جورجيا تقلب المعادلة لمصلحة بايدن.. وترامب يخسر حزبه

مع مصادقة الكونغرس الأميركي فجر اليوم (الخميس) على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن، ونائبته كامالا هاريس بأغلبية أصوات المجمع الانتخابي، تطوى، رسمياً، صفحة الإنتخابات الرئاسية الأميركية، لكن تداعياتها ستبقى قائمة، الآن وغداً وربما لعقود من الزمن.

ما حصل في الساعات الأخيرة في الولايات المتحدة أمر غير مسبوق منذ أكثر من قرنين من الزمن. ما حصل في الكونغرس (مبنى الكابيتول هيل) هو سابقة لم تحصل منذ إحتراق هذا المبنى وتدميره في العام 1814، اي خلال حرب العام 1812، عندما أضرم البريطانيون النار في مبنى الكابيتول في يوم 24 آب، أغسطس أثناء غزوهم مدينة واشنطن، وأنقذت عاصفة من الأمطار المبنى من الاحتراق الكامل، وهو المبنى الذي إستغرق تشييده سبعين عاماً وبات أحد رموز أميركا السياسية، إضافة إلى البيت الأبيض ومقر البنتاغون وغيرها.

حاول الرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب الضغط بكل الوسائل لمنع الإنتقال بسلاسة من إدارة جمهورية إلى إدارة ديموقراطية، لكن إنفضاض الجمهوريين عنه وأولهم نائبه مايك بنس وزعيم الأغلبية الجمهورية في الكونغرس ميتش ماكونيل، قلب الحسابات رأسا على عقب. لم يتردد موظفون في البيت الأبيض في الإحتجاج بإعلان إستقالتهم مثل سارة ماثيوز، نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، وستيفاني غريشام، مساعدة السيدة الأولى ميلانيا ترامب والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض.

ما حصل بعد ظهر يوم السادس من كانون الثاني/ يناير عام 2021 هو أكبر تحدٍ تواجهه مؤسسات النظام الأميركي، حتى أن المدعي العام لمدينة واشنطن طالب بالحرف الواحد نائب الرئيس مايك بنس بممارسة دوره عبر الدعوة الى إقالة الرئيس من خلال التعديل رقم 25 وهو ينص على عدم أهلية الرئيس للإستمرار في ما تبقى من أيام ولايته، وهذه أسرع طريقة لإقالة رئيس الولايات المتحدة عبر الإدارة التي قام هو بتعيينها، وهذا ما لم يحصل منذ إستقلال الولايات المتحدة الأميركية ولكن أيضاً هذا ما لم يفعله أي رئيس للبلاد بأن يحرّض على الغوغاء والتخريب لأنه خسِر الإنتخابات الرئاسية. كما دعا البعض إلى محاكمة ترامب أو قالوا عنه إنه “مجنون” أو “فقد صوابه” إلخ..

بالمقابل، تصرّف أعضاء مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ) وعلى رأسهم ميتش ماكونيل بمسؤولية عالية، بدعوة المجلس الى الإجتماع مجدداً لإكمال ما بدأوه ظهر يوم الأربعاء الماضي، أي تأكيد المؤكد وتعداد الأصوات للمجمّع الإنتخابي ولكن هذه المرة من دون إعتراضات تذكر.

وإذا حسم أمر الفوز المزدوج في جورجيا لمرشحي الحزب الديموقراطي رافاييل وارنوك وجون أوسوف في الإنتخابات الفرعية التى جرت يوم الثلاثاء الماضي، فإن هذا ما يفسر أيضاً جنون دونالد ترامب. رد ناخبو الولاية على تعمد ترامب إهانة حاكمهم الجمهوري وتهديد سكرتير ولاية جورجيا الجمهوري براد رافينسبرجر في إتصال إستمر ساعة بينه وبين الأخير تراوح “ما بين الإطراء والاستجداء والتهديد بعواقب جنائية غامضة في محاولة لتغيير خسارته في جورجيا أمام بايدن” يوم السبت الماضي، كما كشفت صحيفة “واشنطن بوست” في اليوم التالي.

هذا يعني أن رهان ترامب على نتائج إنتخابات جورجيا الفرعية للتمسك بنظرية التزوير قد سقطت إلى حد كبير. زدْ على ذلك أن فوز وارنوك وحده ليس بالأمر التفصيلي في ولاية مثل جورجيا.  هو أول سيناتور أسود عن ولاية كانت ولاية عبودية في الحرب الأهلية الأميركية، وهو السيناتور الأسود الرقم 11 في تاريخ الولايات المتحدة.

الفوز بمقعدين في مجلس الشيوخ يعني توافر فرصة لبايدن لتمرير القوانين التشريعية في الكونغرس بمجلسيه. فالديموقراطيون فازوا بالأكثرية في مجلس النواب وإذا تعادلوا (50 مقابل 50 في مجلس الشيوخ) فإن صوت نائبة الرئيس كامالا هاريس بصفتها رئيسة مجلس الشيوخ، سيعطي الأكثرية للديموقراطيين بفارق صوت واحد. إذا خسر أوسوف وربح فقط وارنوك ستبقى الأكثرية بيد الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وهو الأمر الذي سيحسم في غضون الساعات المقبلة.

نتائج الإنتخابات الفرعية في ولاية جورجيا ستترك أثراً على مجمل الحياة السياسية في الولاية الرئاسية الجديدة، فالرئيس المنتخب جو بايدن بإعلانه أنه ينوي تعيين ميريك غارلاند لوزارة العدل، إنما يعيد الإعتبار إلى الرجل الذي كان قد رشحه الرئيس السابق باراك أوباما لمنصب عضو في المحكمة العليا عام 2016 بعد وفاة عضو المحكمة العليا أنتونين سكاليا، وقد وقف الكونغرس وقتذاك ضد الترشيح حتى أن ميتش ماكونيل زعيم الغالبية الجمهورية منع الترشيح لا بل منع حتى الحديث بالموضوع لمدة 10 أشهر وبالتالي تمكن من قلب المحكمة العليا وتركيبتها رأسا على عقب لمصلحة المحافظين الذين صاروا يملكون أكثرية من ستة من أصل تسعة أعضاء.

للإنتخابات عواقبها، هذا ما قاله دونالد ترامب في السادس من كانون الثاني/ يناير 2021 وهو يوم سيبقى محفورا في ذاكرة أميركا لأمد طويل، فقد ربح الديمقراطيون، مبدئياً، مجلس الشيوخ عبر التعادل مع الجمهوريين 50-50 وبالتالي أعطت أميركا الأكثرية لكامالا هاريس لتكسر التساوي بصوتها كنائبة رئيس ورئيسة لمجلس الشيوخ، وهذا ما يجعل رئاسة بايدن أكثر سلاسة وأقل مواجهة مما كان سيحصل في حال ربح الجمهوريون مجلس الشيوخ، وبالتالي ظل قرار التعيينات بيدهم كما الفيتو على كل التشريعات.

هل ترامب حالة فردية؟

الجواب السريع أن ترامب هو نتاج إنقسام عامودي عميق في السياسة والإقتصاد والمال والمجتمع. لقد وصلت الأمور إلى مفترق طرق وعلى وقع الخيارات التي ستسلكها أميركا ستترتب نتائج وتداعيات لعقود قادمة.

ما حصل في السادس من كانون الثاني/ يناير سيرسخ قيماً جديدة في عقول الأميركيين. إهتزت صورة الديموقراطية عند الأميركيين ويحتاج ترميمها إلى جهد وسنوات طويلة.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course