إستراتيجية اللقاحات.. من باستور إلى سينوفاك

من المنتظر الإعلان عن المزيد من اللقاحات في مواجهة فيروس كورونا، وذلك في الأيام والأسابيع المقبلة، على امل  ان تُثبت كل هذه اللقاحات الفعالية المُرتجاة منها على المدى البعيد حماية للبشرية جمعاء.

نشهد بشكل يومي تقريباً ظهور مُعطيات وتقارير جديدة حول لقاحات فيروس كورونا تتشابك فيها نتائج الأبحات العلمية مع مصالح الدول السياسية والإقتصادية وإستمرار الترويج لنظريات المؤامرة (السيطرة على البشرية او مراقبة المواطنين او حتى تغيير نمط حياتهم)، ما دفع رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون للإعلان بأن اللقاح لن يكون إلزامياً.

وفي  بيان نشرته منظمة الصحة العالمية في ١٢ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ تُشير آخر التقارير الى وجود ٢١٢ “مشروح لقاح” وصل منها ٤٨ لقاحاً الى مرحلة التجارب السريرية على الإنسان و١٢ فقط إلى المرحلة الثالثة من الدراسات السريرية التي سنتعرّف لاحقاً على كيفية تنظيمها واهدافها الأساسية. وتضم لائحة منظمة الصحة ٧ لقاحات اميركية واوروبية، ٤ لقاحات صينية ولقاح روسي سوف نتكلّم عنها تفصيلياً.

أولاً، مشاريع اللقاحات الفرنسية:

هناك عِدّة مختبرات فرنسية تقوم بدراسات مُتنوّعة لتطوير لقاحات فيروس كورونا. لكنّ الأبحاث الأكثر تطوراً تجري في “معهد باستور” الذي يعمل على عدّة إستراتيجيات لتطوير هذا اللقاح:

الإستراتيجية الاولى الأكثر تقدماً يعتمدها “معهد باستور” بإستخدامه فيروس الحصبة. وقد دخل هذا اللقاح في المرحلة الأولى من التجارب السريرية في ١ تموز/يوليو ٢٠٢٠. حيث قام الخبراء بتجربته عند ٩٠ مُتطوّعا ومتطوعة. ويقوم مبدأ هذا اللقاح على تغيير الوحدات الجينية لفيروس الحصبة لجعله قادراً على صناعة بروتينات موجودة في فيروس كورونا. وقد لاقت هذه التجارب حتى اليوم نجاحاً كبيراً مما يجعلها تتقدم بوتيرة سريعة وواعدة.

الإستراتيجية الثانية تعتمد على فيروسات من عائلة Lentivirus وهي العائلة التي ينتمي إليها “فيروس نقص المناعة المكتسبة”: “الإيدز”. وقد تمّ تعديل هذه الفيروسات بشكلٍ جوهري ممّا جعلها غير ضارة أو غير خطيرة.

الإستراتيجية الثالثة المُعتمدة في “معهد باستور” نفسه تقوم على إستعمال فيروس مُكوّن من الحمض النووي الريبوي DNA. ويقوم هذا المبدأ على زرع أجزاء من الحمض النووي من فيروس كورونا داخل الحمض النووي للفيروس المُعتمد في مشروع اللقاح لجعل الفيروس الذي يُحقن في الجسم قادراً على صناعة البروتينات التي يُراد لها ان تتفاعل مع جهاز المناعة لمنع تكاثر فيروس كورونا ولمنع الاضرار والاعراض والإختلاطات الخطيرة الناتجة عنه.

وهناك مشاريع لقاحات فرنسية أُخرى وأبرزها مشروع يستعمل اللقاح المُستعمل عادة في اللقاح ضد مرض السِلّ BCG vaccine.  فقد لحظت دراسات كثيرة ان المرضى الذين تناولوا سابقاً لقاح السِلّ تزداد المناعة عندهم بشكلٍ كبير. وهذا ما اظهرته بشكلٍ واضح دراسة اميركية نُشرت في ٩ تموز/يوليو ٢٠٢٠ حيث خلص الخبراء الى انّ المرضى الذين تناولوا هذا اللقاح لا تظهر عندهم اعراض خطيرة للإلتهابات التي يُصاب بها مرضى كورونا عادة وانّ نسبة الوفيّات عندهم اقلّ بكثير من المرضى الذين لم يتناولوا في السابق هذا اللقاح. ويعتقد الخبراء الذين يقومون بهذه التجارب في “معهد باستور” في مدينة Lille الفرنسية ان لقاح السِلّ يقوّي مناعة الجسم. ويعود ذلك لأنه يُحفز بعض “طُرق المناعة البدائية او الغرائزية” التي تُولد مع الإنسان. ولذلك هناك برامج ابحاث مُتقدّمة عند الأطقم الطبيّة لتقوية المناعة عندهم ضد فيروس كورونا بهذه الطريقة.

ثانياً، اللقاح الروسي:

هناك عدة علامات استفهام حول جدوى وفعاليّة اللقاح الروسي الذي أعلن عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ أن روسيا طوّرته في “معهد نيكولاي جامالييف” في موسكو بالتعاون والتنسيق مع وزارة الدفاع الروسية، وإسمه “سبوتنيك ٥” (مشتقّ من إسم القمر الصناعي السوفياتي سبوتنيك الذي سبق للإتحاد السوفياتي أن أطلقه قبل عقود من الزمن). وقد أثيرت إشاعات كثيرة شكّكت في قدرات روسيا الطبية على تطوير هكذا لقاحات خاصة بعد  إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان ابنته تلقّت هذا اللقاح وطلبه المُتكرر من المختبرات والشركات الفرنسية العملاقة للأدوية التعاون مع روسيا من اجل إنتاج مُشترك لهذا اللقاح وتسويقه، الأمر الذي جعل احد الديبلوماسيين الفرنسيين يسخر من إمكانيات روسيا العلمية على تصنيع كميات كبيرة من هذا اللقاح قائلاً: “لو كان لديهم الخبرة والقدرة لماذا لا يكاد يمرّ يوم دون ان يتواصلوا مع الشركات الفرنسية لمناقشة إمكانيات التعاون”؟

ويأخذ خبراء غربيون على الروس أن المراحل العلمية المُتسلّسلة لتطوير هذا اللقاح والتي بدأت في أيلول/سبتمبر الماضي لم تُحترم بشكلٍ دقيق، وأنه برغم التحذيرات، مضت السلطات الصحيّة الروسية في التجارب السريرية وصولاً إلى المرحلة الثالثة في عدة دول ومنها الإمارات العربية المتحدة، وأظهرت النتائج فعاليته بنسبة 95% حسب السلطات الروسية نفسها، أي النسبة نفسها التي أعلنتها فايزر ومودرنا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلطات الصحية في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية سمحت بدمج بعض المراحل السريرية، كأن تُدمج التجارب في المرحلتين الأولى والثانية معاً او المرحلتين الثانية والثالثة معاً، وذلك في محاولة لكسب الوقت وإختزاله امام هذه الجائحة المهولة التي فرضت انماط حياة وتقاليد لم نكن لنفكّر بها في السابق.

وما أصاب اللقاح الروسي من تشكيك إنسحب أيضاً على اللقاح الصيني، الأمر الذي يطرح العديد من علامات الإستفهام، فقد اثار قرار وزارة الصحة البرازيلية بإعتماد اللقاح الصيني Coronavac الذي تطوّره شركة سينوفاك بايوتيك Sinova Biotech موجة من الإنتقادات عندما وقّع وزير الصحة البرازيلي ادواردو بازييللو قراراً بشراء ٤٦ مليون جرعة من هذا اللقاح الصيني لتوزيعها على السكان في ٢٣ ولاية برازيلية. وهذا ما اثار ايضاً موجة من ردّات الفعل السياسية المُنتقدة  في البرازيل ودفع الرئيس اليميني المتطرّف جايير بولسونارو لإنتقاد اللقاح الصيني، مُشككاً بفعاليته، قائلاً إنه لن يكون إلزامياً وذلك بعكس ما روّج له معظم اخصامه السياسيين، وخاصة حاكم ولاية ساو باولو الذي دافع عن اللقاح الصيني وقال إن البرازيل التي يبلغ عدد سكانها حوالي ٢١٢ مليون نسمة سوف تتعاون ايضاً مع اللقاح الذي تطوّره شركة استرا زنيكا البريطانية – السويدية بالتعاون مع جامعة اوكسفورد البريطانية والذي اتت نتائج تجاربه مُخيّبة للآمال.

إقرأ على موقع 180  لحظة لبنانية للمسؤولية.. والإنقاذ

وفي مقابل الأخبار السارّة التي أعلنتها شركة أسترا زنيكا منذ حوالي عشرة ايام والتي أعلنت فيها أنها ستكون قادرة حتى نهاية ٢٠٢٠ على تصنيع حوالي ٢٠٠ ألف عينة من اللقاح الذي يطوّرانه وحوالي ١.٣ مليار نسخة منه في العام ٢٠٢١، اظهرت نتائج الدراسات السريرية للمرحلة الثالثة ان لقاح أسترا زنيكا فعّال فقط في حوالي ٧٠٪؜ من الحالات. وانّ النتائج كانت اكثر إيجابيةً عند المرضى الذين تلقّوا جرعات خفيفة من هذا اللقاح مقارنة مع المرضى الذين تلقّوا الجرعات الأكبر. وهذا مؤشر سلبي جداً ويشكّل إنتكاسة كبيرة للشركة لأن لقاحي شركتي فايزر ومودرنا اظهرا نتائج اكثر فعالية تصل الى ٩٠٪؜ مع لقاح فايزر و٩٥٪؜  للقاح مودرنا، وهما يمثّلان الشركتان الأكثر تقدّماً في هذا المجال إذا انهما اعلنا انهما ينتظران بدء تسويق اللقاح قريباً في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٠ في الولايات المتحدة ومنها الى مختلف دول العالم.

ثالثاً، ماذا عن مراحل تطوير اللقاح؟ 

1-المرحلة ما قبل السريرية: وهي المرحلة التي يقوم فيها الخبراء بإجراء تجارب على الخلايا ثم على الحيوانات مثل الفئران أو القرود، لكي يعرفوا فعالية اللقاح في تحفيز خلايا هذه الحيوانات على إفراز أجسام مُضادة أو طرق مناعية أخرى لمحاربة الفيروس.

2- المراحل السريرية: وهي تجري عُرفاً على اربع مراحل مُتتالية وعلى الشكل التالي:

أ-المرحلة الأولى Phase I: في هذه المرحلة يعطى اللقاح لعدد ضئيل جداً من الأشخاص المتطوّعين (حوالي عشرة اشخاص تقريباً) للتأكد من عدم وجود ضرر أو أية آثار جانبية خطيرة لهذا اللقاح ولمعرفة الجرعة اللازمة والكافية لتحفيز الجهاز المناعي. وحتى لو كان اللقاح مُخصّصا للأطفال، فإنّ التجارب الأولى في هذه المرحلة تجري على اشخاص كبار قبل إعطاء اللقاح للصغار.

ب-المرحلة الثانية Phase II: يقوم العلماء بإعطاء اللقاح لعدّة مئات من الأشخاص في عدّة مراكز ويتابعون ردّة الفعل على اللقاح لعدّة شهور مُتتالية. ويكون المتطوّعون هنا مقسمين على عدّة مجموعات تحتوي على اشخاص من مختلف الأعمار كالأطفال أو كبار السن. والهدف من هذه التجارب هو معرفة ردّات فعل هكذا فئات عمرية وهكذا أنواع من المرضى او الأشخاص المُختارين ومعرفة ما إذا كان اللقاح سيؤدّي عندهم إلى فعالية كاملة مع مناعة مؤكّدة. وتسمح هذه التجارب ايضاً بمعرفة الجرعة التي يجب ان تُعطى وإمكانية الحاجة الى جرعات تمكين وتحديد الفترة المُثلى للتذكير باللقاح.

ج-المرحلة الثالثة Phase III: وهي المرحلة السريرية الواسعة حيث يقوم الخبراء بدراسة فعالية اللقاح على آلاف المرضى (٣٠ إلى ٤٠ الف متطوّع) لمعرفة فعالية اللقاح عندهم مع مرور الأيام (اسابيع واشهر) والآثار الجانبية (الالتهابات الفيروسية الحقيقية) مُقارنة مع مُتطوّعين آخرين لم يأخذوا اللقاح وأخذوا النسخة الوهمية منه. هذه المرحلة الثالثة تؤدّي في النهاية إلى أخذ الإذن بالتصنيع والتسويق على نطاق واسع. وهي تسمح ايضاً بدراسة فعالية اللقاح عند فئات عمرية او مرضيّة معينة مثل عند المُتقدّمين بالسنّ او المُدخنين او مرضى السّكّري او القلب او ذوي المناعة الضعيفة وغيرهم.

 د- المرحلة الرابعة Phase IV: وهي مرحلة دراسة اللقاح او الدواء ما بعد تسويقه وتوزيعه وتناوله عند مئات آلاف او ملايين الأشخاص وهي تهدف ايضاً لدراسة الآثار الجانبيّة الخفيفة او الخطيرة او المُميتة احياناً. وهي تسمح بسحب اللقاح من الأسواق (في حال ظهور مخاطر او آثار جانبية كبيرة) او إعادة تحديد الجرعة المثلى وتاريخ تناول الجرعات والفترة الأفضل لإعادة حقن جرعة التمكين.

ان نتائج بعض الدراسات العلمية تجزم بأن “الأجسام المناعية الكابحة لفيروس كورونا” تستمر في الجسم لفترات تتراوح بين ٣ او ٤ اشهر في معظم الدراسات او لفترة تصل الى ٦ او ٧ اشهر في اكثر الدراسات تفاؤلاً، أي لا أحد من الخبراء يستطيع حتى تاريخه الجزم حول ما سيكون عليه الحال مع اللقاحات المُختلفة وهل سنحتاج الى جرعات تمكين مع البعض منها وبعد مرور اي وقت من الجرعات الأولى؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لحظة لبنانية للمسؤولية.. والإنقاذ