أميركا تشبهنا.. من ينقذها؟

أفلت دونالد ترامب من هزيمة مدوية كان الديموقراطيون يمنون النفس بها. وحقّق جو بايدن فوزاً صعباً لا يمنحه تفويضاً مطلقاً. أما أميركا، فإنها تغرق، بإجماع معظم المحللين، في انقسامات سياسية وثقافية وجغرافية ربما لم تشهد مثيلاً لها منذ الحرب الأهلية.

إعتاد الأميركيون على أن النظام السياسي الذي قامت عليه الولايات المتحدة، قادر على تصحيح نفسه، كلما برز إختلال. هذه المرة تبدو متانة النظام أمام إختبار غير مسبوق. وتالياً القلق كبير والتساؤلات تتزايد: هل أميركا قادرة على تصحيح نفسها؟

من الخطأ الإعتقاد أن كل شيء بدأ مع ترامب. لم يكن الرجل سوى تعبيراً عن المأزق. لم يكن هو نفسه يعرف أنه سيفوز على هيلاري كلينتون عام 2016، وهو القادم من تلفزيون الواقع إلى السياسة. كان فوزه بمثابة الدليل القاطع على أن الولايات المتحدة ليست على ما يرام.

فتّش ترامب، المبتدىء بالسياسة، عن عصبية يحكُم بها. رفع الجدار مع المكسيك وحظّر دخول رعايا من دول مسلمة، وقال للأميركيين، لم نعد مستعدين لحماية أحد مجاناً، من الحلفاء الأوروبيين إلى أصدقاء أميركا في الخليج.

كسر العلاقة التقليدية عبر الأطلسي، فارتعد الحلفاء منه كما الأصدقاء. الساكن في البيت الأبيض لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. أعلن حرباً إقتصادية على الصين وحرَم الاتحاد الأوروبي من إمتيازات تجارية بينما كان يجلس مع كيم جونغ-أون، ويمد اليد لفلاديمير بوتين ولم يخفِ إعجابه بالطريقة التي يدير بها روسيا، وتمنى أن يدير هو أميركا بالطريقة نفسها. خفّض الضرائب عن الأثرياء ووفرت له الحمائية التجارية إطلاق عجلة الاقتصاد الأميركي إلى أن عاجلته كورونا. ولتصليب قاعدته الإنجيلية في الداخل، قضى على حل الدولتين في الشرق الأوسط، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، وساعد بنيامين نتنياهو في فتوحاته الديبلوماسية في العالم العربي.

وما لم يأخذه ترامب في الحسبان هو أن يجتاح كورونا الولايات المتحدة بهذه الحدة في السنة الانتخابية، فيشل الاقتصاد الأميركي وترتفع أرقام العاطلين عن العمل إلى أرقام قياسية. لعب بايدن على وتر الجائحة كي يخفّف من اندفاعة ترامب. نجح نسبياً. بينما أخفق الديموقراطيون في التنبه إلى مسألة أخطر، وهي أن الخطاب الشعبوي لترامب قد بنى له قاعدة صلبة من اليمين القومي المسيحي، الذي بات يرى في الحزب الديموقراطي إلا حزباً اشتراكياً يهدّد وصوله مجدداً إلى البيت الأبيض المعجزة الرأسمالية الأميركية، برغم أن الديموقراطيين أنفسهم أبعدوا بيرني ساندرز “الإشتراكي” عن واجهة السباق إلى البيت الأبيض، بعدما أسر خطابه شريحة الشباب من الديموقراطيين وغيرهم.

لعب بايدن على وتر الجائحة كي يخفّف من اندفاعة ترامب. نجح نسبياً. بينما أخفق الديموقراطيون في التنبه إلى مسألة أخطر، وهي أن الخطاب الشعبوي لترامب قد بنى له قاعدة صلبة من اليمين القومي المسيحي، الذي بات يرى في الحزب الديموقراطي إلا حزباً اشتراكياً يهدّد وصوله مجدداً إلى البيت الأبيض

والحوادث العنصرية المتكررة والدفاع المستميت لترامب عن استخدام الشرطة للقوة المفرطة في مواجهة الأميركيين من ذوي أصول أفريقية، بعد وفاة جورج فلويد خنقاً تحت ركبة شرطي أبيض في مينيسوتا، وما تلاها من إحتجاجات وأعمال عنف ورد الرئيس الأميركي بدعوة الجيش إلى قمع المحتجين، أظهرت حدة الإنقسامات العرقية، وكادت الأمور تنزلق إلى انفجار كبير. وبدأت ميليشيات البيض بالظهور في استعراضات بالشوارع، مدفوعة بضوء أخضر من ترامب الذي رفع الإنجيل أمام كنيسة قريبة من البيت الأبيض، دلالة منه أنه لن يتراجع أمام ضغط حركة “حياة السود مهمة” ومن تضامن معهم من ليبراليين ويساريين كانوا يدعون إلى قوننة استخدام الشرطة للعنف.

صحيح أن بايدن حصد من الأصوات أكثر مما حصده أي رئيس أميركي من قبل. لكن ترامب في الوقت نفسه جمع من الأصوات أكثر مما جمعه في 2016 وتخطى في 2020 الحصيلة التي فاز بها رؤساء أميركيون من قبل.

نسبة الإقبال التي لم تشهد لها أميركا مثيلاً منذ 200 عام، دليل على تعبئة وحشد من الجانبين. خاض الأميركيون حربهم عبر صناديق الاقتراع. وما كان الأميركيون ليتهافتوا على الاقتراع بهذه الكثرة سواء عبر البريد أو بالحضور شخصياً، لو لم يكن ثمة حافزاً يدفعهم إلى هذا الاستنفار، وكأن جزءاً منهم يريد بأي طريقة، منع الجزء الآخر من الاستحواذ على السلطة.

ومع ذلك، لو إنتهى هذا التنافس الشديد إلى إنتقال سلس للسلطة، لأمكن القول، إنه دليل على صحة النظام. لكن أن يتحول الأمر إلى فوضى إنتخابية ورفع دعاوى وإتهامات بالتزوير والتلويح بالذهاب إلى المحكمة العليا لتقرر من الفائز، فهذا ليس من علامات الصحة.

حتى قبل الإنتخابات، كان ترامب يكذّب إستطلاعات الرأي ويقول إنه لن يخسر إلا إذا حصل تزوير.  وفعلاً هذا ما يحصل اليوم. ترامب ومعه نصف الأميركيين يشكّكون بنزاهة نظامهم الانتخابي. وعلى الضفة الأخرى، بايدن ومعه النصف الآخر يحتفلون ويقولون إنه على ترامب أن يمتثل لإرادة الناخبين.

يحصل هذا في الولايات المتحدة، وليس في بلدٍ من بلدان العالم الثالث. ولو أن مسألة الفائز بالرئاسة حسمت في نهاية المطاف من طريق المحكمة العليا الفيديرالية التي استعجل ترامب تعيين القاضية المحافظة إيمي كوني باريت فيها قبل أسبوعين من الانتخابات، فإن مداواة الشرخ المتزايد بين الأميركيين هو التحدي الأكبر الذي سيواجه الرئيس المقبل. والسؤال، هل سيكون قادراً على إعادة توحيد الأميركيين.

معلقون أميركون بارزون وبينهم توماس فريدمان، كانوا يحذرون منذ مدة طويلة من أن أميركا قد تكون في طريقها إلى حرب أهلية ثانية وليس إلى انتخابات. فريدمان يعتقد أن مصدر قلق البيض متأتٍ من الخوف من تحولهم إلى  أقلية بحلول عام 2040 ، وأن ترامب نجح في أن يحوّل نفسه زعيماً للبيض.

ما يجري الآن، يعطي كثيراً من الصدقية لهذه التحذيرات. وكثيرون يقولون إنه لو ذهب ترامب، فإن “الترامبية” ستبقى، وأن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة محفوفة بالمخاطر، ولن يكون من السهل تجاوزها.

سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course