تقنية “فايزر” للقاح كورونا: مصنع بروتينات في جسم الإنسان

كنا أشرنا في المقالة الأوّلى من هذه المقالات إلى أنه بعد مرور أقل من أسبوع على إعلان شركة "فايزر" وشريكتها الألمانية "بيونتيك" عن حصول اللقاح الذي يقومان بتطويره لمكافحة جائحة كوفيدـ19 على نتائج إيجابية جداً، بدأت المعلومات المثبّطة للآمال تتوالى، وذلك بإعتراف مسؤولي الشركتين.

ينتمي لقاح شركتي “فايزر” و”بيونتيك”، إلى الجيل الأجدد للقاحات وفيه جُزيء كيميائي وراثي، مُكوّن من “مُرسل الحُمض الريبونيكليوتيداتي الريباوي” (RNA messenger)، وقد اعتمد الخبراء في تصنيع هذا اللقاح على جزء من الوحدات الوراثية التي توجد في الفيروس، وهي الشيفرة أو مجموعة المفاتيح التي تحتوي على المعلومات الأساسية اللازمة لإنتاج مُركب خلوي ما من دون زيادة أو نقصان، وهذا الجزيء حسّاس للغاية من الناحية الكيميائية لأنه سريع التفكّك في جسم الخلية بعد إنتهاء دوره، ويُخلُّ بقاؤه لوقت أطول بالتوازن الموجود فيها.
هذه التقنية التي تعتمد على إستعمال قطعة من “مرسل حمض الريبونكليوتيداتي الريباوي” جديدة نسبياً، ولم تُعتمد من قبل ابداً في تصنيع لقاحات أخرى عند الإنسان. ومن المعروف أيضاً أن كل اللقاحات لها هدف واحد تقريباً، وهو تحفيز دور الجهاز المناعي في جسم الإنسان حتى يكون جاهزاً بعد عملية التلقيح للتصدي لأية التهابات جرثومية “باكتريولوجية” أو “فيروسية” وجعل الجسم قادراً على مقاومة هذا الجسم الغريب إمّا بواسطة الأجسام المُضادة (Antibodies) أو بواسطة تفعيل دور بعض أنواع خلايا المناعة مثل بعض خلايا الكريات البيضاء (B-Lymphocytes) التي تُشارك في حملة المقاومة والمناعة عبر إفرازها موادا مُختلفة تهاجم الفيروس وتقضي عليه. الهدف الأساس هو مهاجمة “الفيروس التاجي” وتجميد أو توقيف عملية تكاثره والقضاء عليه نهائياً وتطهير الجسم منه.
وهنا لا بُدّ لنا أيضاً من التذكير بأهمّ الطُرق التي تُعتمد عادة في تطوير اللقاحات، وبالمراحل العلمية والتجارب الإلزامية التي يجب اعتمادها قبل تسويق أي لقاح، لنرى أين من المُمكن أن يحصل الخلل أو الخطأ في حال التهاون أو التساهل في بعض هذه المراحل، وذلك نتيجة السرعة والتسرّع في التخلص من الجائحة الحالية.
أولاً، الطرق المُعتمدة في تطوير اللقاحات:
كنا قد ذكرنا سابقاً أن هناك عدّة طرق مُمكنة لتطوير اللقاحات، وهي طرق معروفة ومُستعملة في تطوير عدد كبير من اللقاحات التي يستعملها الأطباء في وقتنا الحالي. ومن أهم هذه الطرق:
أ- الفيروس أو البكتيريا “المعطل”، (Unactivated virus) أي أنّ الفيروس يكون هنا “ميّتًا كلياً وفاقدًا لأية قدرة على إحداث أي ضرر في الجسم” عند حقنه فيه. وعند حقنه في الجسم وبرغم عدم تكاثره يؤدي إلى تفعيل المناعة تجاه الجرثومة التي ننوي الحماية منها. وخطورة هذه اللقاحات تكمن في أنّه يجب التأكد القطعي والعلمي الدقيق من أن الجرثومة فاقدة لأية إمكانية للحياة، وهذا ما قد يأخذ وقتاً طويلاً وأبحاثًا مُعقدّة. وهناك أمثلة مُتعددة من هذه اللقاحات من أهمها لقاح “مرض شلل  الأطفال” ولقاح “الأنفلونزا الموسمية” أو ما يُعرف شعبياً بـ”الكريب”.
ب ـ “الفيروس المُعدّل أو المُخفّف الضرر” (Attenuated virus) وهنا يتمّ إدخال تعديلات جوهرية على الفيروس أو البكتيريا بحيث تجعل هذا الجسم غير قادر على إحداث أية أضرار مهمّة عند حقنه في الجسم. هذا الفيروس يدخل الجسم ويؤدّي فقط إلى تفعيل وتحفيز جهاز المناعة لكسب مقاومة الجسم للفيروس الحقيقي في حال تمّ التعرّض له. وهي الطريقة المُستعملة في لقاح مرض الحصبة (Measles) والحمى الصفراء (Yellow fever).
في الحالتين (أ و  ب) يجب زراعة وعلاج كميات كبيرة من الفيروس وتعديله والتأكد من عدم ضرره، وهذا يحتاج إلى الكثير من الوقت الذي قد يصل الى حوالي ٦ اشهر احياناً. وفي حال نجح اللقاح يجب ايضاً حقن كميات كبيرة من الفيروس داخل اللقاح لكي نكسب المناعة القوية والفعّالة للحماية منه.
ج- اللقاحات التي تعتمد على حقن بعض “البروتينات الموجودة في الفيروس أو البكتيريا” وهي تعرف باسم مُولد المُضادات (Antigen) لبعض البروتينات أو العناصر الأخرى التي قد تكون موجودة في الجرثومة. وهذه التقنية تعتمد على حقن إحدى البروتينات الموجودة في الفيروس أو في البكتيريا في داخل جسم الإنسان، لجعله يفرز  “أجسامًا مضادة” تتعرّف على هذه الأجسام أو البروتينات، وبالتالي على الفيروس أو البكتيريا التي تغزو الجسم وتلتصق بها، وتؤدّي إلى تفعيل عدد من العمليات التي تنتهي بالقضاء كلياً على هذا الجسم الغريب. ومن أهم اللقاحات المُعتمدة في هذا المجال “لقاح فيروس الإلتهاب الكبدي” (B Hepatitus).
د- التقنيات التي تستعمل فيروس ناقل لبعض مكونات الفيروس الذي نريد ان نُطوّر اللقاح الخاص به (Vector virus). بحيث نزرع بعض الوحدات الوراثية الخاصة بتصنيع بعض البروتينات الخاصة بالفيروس المُسبب للمرض في داخل الحامض النووي للفيروس الناقل ونحقن الأخير في داخل جسم الإنسان وهناك تتم عملية تصنيع البروتينات بهدف تحفيز الجسم لتطوير المناعة ضدها. وهذه التقنية هي التي حصلت بموجبها ابحاث جامعة اوكسفورد البريطانية بالتعاون مع شركة (Astra Zeneca) البريطانية السويدية العملاقة لتصنيع الأدوية. وقد تمّ إستعمال فيروس مُخفف لا يتسبب بمخاطر كبيرة في الجسم اسمه (Adenovirus) سوف نتكلّم عنه لاحقاً.
هـ – التقنيات الجديدة التي تستعمل الحمض النووي (DNA) أو مرسل “الحُمض الريبونيكليوتيداتي الريباوي” (RNA messenger) وهي تقنية جديدة ومستعملة من قبل شركة “فايزر” وشريكتها “بونتيك” أو من قبل شركة “مودرنا” (Moderna therapeutics) الأميركية وغيرها من الشركات الرائدة الأخرى التي وصلت إلى درجة مُتقدّمة في تطوير اللقاح. وهذه التقنيات التي تعتمد على  هذا الأسلوب الجديد تختلف بشكلٍ جذري عن التقنيات القديمة التي كانت سائدة حتى اليوم.. في حالة فيروس كورونا، فإننا نعمد إلى حقن الوحدات الوراثية التي تهدف إلى تصنيع البروتينات الموجودة على غلاف هذا الفيروس، والموجودة في النتوءات او التاج الموجود على غلاف هذا الفيروس (Spicule or Spike) والتي سُمّي الفيروس المذكور بـ”الفيروس التاجي” على أساسها.
هذه البروتينات لها الدور الأساس في التصاق الفيروس في خلايا جسم الانسان، وخاصة في خلايا الأنف والحنجرة والبلعوم والرئتين. وهي التي تلعب دورًا كبيرًا وأساسيًّا في تكاثر هذا الفيروس وغزوه لكل أعضاء الجسم، وإحداث الاضرار الخطيرة في وظيفة الرئتين والقلب والأمعاء والكلى ومعظم شرايين الجسم.
هذا الحمض الريباوي يلعب بشكل مُختصر دور “مصنع صغير” لصناعة كميات كبيرة جداً من هذه البروتينات. وعندما يلتقي جهاز مناعتنا بهذه البروتينات تبدأ عملية المقاومة التي تحدث عبر الأجسام المضادة أو عبر عمليات خليوية مُعقّدة تنتهي بالقضاء على الفيروس الغازي، الذي يحمل على سطحه هذه البروتينات.
ومن أهم إيجابيات التقنية الجديدة أنّها لا تحتاج إلى أي علاج أو تغيير أو تعديل للفيروس التاجي، ممّا قد يأخذ وقتًا طويلًا في المختبرات أو مراكز الأبحات التي تتسابق على تطوير هكذا لقاحات، لأن الوضع الوبائي العالمي لا يسمح بترف الوقت الطويل، بسبب الخسائر الفادحة التي تسبّبت بها هذه الجائحة حتى تاريخ اليوم. هذه التقنية تعتمد فقط على تحفيز خلايا جسم الإنسان على صناعة البروتينات التي نريد أن يتعرّف عليها جهاز المناعة لتخفيز الدور المقاوم لهذا الجهاز ومنع تكاثر الفيروس ومنعه من إحداث الأضرار التي تكلمنا عنها سابقاً.
ولذلك فإنّ هذه التقنيات سريعة ولا تحتاج إلى الكثير من الوقت لصناعة كمية كبيرة من اللقاحات، فيما لو ثبت لاحقاً أن هذا اللقاح فعّال كما يجب، وكما هو الحال مع اللقاحات التي تطوّرها شركات “فايزر” (وشريكتها “بونتيك”) و”مودرنا” الأميركية و”صانوفي” الفرنسية (Sanofi) بالتّعاون مع شركة أميركية أخرى.
لكنّ السلبية الأساسية لهذا النوع من اللقاحات تكمن في الحاجة إلى تخزينها على درجات حرارة مُنخفضة جداً، وهذا ما بدأت السلطات الأميركية والأوروبية المُختصّة بالتحضير له منذ فترة طويلة، حتى تكون على أُهبة الاستعداد لتوزيع اللقاح وتلقيح أكبر عدد من المواطنين بشكلٍ آمن في أسرع وقت ممكن. أي أنها جهزت منذ الآن كل سلاسل وأنظمة تصنيع وتخزين وتوزيع آمنة، لكي يحصل معظم المواطنين الأميركيين والأوروبيين الذين يحتاجون إلى هذا اللقاح عليه في أسرع وقت ممكن، وكذلك فعلت معظم الدول المتقدمة الأخرى.
ثانياً، المشاكل الأساسية التي تواجه هذا النوع الجديد من اللقاحات:
بالإضافة إلى مشاكل النقل والتخزين والتوزيع التي عرضنا لها في مقالة سابقة، هناك عقبة ثانية مُهمّة تواجه هذا النوع الجديد من اللقاحات، وهي أنّ المناعة المُكتسبة منه لن تكون تامّة من الجرعة الأولى منه، ولا في الأيام الأولى لتناول اللقاح. فمن يتناول مثلًا جرعتين من لقاح “فايزر” لن يستطيع أن يخلع الكمامة عند خروجه من المركز الطبي، بل عليه الانتظار لـ 28 يوماً لاحقاً للجرعة الأولى من اللقاح، وثمانية أيام فقط بعد تناوله الجرعة الثانية منه.
كذلك فإنّ هناك مشكلة أخرى مع هذا النوع من اللقاحات، وهي تتعلّق بالجرعة اللازمة لتحصيل المناعة التامّة والكافية لمنع حدوث الالتهابات الفيروسية في المستقبل بعد التلقيح. فهي تختلف بين لقاح وآخر من هذه الفصيلة، وعلى الأغلب فإنّ المناعة لن تكون تامّة من الجرعة الأولى، وطبعاً لن تتكوّن في الأيام الأولى للقاح، فمن يأخذ مثلًا جرعتين من لقاح “فايزر” لن يخلع الكمامة كما قلنا عند خروجه من المركز الطبي، بل عليه الانتظار لـ 28 يوماً لاحقاً لكي نتأكّد من حمايته كلياً.
وهذا الانتظار يعود للفترة اللازمة لجسم الإنسان كي ينتج الأجسام المضادة للفيروس، والتي تكلّمنا عنها سابقاً. أما من يلتقط العدوى خلال الفترة بين الجرعتين أو بعد الجرعة الثانية مباشرة، فيكون قد حصّل اللقاح بشكل طبيعي ولكننا لا نعرف حتى اليوم إلى أي مدى من الفعالية، وكم هو الوقت الّذي تكون عنده هذه المناعة كافية، لأن بعض التقارير أشارت إلى إمكانية التقاط الفيروس مرة ثانية بعد التعرّض للالتهابات به خلال الفترات الزمنية السابقة، وهذا يعني أن المناعة المُكتسبة من حصول المرض لا تمنع كلياً من إعادة حصوله مرّة أخرى، وهذا ما قد يكون ناتجًا عن تلاشي فعالية الأجسام المضادة مع الوقت.

ختاما، سنتطرق في المقالات المقبلة إلى التجارب والبروتوكولات التي يجب اعتمادها قبل الوصول إلى مرحلة التسويق والتوزيع، وأين وكيف تمّ خرقها وتجاوزها في بعض الدول. وكذلك لأهم أنواع اللقاحات التي وصلت إلى مرحلة متقدّمة في الأبحاث، وهي المرحلة الثالثة من الأبحاث السريرية أي مرحلة ما قبل التسويق مباشرة.
وسنتكلّم أيضاً عن بعض الشُبهات والانتقادات التي تدور حول اللقاحات الصينية والروسية.

(*) راجع مقالة:   لقاح “فايزر”.. الأسئلة أكثر من الأجوبة
(*) راجع مقالة: هل سأحتفظ بلقاح “فايزر” في ثلاجة المنزل؟

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free