هل سأحتفظ بلقاح “فايزر” في ثلاجة المنزل؟

لم يكد الأسبوع الأول للإعلان عن التوصل إلى لقاح جديد لفيروس كورونا يصل إلى نهايته حتى بدأت المعلومات المثبطة للآمال تتوالى، ولكن مهلًا، يحتاج الأمر إلى المزيد من التدقيق.

لقاح شركتي “فايزر” و”بيونتيك” الجديد، ثوري بكل ما للكلمة من معنى. هو، كما أسلفنا سابقًا، ينتمي إلى الجيل الأجدد للقاحات وفيه جُزيء كيميائي وراثي، يسمى بال mRNA تقوم الخلايا بتصنيعه كخطوة أخيرة قبل إنتاج البروتينات عبره، فهو يحتوي المعلومات الأساسية اللازمة لإنتاج مركب خلوي ما من دون زيادة أو نقصان، وهذا الجزيء حساس للغاية من الناحية الكيميائية لأنه سريع التفكك في جسم الخلية بعد إنتهاء دوره، ويُخلُّ بقاؤه لوقت أطول بالتوازن.

واللقاح، نجم السّاعة، قائم على هذا المركّب غير المستقر كيميائياً، فما كادت تمرّ الأيام الأولى للإعلان عن إكشتافه، حتى سمعنا أنه يحتاج إلى درجة حرارة غير معهودة على سطح الكوكب حتى في أكثر المناطق المأهولة برودة حيث تبلغ الحرارة 60 درجة مئوية تحت الصفر. قيل إن اللقاح الجديد يجب أن يُحفظ في حرارة 80 درجة مئوية تحت الصفر. للوهلة الأولى قد يسأل واحدنا كم تبلغ درجة حرارة ثلاجتي المنزلية، إنها 5 درجات تحت الصفر، أما الحرارة في الغرف المبرّدة في المستشفيات فلا تتخطى 10 درجات تحت الصفر نزولًا، إذًا ما الحل؟

علينا أن نعلم أولًا أنّ هذه الحرارة، 80 درجة تحت الصفر، هي حرارة تخزين اللقاح لأوقات طويلة (تتجاوز الأشهر الستة)، وهي ليست حرارة اللقاح عند استعماله، أو إخراجه للإستعمال وإلّا لأصبح من دون فائدة ترتجى، وهذه الحرارة المتدنّية ليست صعبة المنال، فهي حرارة ما يُعرف بالثلج الجاف أو الثلج الكربوني dry ice، وعليه فإن نقل اللقاح من بلد المنشأ إلى بلادنا مثلًا، يجب أن يمر بسلسلة حرارية دقيقة ليس مسموحاً كسرها نهائيًا، فكلّ 24 ساعة يجب تزويد المبرّدات بالثلج الجاف إلى حين وصول اللقاح إلى وجهته، وعندها يمكن حفظه في ثلاجات عادية على حرارة تتراوح بين 2-3 درجات تحت الصفر لمدّة لا تتجاوز الخمسة أيام قبل الاستعمال.

ما سبق يشكّل معضلة كبيرة بالنسبة للبلدان الآسيوية البعيدة والمترامية الأطراف مثل الهند. منسّق الصحة في نيودلهي قال لأحد الصحافيين: “إنسَ الأمر، لا يمكن الحفاظ على هكذا حرارة متدنية في الجو الهندي الحار والطرقات الطويلة”، وعليه فهم يفتشون عن حلول أقرب، ربما تكون صينية أو روسية أو حتى محليّة، وكذا الأمر بالنسبة لعدد من الدول الإفريقية واللاتينية.

هذه المناعة لن تكون تامة من الجرعة الأولى، وطبعاً لن تتكون في الأيام الأولى للقاح، فمن يأخذ مثلًا جرعتين من لقاح “فايزر” لن يخلع الكمامة عند خروجه من المركز الطبي، بل عليه الانتظار لـ 28 يوماً لاحق للجرعة الثانية

الجرعة اللازمة

وفي ما يتعلّق بالجرعات اللازمة لتحصيل المناعة التامة، فهي تختلف بين لقاح وآخر وعلى الأغلب هذه المناعة لن تكون تامة من الجرعة الأولى، وطبعاً لن تتكون في الأيام الأولى للقاح، فمن يأخذ مثلًا جرعتين من لقاح “فايزر” لن يخلع الكمامة عند خروجه من المركز الطبي، بل عليه الانتظار لـ 28 يوماً لاحق للجرعة الثانية، والجدول التالي يوجز أهم اللقاحات الواصلة للمراحل النهائية:

وهذا الانتظار يعود للفترة اللازمة لجسم الإنسان كي ينتج الأجسام المضادة للفيروس وتصبح بالتالي جاهزة للقاح، أما من يلتقط العدوى خلال الفترة بين الجرعتين أو بعد الجرعة الثانية مباشرة، فيكون قد حصّل اللقاح بشكل طبيعي.

الأسعار والمفاوضات

أما الأسعار الواردة في الجدول أعلاه، فهي ليست نهائية، بل تختلف بين دولة وأخرى في العالم، بحسب السياسات الاقتصادية والانتاجية المتبعة في هذه الدول، فعلى سبيل المثال، تنتج الهند أدويتها وفيها من المصانع ما يكفي الكوكب من مواد أولية وهي بالفعل قامت بعقد عدد من الصفقات مع مكتشفي اللقاحات كي تقوم بصنعه على أراضيها وتخفف من التكاليف عليها، كما البرازيل.

وهناك دول أخرى، هي مستهلكة فقط، ولا قدرة لها على التفاوض مع هذه الشركات، وهنا يخطر على بالنا أولًا بلدنا لبنان، فمع شح الدولارات الذي نعانيه قد نقع في ضائقة صعبة، ولكن تبقى نافذة الحل الأولى عبر منصة كوفاكس التي تضع الأقل حظًا أمام المحظيين في الحصول على اللقاحات الموافق عليها من منظمة الصحة العالمية، والنافذة الثانية والأجدى هي التوجه نحو المصنعين في الشرق مثل الصين لعقد صفقة تلائم وضع لبنان الحالي الصحي والاقتصادي.

نعم، نحن نتكلّم بلغة الصفقات عن اللقاحات التي ستعيد إلينا أنفاسنا، فلم ننسَ للحظة أن شركات الأدوية في العالم هي أقوى من مثيلاتها في عالم السّلاح بعشرات المرّات فالأولى معروفة الشكل والمنتج والسعر أما الثانية فتأتيك على شكل إنساني ولطيف وتدخل بيتك كلّ يوم بالشكل الذي تريده وهي اليوم أدخلت الإعلام سلاحًا فتاكًا في معركتها، فجعلت من لقاحات الشرق دون فعالية تذكر ومن لقاحات الغرب الترياق المنتظر وإكسير الحياة.

فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download