الشعبوية الترامبية تُقاتل حتى آخر نفس!

يرفض دونالد ترامب الإستسلام. يرفض التسليم بهزيمته في الإنتخابات الرئاسية. يصر على منطق التزوير وبالتالي لن يتردد في البحث عن طريقة تضمن له البقاء في منصبه حتى آخر لحظات ولايته!

منذ أربع سنوات ودونالد ترامب يتحدث عن “تنظيف المستنقع السياسي” في واشنطن. خطاب يميني جعل الولايات المتحدة تجنح نحو محاولة الإستيلاء على السلطة بالقوة. ظهرت تجليات هذا الجنوح، على سبيل المثال لا الحصر، عندما مرّ قانون مساعدات كورونا في الكونغرس في شقيّه النواب والشيوخ ومن ثم إعلان ترامب أنه لن يوّقع عليه الا إذا عُدل القانون وأُضيفت إليه مبالغ إضافية للعائلات التي يقل مدخولها عن 75 الف دولار سنوياً. ترامب يريد اضافة 2000 دولار لكل مواطن بدل الـ 600 التي قررها الكونغرس والتي تدفع مرة واحدة (تصل الكلفة على أساس ما قرره الكونغرس إلى 900 مليار دولار)، وهذا ما يرفضه الجمهوريون، وهذه هي المفارقة، بينما قالت نانسي بيلوسي، العضوة الديموقراطية الأقوى في الكونغرس، إنها تتفق مع دعوة ترامب لدفع مبلغ قدره 2000 دولار لكل أميركي لمرة واحدة، فيما ألمح فريق جو بايدن إلى إمكانية تقديم رزمة حوافز إضافية للأميركيين بعد العشرين من كانون الثاني/ يناير 2021. في النهاية وقع ترامب مشروع الإغاثة الإقتصادية.

إنسحبت شعبوية ترامب أيضاً على مشروع قانون الدفاع الشامل بقيمة 740 مليار دولار بوضع “فيتو” رئاسي عليه سرعان ما كسره الكونغرس الذي يسيطر عليه حزبه الجمهوري، بالتصويت بأغلبية الثلثين لمصلحة إبطال “فيتو” ترامب، وهذا “الكسر” بات يرتد سلباً على صورة أميركا وديموقراطيتها ومؤسساتها.

وتقدر قيمة المعونة المقدمة للأميركيين (600 دولار للفرد)، بموجب قانون الإغاثة بحوالي نصف المبلغ الذي قدمه آخر قانون مساعدات لفيروس كورونا في آذار/ مارس 2020، وتضمن 2.4 تريليون دولار للإغاثة الإقتصادية. وتوفر الحزمة مزايا بطالة فيدرالية (12 مليون عاطل عن العمل حالياً) تصل إلى 300 دولار في الأسبوع الواحد ولمدة 11 أسبوعا، على الرغم من أن هذا يمثل أيضاً نصف المبلغ الذي قدمه القانون السابق. وتحتوي الحزمة على 25 مليار دولار من مساعدات دفع الإيجار، وتمديد وقف إخلاء المنازل الذي كان من المقرر أن ينتهي في نهاية كانون الأول/ديسمبر المنصرم، ويمثل هذا شريان حياة لملايين الأميركيين المهددين بالرمي في الشوارع.

هذا الإنفصام في الإقتصاد الأميركي يتمظهر أكثر فأكثر عند تلك الفئات الأكثر فقراً والأقل تعلماً والأقل إختصاصاً مقابل حالات من الثراء الفاحش في الشركات الكبرى مثل “آبل” و”أمازون” و”وول مارت” التي راكمت اموالا طائلة تصل الى تريليون دولار

هذه الشعبوية التي يمارسها ترامب، لا تؤذي إلا أصحاب الدخل المحدود من فقراء وطبقة وسطى لأنها تهدد الإعانات المباشرة خاصة في ظل إستمرار إنتشار وباء الكورونا وتوقف أعمال هذه الفئات المجتمعية من سود وبيض فقراء تأثروا كثيراً بالأزمة (مطاعم وسياحة وخدمات إلخ..).

ويعيش الإقتصاد الأميركي حالة إنفصام تام بين “ول ستريت” وعامة الناس. فالمصارف والقطاع المالي والعقاري تعيش أفضل حالاتها منذ الأزمة الكبرى عام 2008 وحتى قطاع السيارات والآليات والطائرات عانى إلى حد ما، بسبب أزمة كورونا، ولكن هذه الأزمة مرت من دون تأثير دراماتيكي كبير عليه. هذا الإنفصام في الإقتصاد الأميركي يتمظهر أكثر فأكثر عند تلك الفئات الأكثر فقراً والأقل تعلماً والأقل إختصاصاً مقابل حالات من الثراء الفاحش في الشركات الكبرى مثل “آبل” و”أمازون” و”وول مارت” التي راكمت اموالا طائلة تصل الى تريليون دولار.

وما يسري على الكونغرس يسري على المحاكم المحلية التي كان يلجأ إليها عبر محاميه رودي جولياني أو المحامية سيدني باول صاحبة “نظرية المؤامرة” وبدعم إعلامي قوي من صاحب النفوذ في البيت الأبيض شون هانيتي مذيع “فوكس نيوز” القناة التي أصبحت أقرب الى بوق دعائي اكثر من محطة إذاعية متميزة بقدرتها على الوصول إلى معظم فئات المجتمع الأميركي، لكأن روبرت مردوخ، مالك “فوكس نيوز”، يهتم أكثر بأمواله والدعايات التي تدر عليه الأموال الطائلة، واكبر دليل هو عندما قررت شركات أصحاب ماكينات فرز الأصوات مقاضاة المحطة، فاضطرت الى تغيير سياستها وأوقفت تعليقاتها عن الموضوع، وهذا دليل على أن مردوخ يدرك اهمية الاموال التي يجنيها او ربما يخسرها من الدعايات او بسبب المحاكم.

لذلك، يبدو ترامب أكثر إنعزالا يوما بعد يوم وبرغم ذلك يتوغل أكثر فأكثر في عدم تقبله فكرة خسارته الإنتخابات أمام جو بايدن. فقد باءت بالفشل كل محاولات الطعن بالإنتخابات سواء على صعيد المحاكم المحلية أو في المحكمة العليا خاصة وأن حساباته كانت مختلفة، إذ أنه إعتبر أن تعيينه ثلاثة من تسعة أعضاء في المحكمة العليا يجعله يمتلك قرارها. وعندما ردت المحكمة العليا طعنه بإنتخابات ولايات بنسلفانيا وميشيغين وويسكونسن وأريزونا ونيفادا وجورجيا، اثار ذلك حفيظته، لا سيما وأنه سعى الى تعيين آخر عضوة في المحكمة وهي إيمي كوني باريت التى صوّرها عند حلفانها اليمين وكأنها مجرد حصان طروادة له في المحكمة، فما كان منها إلا أن خذلته: “طلبك ـ أي الطعن ـ مرفوض”. تلك العبارة كانت بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير” فاستشاط غضباً، معتبراً الأمر هزيمة شخصية له. وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنما على ثقافة ترامب غير المؤسساتية، لأنه كان يجب عليه أن يعلم أن التعيين بيده ولكن الإقالة أو تغيير أحد الأعضاء بيد المعينين فقط. وهذا كان واضحاً جداً أثناء وجود روث بايدر غينزبرغ عضوة المحكمة العليا التى توفيت في أيلول/سبتمبر الماضي، والتي حاول الرئيس السابق باراك أوباما إقناعها بالتقاعد عام 2009، فكان جوابها صادماً: “عندما أريد أن أتقاعد فإنك ستكون أول العارفين”!

دونالد ترامب ليس مجرد تعبير عن جنوح شخصي. إنه جنوح نحو الشعبوية والتطرف اليميني وبالتالي بات يشكل خطراً على الديموقراطية الأميركية

يعود قرار تعيين عضو في المحكمة العليا إلى الرئيس وإلى مجلس الشيوخ الذي نفذ ما أراده ترامب من خلال ميتش ماكونيل رئيس الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ. الأخير يتقن جيداً لعبة القوة والسلطة ومصالح الحزب الجمهوري التي تلتقي مع ترامب للوصول الى أهداف الحزب. لذلك، قرر أن يتغاضى عن مزاجية ترامب وجنوحه نحو التسلط والديكتاتورية والعمل غير المؤسساتي. وهذا ما ظهر في تصرفات ترامب التي أقل ما قيل فيها هو ما صدر عن ميتش ماكونيل حيث وصفه بأنه “سياسي طفولي”. أما الآن، فإن ترامب يحاول أن ينهي ولايته على قاعدة أنه لم يعد لديه ما يخسره، ولذلك، قد يلجأ إلى خطوات مفاجئة ومنها الشارع.

حتى أن قضية الإعفاءات التي يلجأ إليها معظم رؤساء الولايات المتحدة قبل إنتهاء ولايتهم، إكتسبت منحى مختلفاً مع ترامب حيث بدا وكأنه يوجه رسالة مفادها أن سلطته أقوى من العدالة الأميركية. هذه السلطة ربما يستخدمها لإصدار عفو رئاسي مسبق عن نفسه، خاصة أن المدعين العامين في ولاية نيويورك يعملون على ملفات تتضمن قضايا رشاوى وتهرب ضريبي (بمبالغ تصل إلى 400 مليون دولار) وقد تصيب أيضاً إبنته إيفانكا.

كما شملت إعفاءات ترامب المثيرة للجدل أشخاصاً حوكموا وصدرت بحقهم أحكام قضائية مثل قضية التدخل الروسي في الإنتخابات الأميركية عام 2016 (أبرز المشولين بالعفو مايكل فلين وجورج بابادوبولوس) وصولاً إلى شمول الإعفاءات تشارلز كوشنر والد صهره جاريد كوشنر وأعضاء الكونغرس السابقين دنكان هانتر وكريس كولينز وستيف ستوكمان ومارك سيلجاندر والنائب الجمهوري السابق فيليب ليمان، فضلاً عن العفو عن متعاقدي الأمن القومي الأربعة التابعين لشركة بلاك ووتر ممن تسببوا بمقتل 14 عراقيا في 2007. وهم: نيكولاس سلاتن، بول سلو، إيفان ليبرتي، وداستن هيرد. كما شمل العفو فيليب إسفورمس، الذي كان يلقب بـ”ملك تزوير المساعدات الطبية”، وأُدين في قضية احتيال بقيمة 1.4 مليار دولار.

هذه وغيرها ماذا تعني؟

دونالد ترامب ليس مجرد تعبير عن جنوح شخصي. إنه جنوح نحو الشعبوية والتطرف اليميني وبالتالي بات يشكل خطراً على الديموقراطية الأميركية. إنه يعبر عن جنوح اليمين الأميركي أكثر فأكثر نحو الفاشية والعنصرية من دون تجاهل نتائج الإنتخابات الأميركية التي أوصلت الديموقراطي جو بايدن الى سدة الرئاسة، ولكنها أبرزت في الوقت نفسه الإنقسام العامودي الكبير في المجتمع الأميركي.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download