافع استباقي كما يرى البعض في سياق المنافسة والخلاف الخليجي-الخليجي، ولا عن فكرة وظيفية البحرين ككيان تجريبي للسعودية تختبر فيه خطوات سياسية في الداخل والخارج، ولكن يتوسع إلى دافع بنيوي عماده أن كلاً من النظامين السياسيين في إسرائيل وفي البحرين يمثلان تجلياً مادي لفكرة حوكمة العنصرية في الدول الحديثة، وإن اختلفت في شكلها الإجرائي بين نظام برلماني ونظام ملكي؛ فكل من النظامين على اختلافهما الظاهري قائم على فكرة حصرية الحقوق بكافة أشكالها لعدد محدود من البشر داخل الدولة على أساس ديني/طائفي/قومي/قبلي/أسري، وممارسة العنصرية والفصل الاجتماعي والعزل وباقي الممارسات العنفية والسلطوية الإحلالية تجاه الغالبية من أبناء شعوب البحرين وفلسطين، وبالتالي لن يكون من المستهجن الاستمرار في الوقوع في التباس تكرر في السنوات الأخيرة كثيراً، حول إذا ما كانت بعض الصور ومقاطع الفيديو حول اعتداءات على متظاهرين أو هدم منازل مواطنين مأخوذة من أحياء وشوارع المنامة أو مدن وقرى فلسطين المحتلة!

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
online free course